الثلاثاء 4 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

الجماعات السلفية؛ مزايا ومآخذ

عبدالله بن عمر البكري by عبدالله بن عمر البكري
19 نونبر 2025
الجماعات السلفية؛ مزايا ومآخذ
0
SHARES
401
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

تعالت في السنوات الأخيرة أصوات تنادي بإسقاط السلفية، ولا يشك المنصفون أن الطوائف السلفية داخلة بالجملة في مسمى (أهل السنة والجماعة)، ونحن هنا نبيّن بإيجاز أهم ما يُنقم على الجماعات السلفية، لتدارك ذلك والسعي في إصلاحه، وأهم ما لديها من مزايا ومناقب، توجب العدل معها، وعدم إهدار محاسنها.

وما يُنقم على الجماعات السلفية على ثلاثة أضرب:

  •  فبعضه نقد مقبول موافق للصواب، ناشئ عن خلل في المنهج، أو أخطاء في مسائل.
  • وبعضه نقد متعلق بمسائل اجتهادية؛ علمية أو عملية، لا تخرج عن دائرة الخلاف المعتبر، وربما كانت اختيارات السلفية في بعض تلك المسائل هي الأقرب للصواب.
  • والضرب الثالث؛ إنما هو مِن بغي الطوائف بعضها على بعض.

المنشقون عن الجماعات السلفية

نِجد أن مِن أشد الناس منافرةً للجماعات السلفية المعاصرة بعض من كان متعصبًا لها، ثم تحوّل عنها، ويذكر بعض هؤلاء الفضلاء من أسباب نقمتهم على السلفية أمورًا، لعل من أهمها:

  • أن مشايخهم السلفيين لم يكونوا أمناء في بيان الحقائق الشرعية لأتباعهم، وأنهم صرفوهم عن متين العلم، وشغلوهم بمقولات معظَّمي السلفية ورموزها، وصرفوهم عن مناهج التأصيل العلمي المتين، وكتبه الرصينة إلى مدوَّنات التكفير والتضليل والشقاق، وأنهم أضاعوا سنوات نفيسة من أعمارهم في بنيّات طرق لا توصل إلى العلم النافع، ولا تَصل الطالب بعلوم الأئمة الراسخين في علوم الدين.
  • ويتهم السلفيون المتحولون عن السلفية شيوخَهم بأنهم غلوا في التشنيع على خصومهم؛ لا سيما الأشاعرة والصوفية والفقهاء، وأنهم لم يكونوا أمناء في تصوير حقيقة الخلاف العقدي والسلوكي والفقهي بين الجماعات السلفية ومخالفيها تصويرًا دقيقًا عادلًا؛ وأنهم بالغوا في تضليل المخالف والتشنيع عليه وربما تكفيره.
  • ويتهمون شيوخَهم كذلك بتلقين الأتباع اختيارات فقهية غريبة أو مهجورة، وتربيتهم على التعصب لها، وادعاء أنها الحق الذي لا شك فيه، وأن ما عداها بدع، أو لا دليل عليها، ثم اكتشف الأتباع عندما قويت مداركهم واتسع بحثهم، أنهم كانوا على منهج غير سوي في التفقه، وأن شيوخهم قد سلكوا بهم في التحصيل مناهج غير سديدة، ومسالك غير مطروقة، لا تؤدي إلى تحصيل الملكات الفقهية، ولا توصل لتأصيلٍ فقهي منضبط، مع عدم المنهجية الواضحة في التعامل مع المسائل الفقهية، لقلة العناية بالقواعد والأصول المحكمة التي أصلها الراسخون في العلم، وبني عليها التفقه.
  • وأدرك الأتباع أن شيوخهم قد غرروا بهم، فأورثهم اكتشاف تلك الحقائق حنقًا شديدًا، صاروا به من أشد الناقمين على السلفية ورموزها وشعاراتها، وأصبحوا مِن أحرص الناس على (إسقاطها).

