الناشر: نوفل الفاضل وهاشيت أنطوان، بيروت، 2025، 198 ص.
المؤلف: حسن أوريد
هذا أحسن كتاب قرأته عن مسألة الهوية في السنين الأخيرة، تفوق على كتاب الروائي اللبناني الفرنسي أمين معلوف، الذي عنونه ب: “الهويات القاتلة”، ولئن تميز كتاب معلوف بالجمال اللغوي والإيجاز، فقد تميز هذا الكتاب بالعمق الأكاديمي الفكري الغني بمشكلة القضايا الهوياتية المعاصرة وبخاصة في فرنسا.
كان عمق الكتاب وقضيته حديثا عن أزمة المسلمين وهويتهم في فرنسا، بالرغم من أنه كتب مقدمة عامة مهمة عن إشكالية الهوية عموما، وليس في فرنسا وحدها، ووضع في الصفحات المدخلية للكتاب نقولا معبرة مثل نقله: “تزعمون أنكم تقبلونني كما أنا، بينما أنتم تسعون إلى تغييري.” ص 5.
يشير المؤلف إلي الإشكال الفكري الذي عم الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وخسارة اليسار في العالم، بأن الغرب جعل من الإسلام عدوّاً بديلاً لعدو اندثر. وإن كنت قد كتبت في أحد كتبي الأولى “أيام بين شيكاغو وباريس” عن ظاهرة تحول اليسار العالمي الذي فشل سياسياً من السياسة إلى قضايا حقوق الإنسان في العالم، ولكن اليسار الأوروبي عند المؤلف، بدلا من أن يحافظ على الاهتمام بحقوق الإنسان، فقد تحول إلى ظاهرة اندماج وتقارب مع اليمين المسيحي في فرنسا. وحاول اليسار الفرنسي أن يتماهى مع ظاهرة العداء للإسلام وللمهاجرين عموما من أفارقة وآسيويين ولكن بخاصة المغاربيين، إذ يرى اليسار أن المسلمين تحولوا إلى التشدد الديني. ولكن هذا اليسار الذي استقال، والنخب المثقفة المخاتلة ص. 131 لا تنتقد تصرفات حكومة بلادها، وقد سيطرت عليها العنصرية والأحقاد التاريخية المسيحية، “لكن اليمين المتطرف والخطاب الرسمي، يعتبران ما هو عرض سببا، ويخلطان ما بين النتيجة والسبب.” ص. 130، وقد باتت جماعات المثقفين ترى في الشارع الهائج ضد الظلم والإقصاء “اعتباره مجالا للهمجية وقلة الوطنية، ومن ثم يجب التصدي له بالقوة أو بالقوة المضادة بلا هوادة.” ص. 131.
الطريف أن بعض اليساريين العرب تحولوا أيضا من مذهبهم إلى اليمين الأمريكي المتطرف وأصبحوا خدماً لمصالح المحافظين الجدد، ويرددون خطابهم في العداء للإسلام، مثل بذاءة المقولة التي يرددونها: “الإرهاب الإسلامي” كما ألقاها اللوبي الصهيوني في أفواه بعض اليساريين العرب التابعين.
ونعود للكتاب، فقد قام مثقفون فرنسيون كثيرون ببث دعاية مضادة للمسلمين باستخدام ظاهرة “الإسلاموفوبيا” أو الخوف من الإسلام، وفوبيا كما يشرح الكاتب هي الخوف في اللغة اليونانية. ونادى بعض السياسيين والمثقفين الفرنسيين إلى تكوين جبهة مسيحية يهودية ضد تزايد المهاجرين المسلمين. وهي محاولات إهانة وإقصاء متكررة بأساليب مختلفة تصاعدت منذ بداية عقد الثمانينيات في القرن الماضي، وتتصاعد وتتلون بألوان عديدة وغايتها واحدة، وأكبر من يخادع في هذه القضايا ليس الإعلام الذي يبالغ في تشويه سكان الضواحي من المهاجرين فقط، بل هناك مثقفون ومتعالمون يروجون للكراهية والفصل العنصري في المجتمع الفرنسي ضد المهاجرين، وكانوا من قبل يحتقرون التابعين الجزائريين بوصفهم: “عرب خدمة”. ثم إنهم في زمن الاستعمار أعطوا الجزائر وصف: فرنسية ولكنهم لم يجنسوهم، جنسوا فقط يهود الجزائر، ومن كان من الجزائريين ويعتبرونهم فرنسيين فكانوا يرونهم فرنسيين من طبقة ثانية دونية أقل.
كان الغرب يحتاج، بسبب المهاجرين أو بدونهم، إلى عدو ليصنع لهم هوية كانوا قد فقدوها هم. ويذكر الكاتب قصة للكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو حدثت له حين نزل نيويورك، فقد سأله السائق الباكستاني عن: من هم أعداء بلده؟ مما جعل إيكو يفكر في الجواب ثم كتب للعالم كتابه: “بناء العدو”، وفيه أشار إيكو إلى أن الولايات المتحدة، بعدما اندحرت إمبراطورية الشر (الاتحاد السوفيتي)، فقد وجدت في بن لادن بديلا كي تصوغ عدوا، ليخلص الكاتب إلى: “إنك تحتاج إلى عدو كي تصوغ هوية، وكي تواجه حاجزا، وتقيس منظومة القيم التي هي لديك، وتبدي مظاهر بسالتك، ولذلك حينما لا يوجد عدو، ينبغي صنعه.” ص. 69- 70.
