في مقاله المنشور مؤخرًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “You Already Know What ‘Sumud’ Means” (أنت بالفعل تعرف معنى كلمة “صمود”) يقول الكاتب ريتشارد مورغان إنه غالبًا ما تُترجم كلمة “صمود” إلى “الثبات” أو “المثابرة”، أو يُساء فهمها من قِبل الإسرائيليين على أنها “التشبث بالأرض”. ويسمي الفلسطينيون أحيانًا أبناءهم “صمود”، ولكن بخلاف ذلك، لا يُعلن الشخص عن صموده، بل يُنسب إليه من قِبل الآخرين على غرار الجرأة أو الشجاعة؛ والصمود هو شيء ثابت وقوة لا تُقهر.
يتحدث اللغة العربية حوالي 400 مليون شخص عبر 30 لهجة تقريبًا، لكن الصمود هو مصطلح فلسطيني له خصوصيته منذ عام 1978، عندما أوصت منظمة التحرير الفلسطينية بالصمود كآلية للتكيف مع صدمة الحياة في ظل الاحتلال الإسرائيلي.
وقد اكتسبت هذه الكلمة مؤخرًا اعترافًا دوليًا أثناء إبحار “أسطول الصمود العالمي”، وهو قافلة مدنية تضم أكثر من 40 سفينة تحمل مساعدات إنسانية من أوروبا في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة. وقد أرسلت إيطاليا وإسبانيا سفنًا حربية لحماية الأسطول، وأدان قادة من كولومبيا وماليزيا وجنوب إفريقيا وتركيا اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول في عرض البحر.
ويُفسر الغرب الصمود على أنه رد فعل الفلسطينيين على قمع المسؤولين الإسرائيليين للفعاليات التي ترفع العلم الفلسطيني. ويحتفل الكثيرون الآن بالبطيخ لما يحتويه من ألوان طبيعية، فـ (الأسود والأخضر والأحمر والأبيض) هي ألوان العلم الفلسطيني. وهذا بحد ذاته شيء مُريب، ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وصل بنا الحال إلى اللجوء إلى البطيخ كـ “إيموجي” (رمز تعبيري)، بعد أن حُظر استخدام الرمز التعبيري للعلم الفلسطيني حظرًا تامًا.
الصمود أيضًا هو الشركات التقنية الفلسطينية الناشئة، وهو كذلك الصحفيون في غزة، وهو مأدبة الإفطار التي قُدمت وسط أنقاض غزة. وعلى الرغم من خصوصيته الفلسطينية تلك، فإن الصمود يكشف أيضًا عن حقائق عالمية.
فالصمود ليس عبئًا أو وصمة عار على شعب، فقد تشارك البشر غريزة الصمود منذ أيام سُكنى البشر في الكهوف حين تركنا بصمات أيدينا على الجدران. ولم يكن هذا الفن مسألة غرور أو رغبة في الاستئثار بالحيازة ورسمًا للحدود أمام الآخرين؛ فقد اكتشف علماء الآثار مؤخرًا أنها ربما كانت في الواقع شواهد على الاحتفاء بالعائلة والمجتمع والفرح المشترك.
لقد قطعنا شوطًا طويلًا منذ تلك الكهوف، ولكن ليس بالقدر الذي نتخيله.
الصمود أيضا هو التذكير الأبدي بالفقراء وكيف يُسيء الناس معاملتهم بسهولة. وهو إدانة لوحشية إسرائيل، وللحكومة الأمريكية التي تمولها، وللعالم الأوسع الذي يراقبها دون أي رد فعل يُذكر.
في هذا العامٍ التاريخيٍّ بالنسبة للدعم العالمي للفلسطينيين، انخفض التعاطف الأمريكي مع إسرائيل إلى أقل من 50% – ليصل إلى 46% لأول مرة من 25 عامًا منذ أن رصدت مؤسسة غالوب هذا التحول، ووصل التعاطف مع فلسطين إلى أعلى مستوى له على الإطلاق بنسبة تُقدر بـ 33%. ويُعزى هذا التحول بشكل كبير إلى اشمئزاز الولايات المتحدة من وحشية إسرائيل في غزة، والتي يُعارضها الآن 60% من الرأي العام الأمريكي وفقًا لاستطلاع رأي منفصل أجرته مؤسسة غالوب. كما أن اليهود الأمريكيين أنفسهم يُبدون موقفًا سلبيًا للغاية تجاه العنف وجرائم الحرب الإسرائيلية.
في ختام مقاله يقول مورغان إن الصمود هو امتلاك المعرفة بأن وجود الإنسان بحد ذاته يمتلك سطوة لا تلغيها القوة الغاشمة أو القسوة الجبانة. ويضيف بأنه: إذا كانت الولايات المتحدة بوتقة العالم، فإن فلسطين هي ملاط العالم، حيث تُحطم الإنسانية وتُسحق في جوهرها، ولا يتبقى منها سوى معنى الصمود.