وليت هؤلاء الأتباع إذ تخلصوا من شطحات الجماعات السلفية وغلوها وتعصبها لم يغلوا في خصومتها وعداوتها بعد مغادرتها، فقد تنكروا لمن علموهم مبادئ العلوم التي استطاعوا بواسطتها الترقي في مدارج العلم بعد ذلك، والوصول إلى ما وصلوا إليه من الفهم والإدراك والتمييز، لكن يبدو أن الذي يتربى على الخصومة والمغالبة وقلة الإنصاف يصعب عليه التخلص من ذلك حتى بعد تركه لجماعته، وتحوله عنها.

ولعله كان من الأليق أن يكون سعي هؤلاء المتحولين منصبًّا على الإصلاح لما يمكن إصلاحه من مناهج ومسالك الطوائف السلفية، لا الدعوة إلى إسقاطها بالكلية، والتعامل معها وكأنها من الفرق الضالة، وذلك لأن الإصلاح بناء، والإسقاط هدم، والسعي في البناء والإصلاح وسد الخلل أليق بحال المصلح الناصح!

تفاوت الجماعات السلفية

لا شك أن اعتبار الطوائف السلفية شيئًا واحدًا ظلم كبير للمعتدلين منهم، وتسويةٌ بين غاليهم ومقتصدهم! فلا أحد يستطيع القول إن سلفية الجماعات القتالية مثل (داعش) و(القاعدة) وقبلهما سلفية (جماعة جهيمان) وسلفية (إخوان من طاع الله وأسلافها) وكذلك ما نراه اليوم من سلفية الوشاية والشقاق وتأجيج الفتن! لا أحد يستطيع القول إن سلفية هؤلاء هي نفسها سلفية أفاضل السلفية وعقلائها؛ الذين ينبذون العنف، ولا يجيزون سفك الدماء المعصومة، ويتبرؤون من ذلك، وينأون بأنفسهم عن تكفير المسلمين، ويسعون في الدعوة إلى الإصلاح، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقدّرون الخلاف الفقهي قدره! فأين هؤلاء من هؤلاء؟!

لا شك أن الفرق كبير، وإن كان الجميع يرفع شعار (السلفية) و(فهم السلف)، ويمجّد شيوخ السلفية، ويغلو في مؤسسيها، ويجعل مدوناتهم محور دعوته، لكنهم بعد ذلك درجات متفاوتة!  

فكيف يُدعى لإسقاط السلفية بإطلاق، دون تفريق ولا تفصيل، وفي السلفية رجالُ صدقٍ مجتهدون في الإصلاح؛ فمنهم فرسان بارزون في ميادين العلم والدعوة؛ ومنهم مشتغلون بمدافعة شُبه الأعداء وبيان زيف دعاواهم وطعونهم على الإسلام، ومدافعة تيارات الإلحاد والانحلال والمذاهب الرديئة، ومنهم من نذر نفسه لدعوة غير المسلمين، وأبلى في ذلك بلاء حسنا عز نظيره عند غير السلفيين، ومنهم المشتغل بالعمل الخيري والإغاثي، ومنهم المشتغل بالتعليم والبيان والوعظ لعامة المسلمين، ومنهم أهل عبادة ونسك وتألّه، ومنهم أهل النجدة والبأس عند احمرار الحدق، بل هم في هذا الميدان ممن يصدق فيهم قول الأشهب بن رميلة : ( هُم القوم كل القوم يا أم خالدِ )!

أمِثل هؤلاء يُبغضون ويُسعى في إسقاطهم واجتثاثهم، لرعونات توارثوها، يمكن معالجتها والتعافي منها، أو لمخالفتهم في بعض القضايا التي هي في المجمل قضايا اجتهادية مما تختلف فيه الأنظار ويُعذر فيها المخالف!

والمنصف يعلم أن غير السلفيين من طوائف أهل السنة والجماعة عندهم من التعصب والغرور والبغي على المخالف مثل الذي عند السلفيين، وأكثر منه في بعض الأحوال.