ثم يتحدث الكاتب عن نوعين من العنف الهويّاتي، أدناه العنف الرمزي وأقصاه العنف المادي، بعد ذلك يشرح السباب والكلمات التي يطلقها الفرنسيون على المهاجرين العرب، وينتهي بتوثيق العنف المادي الذي تعرض له مغاربيون من الشرطة الفرنسية، مثل إطلاق النار على نائل مرزوق [27 يونيو 2023]، ويشير إلى قرار منع نشر اسم الشرطي الذي أطلق النار عليه وقتله. وأيضا تستر الحكومة على فعل الشرطة بإطلاق قنبلة مسيلة للدموع باتجاه المصلين في شهر رمضان، ومنع تداول الخبر والتنكر للحادثة. والتسبب في صعق كهربائي لطفلين هما زياد وبوبانا ص. 132، ثم يعطي نماذج ويشرح بعض الحالات؛ منها شاب عمره 18 عاما يبحث عن عمل، قال: “ألم يتستر ساركوزي حينما ألقى رجل أمن قنبلة مسيلة للدموع على المسجد، بلد منافقين.” ص. 135، ثم يتحدث عن مظاهرات الضواحي مع سرد الحالات المرعبة التي تعرض لها المهاجرون في أحيائهم، وليس أقلها العنف الرمزي والكلمات البذيئة والحقرة أو الاحتقار الذي أصبح مفردة فرنسية (هاجار) ومُلَا (بغل) وغيرها، ومنع المهاجرين حتى من التجمع وتبادل الحديث فيما بينهم. ص. 133، وصولا إلى سوء المدارس التي يدرس فيها أولاد المهاجرين. ويردّ أبناء المهاجرين بعنفٍ مضادٍّ ويرتاح أحدهم أنه قد ألقى حجرا على الدجاجة (رجال الأمن) ويعقب أبناء المهاجرين على انتقامهم من الشرطة بأنهم لا يريدون إلا الاحترام. يقول طفل في السادسة عشرة من عمره: “لو أتى الشرطي وطلب مني أوراقي بأدب لسلمتها له.” ويعلق طفل آخر: “يبدؤون بالصراخ لكيلا يقولوا شيئا… ويسبونك” ص.134، وقال أحد الطلاب الذين أنهوا الباكالوريا (الثانوية) إن أستاذته فلانة قالت له: “خاب أملي لأنك حصلت على الباكالوريا.” ص. 136، ويتحدث بعضهم عن إساءات بالغة للمهاجرين، ويقول أحد الطلاب إنهم اضطروه لبيع المخدرات كي يساعد والديه ص. 136، علما بأن الأمن الفرنسي يكرر لوم آباء هؤلاء الأطفال أو الشباب المحرومين، كما فعل وزير العدل الفرنسي إثر المظاهرات، ص. 141. تلك الأحداث جرت عام 2023 والتي استهدف فيها المتظاهرون 500 بلدية، واستنفر الأمن 40000 من رجال الأمن و60000 من رجال المطافئ، و40000 مستجوب، وجرح أكثر من 850 شرطيا ورجل درك وأحرقت 12000 سيارة وهُدم 174 مقرا بلديا ومدرسة ودُمرت 25000 بناية عمومية” ص. 139.
وعن تظاهرة أصحاب السترات الصفراء المشهورة بين عامي 2019-2020، بأن سكان الضواحي “استنكفوا النزول إلى شارع الشانزليزيه عن قصد حتى لا يعطوا للأمن الذريعة للضرب بقوة” ص. 138. ولا يكفي وجود قوانين ظاهرها التسامح، فكما يقول الكاتب: إن “برودة القانون [ليست] عوضا عن دفء الانتماء” ص. 138.
أما في الفصل الأخير، فقد كان الكاتب موفّقاً في إجمال أزمة المستعمر السابق مع المستعمرات السابقة وتصرفاته تجاه سكانها. أزمة فكرية وسلوكية وفشل مركب بعث آلاما قديمة ونكأ جروحا غائرة، وعاش الفرنسي في زماننا بعقلية المُستعمر الذي قتل الشعوب المغزوّة المقهورة ومزق نسيجها الاجتماعي، وأثار العداوات بين المكونات كما حصل في لبنان وسوريا والعراق، عداوات مصطنعة ضد الأقليات: نصارى ودروز وكرد، وكما يحدث الآن في المغرب الكبير بين العرب والبربر، وإن كان يمس هذا الموضوع بلطف وخوف وليس كما غيره (موضوع الصراع المفتعل بين العرب والبربر).
