على مدار قرون من الزمان، لعبت الهجرة دورًا حيويًا في حياة اليمنيين الحضارمة. وبينما سعى بعضهم إلى العمل في أوروبا وأمريكا الشمالية، اندفعت موجات أخرى من هجراتهم مقتفية آثار رياح المحيط الهندي الموسمية نحو سواحل زنجبار والهند وماليزيا وإندونيسيا. وقد كانت تجربة الحضرميين في إندونيسيا بوجه خاص قصة نجاح إلى حد كبير، في مجالات التجارة والسياسة والتعليم والأنشطة الدعوية.[[1]]
في كتابه الصادر عن دار روتليدج للنشر تحت عنوان “Hadrami Arabs in Present-Day Indonesia. An Indonesia-Oriented Group with an Arab Signature” «العرب الحضرميون في إندونيسيا المعاصرة: جماعة اندونيسية بطابع عربي» (2009، المملكة المتحدة) يسلط المؤلف فرود جاكوبسن الضوء على الاتجاهات الاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية الحضرمية المعاصرة في شرق ووسط إندونيسيا، وعلى بعض جوانب تاريخ الشعب الحضرمي اليمني.
يؤطّر جاكوبسن موضوع الهجرة الحضرمية كجزء من تاريخ الهجرة العالمية، ويَرْبط بين هجرة الحضارمة وهجرة شعوب أخرى من حيث الدوافع الاقتصادية والاجتماعية. كما يستعرض خلفية منطقة حضرموت في اليمن جغرافيًّا، واجتماعيًّا، ويقدم تفاصيل عن الهجرة والانتشار الحضْرمي. ويقدّم كذلك تحليلًا لطبقات المجتمع الحضرمي ويتناول دور التجارة عبر المحيط الهندي، وتأثير القوى الخارجية مثل البرتغاليين والعثمانيين على الهجرة الحضرمية. ويُظهر كيف كانت هجرة الحضرميين نتيجة تداخل بين عوامل داخلية مثل: الفقر والجفاف، وخارجية مثل: التجارة والنشاط الديني الدعوي.
كما يُركّز جاكوبسن على تطوّر مجتمعات الحضرميين في إندونيسيا، خصوصًا على جزر مثل جاوة، وبالي، ولومبوك، وسومباوا. ويعرض كيف تشكّلت هذه المجتمعات الحضرمية ضمن السياق الإندونيسي، وكيف كان اندماجها، وكيف حافظت على روابطها الأصلية أو الهوية الحضرمية. كما يُلقي الضوء على التنوع الإقليمي؛ حيث تختلف ظروف وتفاعل المجتمع الحضرمي في جزيرة بالي مع محيطه، عن مثيله في جزيرة جاوة على سبيل المثال.
كما يتناول جاكوبسن أيضًا موضوع الهوية، وكيف يرى الحضرميون أنفسهم في إندونيسيا المعاصرة؟ وكيف يتعاملون مع فكرة أنهم إندونيسيون الآن. ويتناول كذلك عمليات الاستمرار والتغيير، فمن جهة ثمة استمرارية في الروابط الحضرمية (العلاقات العائلية، والتجارة، والدين)، ومن جهة أخرى ثمة تحولات كبيرة قد جرت في حياتهم بسبب التعليم، والزواج المختلط، والقومية الإندونيسية، والعولمة. ثم يناقش جاكوبسن كيف تشكّلت الهوية المزدوجة لديهم: ما بين كونهم إندونيسيين اليوم، وبين كونهم حضْرميّي الأصل؛ ويمثل هذا التوتر أحد المحاور الأساسية للكتاب.
كما يعرض المؤلف أمثلة ميدانية من المجتمعات الحضرميّة في إندونيسيا. ويناقش كذلك كيف تؤثر التحولات الاجتماعية على البُنى الطبقية التقليدية داخل الجماعة الحضرمية.
ويخلص جاكوبسن في نهاية الكتاب إلى أن الهوية الحضْرميّة لم تختفِ، لكنها تغيرت في دورها الاجتماعي، ونشاطها التجاري، وفي علاقتها بالدولة والجماعة الإندونيسية؛ وذلك بشكل أكبر مما قد يبدو عليه الأمر من المنظور السائد.
ويُسهم هذا الكتاب الصغير الذي يقع في 132 صفحة في إثراء الأدبيات المتنامية حول الوجود العربي الحضرمي في جنوب شرق آسيا، وسيكون مفيدًا للباحثين المتخصصين في مجال الأنثروبولوجيا ودراسات الهجرة في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف فرود ف. جاكوبسن هو أستاذ مشارك بجامعة بيرغن بالنرويج، ولديه اهتمام خاص بقضايا الصحة، وأشكال المعرفة المحلية، والثقافة والهجرة.
[[1]]https://www.routledge.com/Hadrami-Arabs-in-Present-day-Indonesia-An-Indonesia-oriented-group-with-an-Arab-signature/Jacobsen/p/book/9781138975637