الإنصاف عزيز

نحن هنا لا ندافع عن الجماعات السلفية ولا نبرر أخطاءها، لكنا نذب عنها البغي، وقلة الإنصاف، وقديمًا قيل:

 ولم تزل قلة الإنصاف قاطعةً  *** بين الرجال وإن كانوا ذوي رحمِ

وبالمقابل لا يرتضي المنصفون أن تستقل الجماعات السلفية ولا غيرها عن سائر الأمة براية خاصة، وشعارات محدَثة توالي عليها وتعادي، وتنفصل بها عن سائر أهل السنة والجماعة؛ وتزعم أنها تحتكر الحق، وأنها وحدها الوصية على الميراث العلمي والمنهجي للسلف، ثم تضلل من عداها، أو ترميه بالشرك والكفر، فهو أمر غير محمود ولا مقبول، لأنه يورث التنازع والشحناء، ويفرق الأمة ويشغلها عن أعدائها، وعن مهامها العظمى في هداية الخلق ودعوتهم إلى الدين الحق، ونشر نور الله في جميع أرجاء أرض الله، وقد قال ربنا جل وعلا (ولا تنازعوا فتفشلوا)، وقد صُد كثير من الناس عن الإسلام وارتد بعضهم عنهم بسبب هذا الشقاق، وبسبب تنفير بعض الجماعات الإسلامية عن بعض، ويذكر المشغلون بدعوة غير المسلمين في هذا الباب قصصًا محزنة !

ومع ذلك نقول إن مجرد الانتساب إلى السلف ليس أمرًا منكرًا، بل هو شرف عظيم إن صحت الدعوى، ولكن هيهات أن تصح النسبة للسلف في زماننا مِن كل وجه لمدعٍ لها؛ من الطوائف السلفية أو غير السلفية، وإنما هي ألقاب وأسماء تسمّي بها الطوائف أنفسها، تزيينًا لمسلكها، وتكثيرًا لأتباعها، وترويجًا لمقولات مؤسسيها، وحطًّا من شأن مخالفيها، وقديمًا سمّى المعتزلة أنفسهم (أهل التوحيد)، وكذلك فعَل ابن تومرت، )كبير جماعة الموحدين)، وفعلها بعض المتأخرين.

 وكل مدعٍ يدعي من الأسماء الشريفة ما شاء، لكن الألقاب لا تغني من الحق شيئًا، (وكلٌّ يدّعي وصلًا بليلى)، مع ما في دعوى احتكار منهج السلف مِن تزكية للنفس وازدراء لسائر أهل السنة والجماعة؛ مِن أرباب الفقه والنظر، وأرباب السلوك والعبادة والزهد، وأرباب الحِجاج العقلي والمقارعة لأعداء الدين وخصوم السنة ورد شبهاتهم الفلسفية بالحجج العقلية الدامغة.

 والأمة إنما تنهض بتظافر جهود علمائها وعقلائها، وبالاستفادة من جميع طاقاتها وقدراتها؛ لا بطائفة واحدة تفتقر إلى كثير من مقومات الريادة العلمية، ثم تلغي كل مَن عداها في تعالٍ بغيض لا يقبله منصف!

وما المرء إلا بإخوانهِ ***  كما تقبض الكف بالمعصمِ

ولا خير في الكف مقطوعةً *** ولا خير في الساعد الأجذمِ

المآخذ العقدية لم يسلم منها السلفيون ولا خصومهم

السلفيون على خير وفضل لا يُنكران، وهم مِن أقرب الناس إلى ما كان عليه السلف في الاعتقاد، لولا ما يكون من بعضهم من تبنّي مقولات عقدية لا تخلو من مجازفات، وجرأة غير محمودة مما حذّر أئمة السلف من الخوض فيه، كتوسيع الكلام في دقائق العقائد، خلافًا لهدي السلف في ذلك، وإقحام العامة فيما يشوش عليهم صفاء إيمانهم وسلامة صدورهم، وكالخوض في صفات الباري جل وعلا بعبارات غير معهودة ولا مأثورة عن سادات السلف، وعدم الوقوف حيث وقفوا!