ثم يقول: “ترى النخب المفكرة من المنحدرين من مهاجرين في أوروبا، أن الأوضاع التي تتلظى بها غير منفصلة عن الماضي الاستعماري، وصم ماضٍ ولما يمض، من مخلفات الاستعباد، كما بالنسبة إلى سود أمريكا… تنظر النخب إلى وضع المهاجرين بصفتهم استمرارية لماضي الاستعباد والاسترقاق… لم يمض الماضي الاستعماري وما طبعه من تقتيل ومن تدمير ذاكرة ومحو حضارة، وما رافقه من احتقار واستغلال. يشكل هذا الماضي لا وعياً تاريخيّاً وكدمةً ثقافيةً مستمرّةً” ص.176، ولا يبالي بعض الشخصيات القيادية من ذم الشعوب التي كانت مستعمرة وهو حينها على أرضها، فقد قال الرئيس الفرنسي ساركوزي في جامعة داكار: “إن إفريقيا كانت خارج التاريخ” ص. 190، نعم كانت خارج تاريخكم الاستعماري، ولكنكم اليوم تشهدون ردود الشعوب التي كانت مستعمرة، كما حدث أخيرا في دول إفريقية من طرد الجيوش الفرنسية وطرد لغتهم وثقافتهم واستعادة هذه الدول لثقافتها.
لقد” كانت البندقية هي أداة “المهمّة التمدينيّة”! وكانت أغلب المعارك الاستعمارية، عمليات إبادة وحرق أراض، وخنق الأهالي بالدخان في الكهوف،” ص. 191 [يشير الكاتب هنا إلى حادثة خنق ألف جزائري بالدخان حين فروا من الفرنسيين إلى كهف في جبل هناك فأبادوهم بهذه الطريقة] ثم يعقب: “الحقيقة أن الاستعمار طمس حضارات سابقة، واغتصب مجتمعات قائمة، فقلب سلم قيمها رأسا على عقب، حل بها بالقوة واستعمل السلاح والتقتيل والتحريق والاغتصاب لإخضاعها، ولجأ إلى الاختطاف بحثا عن اليد العاملة، وحشرها كما تحشر الدواب في الحضائر (جزيرة كوري قبالة داكار… كان يختطف الأهالي من منطقة دكالة المغربية ويرسلون عبيدا في البرازيل… أقدمت القوى الاستعمارية على توزيع المستعمرات كما كعكة، دون الأخذ في الاعتبار النسيج القبلي والأسري.” ص 191.
وليس هذا فحسب، بل كانت للمستعمرين “توجهات إبادية، لم تُخف توجهها [لإبادة] الأعراق غير ذات القيمة… تم الغزو بالعنف، وأعقبه الاستغلال المفرط. وضع المستعمرون اليد على الأراضي الخصبة واستخلصوها لأنفسهم[1]، وأضحت الإدارة، التي كان من المفترض أن تأخذ بمبدأ الحياد، أداة في أيديهم.. صادرت الأراضي ونزعتها من ذوي الحقوق… كان الوضع التمييزي لمن سيعرفون في الجزائر بالأقدام السوداء يسير جنبا إلى جنب مع شعور بالاحتقار تجاه الأهالي… كان الاضطهاد يفضي لا إلى احتقار الأهالي وعالمهم فحسب، بل إلى كراهيتهم.” ص. 192. إنك ترى في الكتاب الذي كان غالب تركيزه على فرنسا، تلك البلاد المأزومة جدا، التي تنفس عن مصائبها بالغضب ضد المهاجرين المحرومين، كما يفعل البيض الأمريكيون ضد السود والمهاجرين. أما الكاتب فإنه يوثق معلوماته من مصادر كثيرة، فليس الكتاب كتاب رأي سريع مجرد، بل نتاج بحث واستقصاء مشكور. إن الكتاب ثروة فكرية ثرية ومفيدة جدا لمن أراد معرفة جانب من مآسي المهاجرين في فرنسا. ولا نستطيع تحميل الكاتب كل طموحاتنا في الحديث عن الاستعمار ومصائبه فقد كان همه موضوع الهوية، ولخصها موفّقاً في البحث عن أزمة هوية المهاجرين في فرنسا.
أما عتبي على الكاتب فهو في استعمال مصطلح “إسلام سياسي” في كثير من كتاباته ومقالاته المهمة، وهو مصطلح لا أرى صحته بحال، وليس هنا مجال بحث هذا الموضوع فقد كتبت عنه في بحث خاص ينقد هذه العبارة المسيحية التي أُدرجت حديثا في مختلف الوسائل حين يأتي الحديث عن نهضة الإسلام المعاصرة، وكثر تداولها وعبرت على بعض من المثقفين المسلمين النابهين من قومنا دون فحص وفهم، ولا أعني هنا الجاهلين ولا الحاقدين.
[1] في نص طريف كنت قرأته للكاتب الكيني واثنجو مؤلف كتاب: تصفية استعمار العقل، كتب كلاما فحواه “إن القسيس كان بيده الإنجيل يعظنا [نحن الأفارقة] ثم قال لنا أغمضوا أعينكم واسمعوا كلام ربكم، فلما فتحنا أعيننا وجدنا الإنجيل بأيدينا وأرضنا بيده!



