في مقالها المنشور حديثًا في صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان “‘It’s not just Gaza. From the West Bank to Syria and Lebanon, Israel’s onslaught continues” (لا يقتصرُ الأمر على غزة، الهجوم الإسرائيلي يستمر من الضفة الغربية وصولاً إلى سوريا ولبنان) تقول الكاتبة نسرين مالك إنه بات واضحًا الآن أن وقف إطلاق النار في غزة ليس سوى “تهدئة”، بينما تستمر إسرائيل في شن هجمات شبه يومية على القطاع. وتشير إلى أنه قد قُتل منذ وقف إطلاق النار، أكثر من 300 شخص، وجُرح ما يقرب من 1000، وبينما تستمر الأعداد في ازدياد؛ تتضح في غضون ذلك معالم المخطط الإسرائيلي الجديد: هيمنة دموية ليس فقط على غزة، بل على جميع أنحاء فلسطين والمنطقة ككل[[1]].
وقد وصفت أغنيس كالمار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، فترة ما بعد وقف إطلاق النار بأن ثمة “وهما خطيرا” مفاده أن الحياة في غزة تعود إلى طبيعتها. وأضافت كالمار بأن السلطات الإسرائيلية قلصت هجماتها وسمحت بدخول بعض المساعدات إلى غزة؛ لكن “العالم يجب ألا ينخدع، فالإبادة الجماعية الإسرائيلية لم تنتهِ بعد”.
وقد منعت السلطات الإسرائيلية منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول، دخول ما يقرب من 6500 طن من مواد الإغاثة التي نسقتها الأمم المتحدة إلى غزة. ووفقًا لمنظمة أوكسفام، فقد مُنعت شحنات المياه والغذاء والخيام والإمدادات الطبية من 17 منظمة غير حكومية دولية خلال الأسبوعين التاليين لوقف إطلاق النار فقط. والنتيجة هي أن السكان الذين دُمّرت منازلهم وقُطّعت سبل عيشهم لا يزالون محرومين من الحصول على خيام أكثر أمانًا أو طعام كافٍ.
أما في الضفة الغربية فحملة القمع تستمر في التصاعد لتتحوّل إلى حصارٍ عسكريٍّ شامل، حيث أُجبر عشرات الآلاف من الفلسطينيين على مغادرة منازلهم هذا العام في نمطٍ وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه يرقى إلى “جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتطهيرٍ عرقي، ينبغي التحقيق فيه ومُقاضاة مرتكبيه”.
كما قُتل أكثر من ألف شخص على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة خلال العامين الماضيين، منهم طفل واحد من كل خمسة. وفي أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام 2025، سجّلت الأمم المتحدة أكثر من 260 هجومًا للمستوطنين، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيلاتها قبل 20 عامًا.
أما على صعيد الجبهة السورية، فقد شنّت القوات الإسرائيلية هجوما بريًا في الأسبوع الماضي جنوب البلاد، مما أسفر عن مقتل 13 سوريًا، من بينهم أطفال. وقد رفض الجيش الإسرائيلي تقديم معلومات عن المجموعة التي زعم استهدافها في الغارة.
وقد اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش القوات الإسرائيلية التي تتوغل في سوريا بتطبيق أسلوب الاستعمار نفسه المُتبع في الأراضي الفلسطينية: التهجير القسري، ومصادرة المنازل، وهدمها، وقطع سبل العيش، والنقل غير القانوني للمعتقلين السوريين إلى إسرائيل. ويبدو أن إسرائيل تعتزم الحفاظ على وجودها في الجنوب السوري إلى أجل غير مسمى، متمتعة في غضون ذلك بسلطةٍ غير محدودة على سكان المنطقة.
بالانتقال إلى لبنان، حيث لا يزال 64 ألف شخص نازحين من ديارهم بعد حرب العام الماضي والتي شهدت كثافة في الهجمات الإسرائيلية، وعلى الرغم من مفاوضات اتفاق السلام في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي فإن إسرائيل لا تزال تشن قصفًا شبه يومي على الأراضي اللبنانية، كما أنها لا تزال تحتل خمس نقاط مراقبة تشن منها هجمات على أهداف تزعم أنها مرتبطة بحزب الله.
ووفقًا لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، فإن إسرائيل مذنبة بارتكاب أكثر من 10 آلاف انتهاك جوي وبري لوقف إطلاق النار. وبسبب هذه الهجمات والانتهاكات، يُطرد المدنيون من أراضيهم مرة أخرى، ويصبحون عرضةً لهجمات الجيش الإسرائيلي، ويخضعون لحالة من السيادة الإسرائيلية المطلقة.
ووفقًا لتقرير حديث نُشر في صحيفة نيويورك تايمز، فإن “الوضع في لبنان يُقدم مثالًا واضحًا على شرق أوسط جديد، حيث يكون نفوذ إسرائيل في كل مكان تقريبًا”.
في ختام مقالها تتساءل مالك: أي نوع من وقف إطلاق النار هذا؟ وتؤكد أن الوضع الراهن لا يمكن لأي عاقل أن يتوقع منه أن يثمر أي نوع من السلام، سواء في فلسطين أو في الشرق الأوسط ككل. وتشير إلى أنه قد يُكرر الوسطاء وأصحاب المصلحة والدبلوماسيون الحديث عن وقف إطلاق النار التدريجي وخطط إعادة الإعمار، لكن الحقيقة أن هذه خطط تُعد لمستقبل لن يتحقق أبدًا، ما لم تتوقف إسرائيل عن عنفها غير المشروع.
وأخيرًا تؤكد نسرين بأن الوهم الخطير بأن الحياة تعود إلى طبيعتها سواء في غزة، أو في فلسطين والمنطقة ككل، سيتبدد قريبًا.
[[1]]https://www.theguardian.com/commentisfree/2025/dec/01/gaza-west-bank-syria-lebanon-israel-ceasefire