وما أحسن ما نقله الموفق ابن قدامة رحمه الله في مقدمة لمعة الاعتقاد عن عمر بن عبدالعزيز  رحمه الله أنه قال: “قِفْ حَيْث وَقَف القْومُ، فإنَّهم عَنْ عِلمٍ وقفوا ، وبِبصَرٍ نافِذٍ كَفُّواْ، ولَهُمْ على كَشْفِهَا كَانُوا أَقوى، وبالفَضْلِ لو كانَ فِيهَا أَحْرَى، فلئِنْ قلتم: حَدثَ بَعْدَهُم، فَمَا أَحْدثهُ إِلاَّ مَنْ خَالفَ هديَهمْ، ورغبَ عن سُنَّتِهِم، وَلَقدْ وَصفُوا مِنْهُ مَا يشفِي، وَتَكَلَّمُواْ منه بِمَا يكفِي فَمَا فَوقهم مُحَسِّرٌ، وَمَا دُونهمْ مُقَصِّرٌ، لقد قَصَّرَ عنهم قومٌ فَجفوا ، وَتَجَاوَزَهُم آخرون فَغلَوا ، وإنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَ ذلك عَلى هُدىً مستقيم “.

وما ينقمه بعض السلفيين على غيرهم من الخوض في العقائد بلا بينة من كتاب ولا سنة ولا كلام محكم لائمة السلف، هم أيضًا واقعون في مثله؛ فعندهم نظائر لما ينقمونه على غيرهم، بل وخوض في قضايا فلسفية مباينة لهدي السلف تمام المباينة، من جنس ما ينتقدونه على المتكلمين، وليس المقام مقام بسط وتمثيل، فالأمثلة في هذا لا تخفى.

مآخذ خصوم السلفية

مما ينقمه خصوم الطوائف السلفية أنه يفشو في السلفيين تكفير المسلمين، وتقديم سوء الظن بأهل الإسلام ورميهم بالشرك والكفر في قضايا لا تبلغ ذلك المبلغ، وكذا اللدد في الخصومات، والولع بالتبديع والتضليل، مع التشظي الدائم، والانقسامات التي لا تنتهي؛ فكل طائفة سلفية لا تلبث أن تتفرق إلى طوائف متناحرة؛ يضلل بعضها بعضا، وربما كفر بعضها بعضا، بمجرد موت متبوع من متبوعيها، وربما في حياته، فتفرقت جماعته السلفية إلى جماعات، وهذا بخلاف ما كانت تروّج له السلفية في أول انتشارها؛ من أنها ستحل مشكلة التفرق، وتجمع المسلمين على طريق واحد، فزادت المسلمين فُرقة، ثم تفرقت السلفية نفسها ولا زالت في تفرق مستمر، فانقسمت السلفية إلى جماعات متنازعة، ثم كل جماعة سلفية تتفرق إلى جماعات وهكذا، والتفرق من عواقب البغي (( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم )).

ومما يُنقَم على الجماعات السلفية أيضا أنها تهوّن من شأن المذاهب الفقهية المتّبعة، وتستخف بجهود فقهاء الإسلام الكبار على مدى قرون متطاولة، وتزهَد في الثروة الفقهية الضخمة التي خلفوها لنا، وتُنفّر منها، ثم تبث هذه الجماعات في الأمة غرائب المسائل، مما شذ بها أسلافهم المعظَّمون، أو مما أحدثوه بعدهم من الشذوذات، ويتعصب كثير من السلفيين لتلك الشذوذات والغرائب، ويشغّبون بها على المسلمين في عباداتهم واعتقاداتهم، بل ويصنفون المسلمين وفق موقفهم من تلك القضايا، مما يزيد من تشتت الأمة وضعفها، ويؤجج نار التنازع والشحناء بين المسلمين !

هذه بعض مآخذ خصوم الجماعات السلفية، والجواب عن تلك الأمور المنتقدة عليها؛ أن تلك الجماعات متباينة فيما ذُكر، ولا ينطبق كل ما ذُكر على جميعها، ومن جهة أخرى فهناك يقظة سلفية حقيقية تتسع يومًا بعد يوم، منذ نحو عقدين من الزمن، في مشارق بلاد الإسلام ومغاربها، مدارها على العودة إلى جادة التفقه المنضبط وفق مدارس أهل السنة الأربع المباركة، والبعد عن الفوضى الفقهية التي سادت في الأزمنة الأخيرة، ورد الاعتبار لمذاهب الأئمة، ودرء اللغط والشبهات المثارة حولها، والعودة إلى ظلالها الوارفة بعد عقود من التخبط في هجير (القول الراجح) و(القول الحق) و(فقه الدليل)، و(هذا لا دليل عليه)، وغيرها من الشعارات التي هي عند التحقيق كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً ولا حقيقة له، فقد انكشف زيف الدعاوى وعاد كثير من السلفيين إلى الفقه الأصيل، بعد أن ضاعت أجيال في متاهات الفوضى العلمية، وادعاء الاجتهاد، ومناطحة جبال العلم، (وإعادة اختراع العجلة) !

