في كتابه الصادر عن دار وايلي بلاكويل (Wiley-Blackwell) للنشر في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان “Islamicate Cosmopolitan Spirit” «الروح الكوزموبوليتانية الإسلامية» (2021) يقدم المؤلف: بروس ب. لورانس، قراءة للإسلام من خلال الممارسات الثقافية والاجتماعية التاريخية. ويطرح نظرية مفادها أن الروح الكوزموبوليتانية (العالمية) الإسلامية تُمثل منعطفًا في التاريخ العالمي، وتعبر عن سعي تاريخي دؤوب ونقدي للذات، مرتبط بالجمال والعدالة.[[1]]
يعد هذا الكتاب محاولة لتفنيد التصوّرات الغربية الشائعة التي تضع الإسلام في مقابل الحداثة أو العولمة، حيث يجادل الكاتب بأن الإسلام نفسه مشروع كوزموبوليتاني منذ نشأته، بل من أكثر التقاليد الدينية قدرة- تاريخيًا- على بناء دوائر واسعة من الانتماء الإنساني؛ وأنه استطاع تشكيل روح عالمية تتجاوز الحدود القومية، والعرقية، واللغوية.
وعلى مدار جميع فصول هذا الكتاب الذي يقع في 192 صفحة، يسعى لورانس إلى الدفاع عن أطروحة واضحة، ألا وهي أن الإسلام عبر تاريخه لم يكن دينًا منغلقًا ولا محليًا، بل كان دينًا ذا نزوع عالمي، وهو مشارك في صنع الحداثة، ومُنْتِج لروح كوزموبوليتانية تُعيد توجيه العولمة نحو أفق إنساني أرحب.
ويعتقد لورانس أن النزعة العالمية ليست حكرًا على إرث سقراط والرواقية أو فلسفات الحداثة. بل إن العالم الإسلامي – وخاصة في القرنين العاشر والسادس عشر– قدّم نموذجًا اجتماعيًا فعليًا للكوزموبوليتانية من خلال ازدهار خطوط التجارة العالمية، والمؤسسات التعليمية العابرة للحدود (مثل: الأزهر، والزيتونة، والقرويين)، وشبكات العلماء والطرق الصوفية والترجمة والتبادل العلمي. ويشير لورانس إلى أن الكوزموبوليتانية الإسلامية – على عكس الغربية – ليست فلسفة مجردة، بل ممارسة اجتماعية واقعية.
يعتبر لورانس أن “الأمة” في الإسلام ليست مجرد مجتمع ديني بل هي إطار ثقافي عالمي لا يتأسس على العرق، ولا يشترط لغة واحدة، بل هو قابل لاستيعاب شعوب مختلفة، يُدار بمبدأ أخلاقي أكثر من كونه جغرافيًا؛ وهذا ما مكّن الإسلام من الانتشار الأفقي عبر قرون دون أن يُنتج قومية دينية مغلقة.
ويجادل لورانس بأن العربية لعبت دورًا شبيهًا باللاتينية أو الإنجليزية اليوم، ولكن بصورة أوسع وأعمق، فقد كانت هي لغة الدين، وهي أيضًا لغة الأدب والفلسفة، وهي كذلك لغة الإدارة. وكانت أداة مشتركة للتواصل بين أمم مختلفة، على نحو سمح ببناء “رأس مال ثقافي رمزي” عابر للقارات.
كما يفرد لورانس مساحة كبيرة للتصوف، ويراه الأداة الأكثر فاعلية في إنتاج العالمية الإسلامية. ويشير في هذا الإطار إلى أدوار رجال بارزين في هذا المضمار مثل: ابن عربي، والرومي، والشبلي، والجُنيد، فضلاً عن إشارته للطرق الصوفية مثل النقشبندية، الشاذلية، والقادرية. ويرى لورانس أن التصوف أنتج لغة مشتركة تقوم على: الرحمة، والحب، وأخلاق الضيافة، على نحو يتجاوز الفروق بين البشر؛ وبهذا استطاع أن ينسج شبكة عالمية قبل عصر “العولمة” الراهن بقرون طويلة.
ويشدّد لورانس على ضرورة التمييز بين الإسلام كدين كوني، والدولة الإسلامية ككيان سياسي، حيث يرى أن الروح الكوزموبوليتانية في الإسلام هي نتاج الدين والثقافة أكثر من الدولة. فالدولة قد تتوسع تاريخيًا أو تنكمش، لكن الكوزموبوليتانية الإسلامية تتجدد باستمرار عبر: شعيرة الحج كل عام، والأدب، واللغة، والصوفية، والتجارة، وشبكات العلماء الممتدة بشكل عابر للحدود العرقية واللغوية.
ينتقد لورانس كذلك السرديات التي تربط الإسلام بالتطرف، ويرى أن النزعات المتطرفة ليست ممثلة للإسلام بقدر ما هي ظاهرة حديثة مرتبطة بالجغرافيا السياسية، وناتجة عن صدمات الاستعمار والحداثة غير المتوازنة. ويعتقد لورانس أن الإسلام قادر على تقديم بديل كوزموبوليتاني للعولمة النيوليبرالية ضمن إطار غير غربي للعدالة والأخلاق وحقوق الإنسان.
ويُعد هذا الكتاب مفيدًا لجميع المتخصصين في الدراسات الإسلامية، وللمهتمين كذلك بالتاريخ العالمي، وسيجد فيه المهتمون بتاريخ آسيا الإسلامي قراءة تُركّز على مساهمة تلك المنطقة في الروح الكونية الإسلامية.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف بروس ب. لورانس هو أستاذ فخري متميز في علوم الدين بجامعة ديوك في ولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة، وهو كذلك أستاذ في معهد تحالف الحضارات بجامعة ابن خلدون في إسطنبول. ويركز في عمله البحثي على الإسلام والتصوف، والعولمة الإسلامية.
[[1]]https://www.wiley.com/en-us/Islamicate+Cosmopolitan+Spirit-p-9781405155144



