صدر كتاب “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” للمفكر الأمريكي صمويل هنتنغتون سنة 1996، ونشهد هذه السنة مرور ثلاثين عاما على صدوره، ومع ذلك ما زال حضوره قويا في الخطاب السياسي والاستراتيجي العالمي. تقوم أطروحته على فكرة أن الصراعات في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ستتخذ طابعا حضاريا ودينيا، حيث تتحول الهوية الثقافية والدينية إلى محددات مركزية للتحالفات والعداوات، وتغدو الحدود بين الحضارات خطوط تماس قابلة للاشتعال، خاصة بين ما يسميه بالحضارة الغربية والحضارة الإسلامية.
وقد وجدت هذه الرؤية صدى واسعا في بعض الخطابات السياسية والإعلامية المعاصرة، ولا سيما لدى تيارات اليمين المتطرف الإسرائيلي والصهيونية المسيحية في الغرب، خصوصا في الولايات المتحدة، حيث يعاد تأطير الصراعات الجارية في الشرق الأوسط باعتبارها مواجهة ذات بعد حضاري وديني وجودي. في هذا السياق شهد العالم توظيف سرديات توراتية وإنجيلية لإضفاء مشروعية لاهوتية على قتل الفلسطينيين في غزة، من خلال تصوير العنف باعتباره تنفيذا لوعد إلهي أو تحقيقا لنبوءة دينية. واليوم نشهد استعادة هذه السردية الدينية نفسها في سياق تبرير الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، مع استحضار تصورات أسطورية من قبيل “إسرائيل من النيل إلى الفرات”، وإدراجها ضمن خطاب سياسي واستراتيجي معاصر يعيد أيضا استدعاء الخطاب الديني التعبوي الذي استعمل تاريخيا في الحروب الدينية.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ظهر صمويل هنتنغتون مزهوا بنظريته، وصرح في وسائل الإعلام بأن تلك الأحداث تؤكد أطروحته حول وجود صدام حضاري وديني، معتبرا أن الإسلاميين الراديكاليين هاجموا الولايات المتحدة لأنهم يكرهون القيم الأمريكية. غير أن هذا التفسير اختزل الظاهرة في بعدها الثقافي والديني، وأغفل السياقات السياسية والتاريخية المعقدة التي ساهمت في إنتاج تلك التوترات.
مع ذلك، تعرضت أطروحة صدام الحضارات لنقد واسع في الفكر المعاصر. فقد رأى عدد من المفكرين أن التوترات التي يعرفها العالم تعكس في كثير من الأحيان صراعات سياسية وأيديولوجية معقدة داخل الحضارات نفسها. في هذا السياق جاء كتاب “صدام الهمجيات: الإرهاب والإرهاب المضاد والفوضى العالمية قبل 11 أيلول وبعده” ليبرز أن الواقع الدولي يتسم بتصاعد دوامات العنف المتبادل بين قوى سياسية وعسكرية تتغذى من منطق القوة والهيمنة. كما قدم طارق علي في كتابه “صدام الأصوليات: الحروب الصليبية، الجهاد، والحداثة” قراءة نقدية تؤكد أن الصراع يدور بين أصوليات متطرفة توظف الدين والهوية لخدمة مشاريع سياسية.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر عدد من المفكرين، من بينهم إدوارد سعيد، أن أطروحة هنتنغتون تقوم على تبسيط مفرط للتاريخ والثقافة، إذ تعيد إنتاج ثنائية عدائية بين “نحن” و”هم”، وتتجاهل قرونا طويلة من التفاعل والتبادل الحضاري بين الشعوب. وقد وصف إدوارد سعيد هذه الرؤية بأنها “صدام الجهالات”، في إشارة إلى أن الخطابات الأيديولوجية المتطرفة تغذي سوء الفهم المتبادل وتدفع نحو تأجيج النزاعات.
فالتاريخ الإنساني يكشف أن الحضارات تشكلت عبر التثاقف والتلاقح والتبادل المعرفي بقدر ما شهدت لحظات صراع. وغالبا ما تنشأ النزاعات عندما تصل إلى الحكم قوى أيديولوجية متطرفة توظف الدين والهوية لتبرير الهيمنة والعنف.
كما تكشف الوقائع المعاصرة محدودية فرضية الصدام الحضاري. فملايين من المواطنين في الدول الغربية خرجوا وما زالوا يخرجون في مظاهرات واسعة تضامنا مع الشعب الفلسطيني ورفضا للحروب والعدوان، كما أن دولا غربية عدة عبرت عن مواقف معارضة للتصعيد العسكري. هذه الوقائع تعكس انقسامات سياسية وأخلاقية داخل المجتمعات الغربية نفسها، وتؤكد أن المشهد الدولي أكثر تعقيدا من اختزاله في مواجهة حضارية كبرى.
وبالنسبة لمعظم سكان العالم، فإن هذا النظام الدولي لم يجلب الاستقرار بقدر ما ساهم في تعميق المآسي الإنسانية والبيئية، حيث وجد ملايين البشر أنفسهم خارج حسابات القوة والسياسة، في عالم تحكمه اعتبارات الهيمنة والمصالح الجيوسياسية. لذلك أصبح من الضروري التفكير بجدية في بدائل فكرية وسياسية تعيد الاعتبار للإنسان في قلب النظام الدولي.
ولعل أحد أهم هذه البدائل يتمثل في الانتقال من مفهوم الأمن الجماعي الذي يركز أساسا على حماية الدول والأنظمة الحاكمة إلى مفهوم أوسع هو الأمن الإنساني، الذي يقوم على حماية الإنسان ذاته وكرامته وحقوقه الأساسية. فمستقبل العلاقات الدولية يحتاج إلى رؤية تتجاوز منطق الصدام والخوف، وتعمل على تعزيز قيم التضامن الإنساني والعدالة والسلام، وبناء نظام دولي أكثر إنصافا يضع أمن البشر ورفاههم في صلب أولوياته.