وقد أدرك كثير من عقلاء السلفيين أن قصورهم الكبير في علوم الآلة كان من أسباب اضطرابهم وشذوذهم في كثير من القضايا العلمية والعملية، لا سيما ضعفهم في أصول الفقه وعلوم العربية، وقديمًا قال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله لبعض رؤوس المعتزلة: “مِن العُجمة أُتيت”، وقال الحسن البصري رحمه الله في بعض أهل البدع: “أهلكتهم العُجمة”.

وفي باب الإيمان تبيّن لكثير من السلفيين خطر المجازفة في تكفير المسلمين، وتنـزيل النصوص التي وردت في عُبّاد الأوثان على أهل (لا إله إلا الله)، واستحلال الدماء والأموال المعصومة باجتهادات في غير محلها، ومِن غير أهلها، وأدرك كثير من عقلاء السلفية منشأ تلك الآراء، وظروف نشأتها، وحال مؤسسيها، ومنـزلتهم في العلم، وكلام الثقات من علماء عصرهم في مدى أهليتهم، وتبيّن لكثير من السلفيين خطأ ما تلقنوه من متشددي شيوخهم، أو طالعوه في المدونات التي تجنح إلى الغلو في التكفير والتبديع والتضليل.

وقد خرج في الآونة الأخيرة مِن خزائن المخطوطات كتبٌ مهمة لم يكن من السهل تداولها في العقود الماضية، وفيها كثير من الحقائق التاريخية والعلمية، التي لم ترُق للمنتصر الذي كتب تاريخ الجزيرة العربية في القرون المتأخرة، فالتاريخ يكتبه المنتصر كما هو معلوم، أما اليوم فأصبح الوصول إلى الحقائق التي كانت مغيبة ميسورًا لمن أراده، ولا يحتاج إلا إلى صدق الرغبة في إدراك الحقائق كما هي، وإن لم توافق الهوى، وما تلقّنه في الصبا، مع تخلُّص طالب الحق من حجاب بيئته الكثيف، الذي يحول دون رؤية الحقائق كما يراها المنصفون، لا كما قُرّر له في أول أمره، وأوان خلوّ قلبه، ثم أغلق عليها باب مداركه ورمى المفتاح، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن الحقيقة مكابرةً، أو اغترارًا بما تلقى، وفرحًا بما عنده من العلم، واستخفافًا بما عند غير شيوخه مِن محققي علماء الأمصار، الذين تسلسل العلم فيهم كابرًا عن كابر، ولم يدر المسكين أنه حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء، وأن في بني عمه رماح كرماحه، إن لم تكن أجود مِن رماحه !

سلفية بلا غلو ولا تكفير ولا تضليل

الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كثيرًا من السلفيين اليوم أكثر تورعًا عن تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم مما كان عليه أسلافهم، وقد فشا اليوم مذهب جمهور أهل العلم في (العذر بالجهل)، وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله أيضًا، وانجلى كثير من التلبيس المتعلق بهذا الأصل، واتضح كثير من اضطراب المؤسسين للسلفيات المعاصرة في أحكام التكفير والإعذار بالجهل وتحقيق مناطات التكفير، بل وفي تحديد مفهوم العبادة الذي كُفّر على أساسه معظم أهل (لا إله إلا الله)، ولم يسلم من التكفير إلا من كفّر المسلمين! وذلك أن الواقع في المخالفات والبدع التي يرى الغلاة أنها من المكفّرات هو كافر عندهم، ثم مَن لم يكفره، أو شك في كفره، أو عذَره بجهله، فهو كذلك كافر مثله، فمَن هو المحظوظ السعيد الذي ينجو من التكفير بعد ذلك!

والحق أن المدوّنات التي تؤسس لتكفير المسلمين ببعض المخالفات المتصلة بالغلو في القبور لم يعد لها الرواج السابق في الأوساط السلفية، فقد عاد الدرس العقدي في كثير من المدارس السلفية المعتدلة إلى المتون العقدية العتيقة، التي حررها الأئمة المتفق على إمامتهم وجلالتهم، وتداولها الشُراح بالتحقيق والضبط والبيان، جيلا بعد جيل؛ مِن متون الحنابلة وغيرهم من أهل السنة والجماعة، وأصبح كثير من عقلاء السلفية ينأون بالناشئة عن الكتب التي هي مدعاة للّغط، وذريعة للشقاق، لما فيها من الإجمال والإشكال وقلة التحرير، والتي تربي على الخصومة في الدين، ويكثر فيها وحولها النزاع والجدال، لاسيما وكثير من تلك المدونات هي من أهم مقررات العقيدة لدى (داعش) و (القاعدة)، فكان في النأي بناشئة الأمة عن تلك المدونات، قطع لطريق الغلو، وهدم للجسر الذي يصلهم بتلك الجماعات الزائغة التي أرهقت الأمة، وألّبت عليها الأعداء، ومنحت الذرائع لاستباحة الأمة، والتضييق على كل عمل متصل بالدعوة وتعليم علوم الدين، بحجة محاربة الإرهاب الذي تتبناه تلك الجماعات المنحرفة؛ انطلاقًا من تلك المقررات والكتيّبات المشحونة بالتكفير والتضليل!

تصوفٌ سلفي

وفي جانب السلوك فقد عاد كثير من السلفيين للعناية بالكتب النافعة التي تعنى بتزكية النفوس وإصلاح القلوب، واتضح لكثير من السلفيين مجانبة شيوخهم للإنصاف في مغالاتهم في التشنيع على التصوف، والتشهير بالصوفية بالجملة، ومجاوزة حد العدل في ذلك، دون تفصيل وبيان، والبغي على أرباب السلوك، وأطباء القلوب، وصار كثير من شباب السلفية اليوم يميزون بين التصوف السُنّي المنضبط، والتصوف البدعي الغالي، وأقبل شباب السلفية على قراءة مختصرات ومهذبات (إحياء علوم الدين)، و(الحِكم العطائية) وشروحها، والرسالة القشيرية، ونحوها من كتب فضلاء الصوفية، والانتفاع بما فيها من الرقائق والفوائد وبديع المواعظ، مع اجتناب مواطن الإشكال واللبس، مما لا يستقيم القول فيه إلا بتأويل، أو يحتاج لتسويغه إلى تمحّل وتكلف.

 ويدرك كثير من السلفيين أن التصوف علم شريف، غايته إصلاح القلوب، وتزكية النفوس وتنقيتها من آفاتها، وأن علم التصوف ناشئ عن تطور علوم الدين ونضجها؛ وأنه كغيره من علوم الدين التي لم تكن مشهورة بأسمائها في عهد الصحابة والتابعين، كعلم (أصول الدين)، وعلم (أصول الفقه)، وعلم (النحو) وغيرها من علوم الإسلام، التي لم يكن السلف بحاجة إلى تدوينها وترتيبها، لكمال عقولهم، ودقة أفهامهم، وسلامة آلاتهم، وقرب عهدهم، واحتاج ذلك مَن جاء بعدهم.

 و(علمُ التصوف) في أساسه إنما هو شرح لمرتبة الإحسان، الواردة في حديث جبريل عليه السلام، كما أن (علم الفقه) شرح لمرتبة الإسلام، و(علم أصول الدين) شرح لمرتبة الإيمان، وحديث جبريل عليه السلام حديث جليل؛ لتضمنه مراتب الدين الثلاث، الإسلام والإيمان والإحسان، لذا ذكر القرطبي رحمه الله أن حق هذا الحديث أن يُسمى (أم السنة)، كما أن الفاتحة (أم القرآن). ولا شك أن تأسيس الصغار على معاني هذا الحديث العظيم، أولى من تأسيسهم على كتيبات الجماعات والحركات.

والتصوف السُّني المنضبط بالكتاب والسنة، والمنسجم مع الأصول الشرعية لا يكاد يستغني عنه الراغب في صلاح قلبه وزكاة نفسه، وتطهيرها من أدرانها، وكفها عن رعوناتها، لا سيما في زمننا الذي راجت فيه أسباب الفتن، والمكدّرات لصفاء النفس، وطهارة القلب.

 ويدرك المنصفون أن ما طرأ على التصوف من الغلو والدجل والخرافة لا يمتان لحقيقته بِصلة، وأن أدعياء التصوف اليوم مِن أهل البطالة والرقص والغناء والسخف لم يعرفوا حقيقة التصوف، الذي تحدث عنه أكابر مشايخ الصوفية، الذين يثني عليهم ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة من كتبه، وينقل عنهم، كما يُكثر ابن القيم رحمه الله من النقل عنهم في المدارج وغيره من كتبه، وقد ألحق أدعياء التصوف المتأخرون بالتصوف المحمود ضررا بالغا، ودنسوا محياه بالأطماع، ووظفوه في خدمة الأهواء والأغراض.

 وبهذا المنطق السليم لعقلاء السلفية أصبحت النظرة إلى التصوف نظرة معتدلة متزنة؛ تزن الأمور بميزان الشريعة بعيدًا عن التعصب والتحيز والأحكام المسبقة، فأصبح كثير من السلفية ينتفع بحِكم ابن عطاء الله السكندري وشروحها، كما ينتفع بمدارج السالكين لابن القيم، والتحفة العراقية لابن تيمية ونفائس ابن رجب ونحوها، رحم الله الجميع رحمة واسعة!

شيخ الإسلام ابن تيمية

حتى الموقف من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فقد حصل فيه كثير من الاتزان والمراجعة في الأوساط السلفية؛ فلم يعد ابن تيمية لدى كثير من عقلاء السلفية اليوم هو الناطق الرسمي الوحيد باسم الإسلام، ولا الميزان الذي توزن به المسالك العقدية والاختيارات الفقهية، ولا المعيار الذي يُحكم به على الطوائف والرجال والمقولات، وعاد ابن تيمية رحمه الله إلى وضعه الذي عرفه به المنصفون، في زمنه وبعده؛ إمام من أئمة الإسلام، غزير المعارف، صادق التدين، عابد زاهد، ومع ذلك فهو يصيب ويخطئ، ويعتريه ما يعتري البشر من النقص والسهو، وفوات بعض العلم، وقد تؤثر فيه الخصومات، وحظوظ النفس، فيتوسع  في النقد، ويبالغ في الحط على الخصم، كغيره من البشر، كما يلمح إلى ذلك الإمام الذهبي رحمه الله، وهو من أخبر الناس به، وأقربهم إليه، ولا عصمة لأحد من علماء الأمة وإن كان من أكابر أئمة القرون الفاضلة فكيف بالمتأخرين !

هذه بعض جوانب اعتدال كثير من السلفيين اليوم، والتي ينبغي على كل ناصح للأمة أن يفرح بها وأن يسعى في تعزيزها، لا أن يكون همّه مخاصمة جميع السلفيين، والتشهير بهم، وإسقاط السلفية والسعي لاجتثاثها!

خصومات عتيقة

ومِن خصوم السلفية الساعين لاستئصالها تيار يجتر خصومات القرون الماضية، مما جرى في مطلع القرن الثامن وقبل ذلك، ويعوز هذا التيار في حكمه على السلفية الإنصاف والورع، فهو يقابل بغي بعض السلفيين على غيرهم بالبغي على جميعهم، ويقابل سعي السلفية لاستئصال خصومها أيام سطوتها ومجدها ووفرة أموالها، بدعوةٍ مقابِلة لاستئصال السلفية بعد تراجع سطوتها، وتدهور أحوالها، وانصراف الممولين الكبار عنها، وتغير السياسات التي ساعدت على انتشارها، وكان الأَولى من الدعوة لاستئصال السلفية من جذورها الدعوة إلى التقارب وائتلاف القلوب واجتماع الكلمة ونبذ الخصومات.

إن الأمة اليوم تواجه تحديات هائلة؛ في ثوابتها الإيمانية والأخلاقية، وفي حقها في تحكيم شريعتها، بل وفي وجودها، ولا يسع عقلاء الأمة مع هذه الحال إلا اجتماع الكلمة وائتلاف القلوب، وتراص الصفوف؛ فما يجمع أهل السنة والجماعة من أصول عامة أكثر مما يفرقهم من اجتهادات ومقولات، والخلاف له أسبابه المفهومة عند العقلاء، وقد دون الأئمة في أسباب الاختلاف مدونات، ولا مطمع في حسم كثير منها، فهذا شأن البشر، ويجمع أهل السنة والجماعة اتفاقهم على تعظيم  كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنهم يحتكمون إليهما، ولا يقدمون عليهما شيئًا، ثم بعد ذلك تتفاوت اجتهاداتهم بتفاوت مداركهم وفهومهم وزوايا النظر لديهم، (ولايزالون مختلفين)، كما تجتمع طوائف أهل السنة والجماعة على معرفة أقدار أهل القرون المفضلة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأئمة الدين من بعدهم، والاعتراف لهم بعظيم تقواهم، وزكاة أنفسهم، وسعة علومهم، ورجاحة عقولهم.

إصلاح أم إسقاط

إن السلفية تيار واسع؛ يكثر فيه أصحاب الهمم، وصدق التدين، وهو تيار مفعم بالحيوية والغيرة الدينية والحرص على الاتّباع والحذر من البدع، وإن إصلاح هذا التيار وتنقيته من شوائب التكفير، والبغي، وازدراء المخالف والتربص به، سيعود على الأمة بخير عظيم، وذلك أجدى من نبذ السلفية، ونبزها بألقاب السوء، والسعي لاستئصالها!

وكيف يسعى ناصح للإسلام إلى اجتثاث تيار نشط، واسع الانتشار، قوي التأثير، وفي كثير من أتباعه مِن علو الهمم والفضائل والمحاسن ما لا يخفى، على أن كثيرًا مما يعاب على بعض المنتسبين إلى الطوائف السلفية اليوم، يوجد لدى خصومهم ما يماثله أو يربو عليه، من قلة الإنصاف، واللدد في الخصومة، والبغي على المخالف، والوشاية به والكيد له!

 فهل يشك عاقل بعد هذا أن الدعوة لإصلاح السلفية أعظم نفعًا للأمة من الدعوة إلى إسقاطها واجتثاثها، وأن ما لمعتدلي السلفية من الفضائل والمناقب أكثر مما عليهم من المآخذ والمثالب!

إن السلفية المعتدلة، المقتفية بحق لآثار السلف في أقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والمدركة لأهمية التفقه المنضبط، وفق مدارس الفقه الأصيلة المتوارثة المعروفة، والمدركة لخطر تكفير أهل الشهادتين، وخطر التساهل في التبديع والتضليل، والمتفهمة لأسباب وحدود الخلاف العقدي بين طوائف أهل السنة والجماعة، -بالمعنى الواسع لأهل السنة والجماعة لا المعنى المحدَث-، إن تلك السلفية لهي من أعظم السدود التي تحول دون انتشار البدع والخرافات، وهي كذلك من أعظم الحصون المنيعة للذب عن ثوابت الدين وصد العدوان على شرائع الدين وشعائره ومقدساته وأعلامه، ومدافعة الانحرافات الفكرية والسلوكية المتجددة، التي يحول دون التفرغ لمدافعتها انشغال أهل الحق بعضهم ببعض!

“اللَّهمَّ ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السَّماواتِ والأرضِ عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفونَ اهدِني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ “.

وسوم: التصوفالرئيسيةالسلفيةالسنةالفقهالمذاهب
عبدالله بن عمر البكري

عبدالله بن عمر البكري

مدير عام مؤسسة حمد بن خالد آل ثاني لتعليم القرآن الكريم

التالي
آخر أبطال الزلاقة... إطلالة على مشروع الدكتور أَدِّي ولد آدَبَّ العلمي والأدبي

آخر أبطال الزلاقة... إطلالة على مشروع الدكتور أَدِّي ولد آدَبَّ العلمي والأدبي

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر