في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان “Samuel Huntington Is Getting His Revenge” (صموئيل هنتنغتون ينتقم) [[1]] يقول المؤرخ نيلز جيلمان إننا نقف جميعًا على أعتاب لحظة إعادة تنظيم للعلاقات الدولية، لا تقل أهمية عن أحداث أعوام 1989، أو 1945، أو 1919. وكما هو الحال في تلك اللحظات المحورية السابقة، فإن نهاية النظام الدولي الليبرالي الذي تبلور في تسعينيات القرن الماضي هي لحظةٌ مشحونةٌ بالأمل والخوف على حدٍ سواء.
ففي كلٍّ من نقاط التحول السابقة، كان النظام القديم يُفلس ببطء، قبل أن ينهار فجأةً. ورغم أن الأمر لم يكن واضحًا دائمًا لمعاصري تلك اللحظات، إلا أننا نرى بأثر رجعي أن النظام الجديد في كل مرة كان قيد الإعداد منذ فترة طويلة. ففي عام 1919، على سبيل المثال، كان تجريم الحرب وإنشاء برلمان للأمم مطروحين على الطاولة لعقود؛ حيث اقترح الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1918″حق تقرير المصير الوطني” كأساسٍ لأهلية الدولة (وإن كان ذلك مقتصرًا على الدول التي يقودها أصحاب البشرة البيضاء). وفي عام 1945، جرى التخطيط لفكرة إصلاح عصبة الأمم وإنشاء مجلس أمن فعّال منذ عام 1942 فصاعدًا، إلا أن ظهور الأسلحة النووية في نهاية الحرب غيّر الحسابات، مُبشرًا ببداية الحرب الباردة. وقبل عام 1989، طُرحت فكرة نظام دولي “ليبرالي” أو “قائم على القواعد” كبديل لصراعات القوة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب منذ سبعينيات القرن الماضي.
وقد استندت الهيمنة الجديدة التي ظهرت بعد الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي إلى عدة ركائز معيارية:
(1) عدم جواز إعادة رسم الحدود الدولية بالقوة، وكان الدفاع عن هذه القاعدة التي سادت بعد الحرب هو المبرر الظاهري لحرب الخليج عام 1991.
(2) استمرار تطبيق مبدأ السيادة الوطنية، ما لم تُرتكب فظائع جسيمة لحقوق الإنسان، وهو استثناءٌ سيُصاغ رسميًا في نهاية المطاف تحت مسمى “مسؤولية الحماية”.
(3) التكامل الاقتصادي والمالي العالمي ينبغي أن يتبناه الجميع لأن التجارة الحرة والعادلة ستفيد جميع الأطراف.
(4) النزاعات بين الدول تُحل من خلال مفاوضات قانونية في المؤسسات متعددة الأطراف، وكان تطوير الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) في عام 1995 هو التجسيد المؤسسي الرمزي لهذا المبدأ.
ولكن على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، جرى تحدي كل تلك المبادئ، وخاصة من قبل روسيا في عهد فلاديمير بوتين والصين في عهد شي جين بينغ. أما ما دق المسمار الأخير في نعش النظام العالمي فهو أن الولايات المتحدة، التي ادعت في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين أنها أعظم مناصرة لهذه المبادئ، ها هي الآن ترفضها جميعا.
ومع احتضار النظام القديم، فإن السؤال المحوري الذي يُسيطر على مجال العلاقات الدولية اليوم هو: ما طبيعة هذا النظام الجديد الذي يُكافح من أجل الظهور؟ ولكن أيا كانت التسمية التي ستُطلق على هذا النظام الجديد، فإن سماته المُحددة ستشمل بحسب جيلمان: الصراعات الصفرية في الاقتصاد الدولي، وسياسات القوة التي بموجبها يفعل الأقوياء ما في وسعهم، ويتحمل الضعفاء ما يجب عليهم تحمله؛ والتأكيدات القوية على سياسات الهوية التي تُركز على “الدول الحضارية”. وستتبلور هذه السمات في بيئة دولية أكثر تكافؤاً بكثير مما كانت عليه بعد سقوط جدار برلين.
خلال تلك الفترة الأخيرة من إعادة التنظيم الكبرى، دار النقاش الأبرز في العلاقات الدولية بين مقال فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ” الذي نُشر قبل أشهر فقط من سقوط الجدار (والذي تطور لاحقًا إلى كتاب تحت العنوان نفسه)وكتاب صموئيل هنتنغتون “صراع الحضارات”، الذي نُشر بعد أربع سنوات (وقد تطور كتاب هنتغنتون أيضًا من مقال مطول نُشر عام 1993 في مجلة فورين أفيرز).
وقد أقرّ فوكوياما نفسه بأن “نهاية التاريخ” ليست “بيانًا عن الوضع الأمبريقي للعالم، بل أطروحة تتعلق بعدالة المؤسسات السياسية الديمقراطية الليبرالية أو كفايتها”. لكن الليبراليين آنذاك شعروا بأن رؤية فوكوياما المعيارية جديرة بالدعم. وبحلول مطلع القرن العشرين، استطاع الليبراليون تجاهل الإصلاحات في روسيا في عهد بوريس يلتسين، وفي الصين خلال عهد جيانغ زيمين، وإقناع أنفسهم بأن فوكوياما قد حسم الجدل من حيث النقاط والأسلوب.
ولكن هنتنغتون خالف هذا الرأي، وجادل بأن انقسامات الحرب الباردة بين الشرق الشيوعي والغرب الديمقراطي، وبين الشمال الغني والجنوب الفقير، “لم تعد ذات صلة”.
وقد توقع فوكوياما (الذي ينتمي إلى المدرسة الليبرالية في العلاقات الدولية) أن نهاية الحرب الباردة تُنذر بسلام دائم بين الدول المتوافقة جميعها على المبادئ العامة للديمقراطية الانتخابية والرأسمالية المُدارة (ما أسماه فوكوياما “الشكل النهائي للحكومة البشرية”)، بينما توقع هنتنغتون (الذي ينتمي إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية) عالمًا يتميز بصراع مستمر، وإن كان على محاور مختلفة تمامًا.
بالنسبة لهنتنغتون، أصبحت الجهات الفاعلة الجيوسياسية الآن “حضارات” بمفهومها الذي حدده المؤرخ البريطاني أرنولد ج. توينبي في كتابه “دراسة التاريخ” المنشور في 12 مجلدًا. وبالنسبة لهنتنغتون، ستكون “خطوط الصدع” بين الحضارات هي مواقع الانقسام والتصدع في نظام ما بعد الحرب الباردة.
كما ستزداد بحسب هنتنغتون أهمية هوية الحضارة في المستقبل، وسيتشكل العالم إلى حد كبير من خلال التفاعلات بين سبع أو ثماني حضارات رئيسية، هي: الحضارة الغربية، والكونفوشيوسية، واليابانية، والإسلامية، والهندوسية، والسلافية الأرثوذكسية، وحضارة أمريكا اللاتينية، وربما الحضارة الأفريقية. وستقع أهم صراعات المستقبل على طول خطوط الصدع الثقافية التي تفصل هذه الحضارات عن بعضها البعض.
وقد كانت رؤية هنتنغتون للنظام الجديد أكثر قتامة من رؤية فوكوياما. وقد اختتم الأخير مقالته الشهيرة (نهاية التاريخ) بالقول إن ثمن السلام الدائم سيكون الملل التكنوقراطي، حيث ستنحى “الجرأة والشجاعة والخيال والمثالية” للصراع الأيديولوجي ليفسح المجال لـلحسابات الاقتصادية، والحلول اللانهائية للمشاكل التقنية، والمخاوف البيئية، وإرضاء مطالب المستهلكين المعقدة. ويرى فوكوياما أن “قرون الملل” القادمة ستخلق أزمة وجودية للأفراد الساعين إلى الاعتراف الاجتماعي في عالم يفتقر إلى فرص المجد السياسي.
في المقابل، حاجج هنتنغتون بأن هويات الجماعات، القائمة على اختلافات ثقافية بغيضة، ستبقى، وستزداد وضوحًا مع انحسار أيديولوجيات الحرب الباردة العالمية، وأن الاختلاف الثقافي الحتمي سيُشكّل أساسًا لعداءٍ لا ينتهي. وقد توقّع هنتنغتون أيضًا أن يكون العداء للمهاجرين السمة المُميّزة للسياسات الداخلية في نظامٍ عالميٍّ يُحدّده صراع الحضارات.
وبالمقارنة مع فوكوياما، حظيت مقالة هنتنغتون وكتابه اللاحق، باهتمام أكبر. وانتقد المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا إشكاليات تعريف مفهوم الحضارة (الذي أقرّ هنتنغتون نفسه باضطرابه)، بينما لاحظ علماء العلاقات الدولية أن العديد من أشدّ صراعات تلك الحقبة – مثل المعارك الشرسة بين المسلمين السنة والشيعة، وتلك الدائرة في جميع أنحاء أفريقيا – كانت تدور داخل الحضارات، لا بين بعضها مع بعض.
وخلال العقدين الأولين بعد نهاية الحرب الباردة، سار النظام الدولي في الغالب ضمن الإطار المعياري لفوكوياما. فمن منتصف التسعينيات إلى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، التزم القادة السياسيون للدول في الغالب- وإن كان ذلك على مضض- بقواعد “الدولية الليبرالية”. وسعت أوروبا جاهدةً للاندماج ضمن الهياكل الإدارية للاتحاد الأوروبي. وحُوِّلت النزاعات التجارية إلى منظمة التجارة العالمية، واحتُرِمت أحكامها عمومًا. وتعرض عدد من مجرمي الحرب لملاحقات، وعند إلقاء القبض عليهم، وجدوا أنفسهم يُساقون إلى المحاكم القانونية الدولية الرسمية، سواءً المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (التي أُسست عام 1993)، أو المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (التي أُسست عام 1994)، أو المحكمة الجنائية الدولية (التي أُسست عام 2002).
وقد بذل جورج دبليو بوش في الواقع جهدًا كبيرًا لإصراره مرارًا وتكرارًا على أن الحرب العالمية على الإرهاب وتغيير النظام في العراق تُدار وفقًا لمبادئ فوكوياما لا لمبادئ هنتنغتون، وفي هذا السياق قال: “عندما يتعلق الأمر بالحقوق والاحتياجات المشتركة للرجال والنساء، لا يوجد صراع حضارات”. وقال أيضًا: “إن متطلبات الحرية تنطبق تمامًا على أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم الإسلامي بأسره. وشعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق الحريات والفرص نفسها التي تتمتع بها شعوب كل دولة، وعلى حكوماتها أن تصغي إلى آمالها”.
وعندما قررت الولايات المتحدة شنّ حرب – كما فعلت في البلقان في التسعينيات، والعراق عام 2003، وليبيا عام 2011 – سعت للحصول على موافقة قانونية من جهة دولية، سواءً الأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي (ولكنها لم تسمح بالتصويت ب”لا”، لردعها).
ونجد أنه وفقًا للمنظور الهيجلي لفوكوياما فإن كل حقبة تحمل في طياتها بذور المرحلة التي ستأتي بعدها، والتي ستتخذ بدورها موقف المعارضة للنظام السائد سابقا. ومع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت بالفعل تصدعات البنية المعيارية لرؤية “ما بعد التاريخ” بالظهور. وبدأت القوى الناشئة، التي تُعرّف نفسها بالمصطلحات الحضارية التي وصفها هنتنغتون قبل عقدين من الزمن، لتُعلن معارضتها العلنية للقيم العالمية المزعومة التي تُشكل أساس النظام الدولي الليبرالي. وروّج قادة بعض الدول الأصغر، مثل سنغافورة وماليزيا، في تسعينيات القرن الماضي لفكرة “القيم الآسيوية” (كقيم مُختلفة عن القيم الغربية). وبحلول عام 2014، كان كل من بوتين وشي جين بينغ يصف روسيا والصين علنًا بأنهما “حضارتان” تتمتعان بقيم مُتميزة لا تتناسب مع قيم الديمقراطيات الغربية. وبعد مرور عقد من الزمن، يبدو بأثر رجعي أن عام 2014 كان عامًا محوريًا بدأ فيه تعفن النظام الدولي الليبرالي بالتفاقم، ومثّل ضم روسيا القانوني لشبه جزيرة القرم في ذلك العام قطيعة صريحة، ورفضًا ظاهريًا لإحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الليبرالي، ألا وهي ركيزة عدم جواز إعادة رسم الحدود بالقوة.
ومن اللافت للنظر أن بوتين قد برر خطوته تلك بأسس “حضارية” صريحة، محاججًا بأن شبه جزيرة القرم كان دائمًا جزءًا من “العالم الروسي”. وبالمثل، صاغ ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا موقفه ضد حزب المؤتمر في عام 2014 في إطار أيديولوجية “الهندوتفا” التي صوّرت الهند كدولة حضارية قائمة على الديانة الهندوسية (بغض النظر عن مئات الملايين من الهنود غير الهندوس)؛ وكان هذا إيذانًا بنهاية رؤية فوكوياما الطوباوية.
ومن هذا المنظور، يُقرأ الربع الأخير من القرن الماضي باعتباره فترة طويلة من النجاح لتنبؤات هنتنغتون. ومن الواضح الآن أن هنتنغتون لم يكن مُخطئًا في البداية في تحديد معالم نظام ما بعد الحرب الباردة الناشئ بقدر ما كان مُتسرّعًا في حدسه. فقد وضع إصبعه على العنصر المُعادي للقانون الذي سيتفاقم داخل ذلك النظام، مُنتظرًا لحظته ليُشكّل أساسًا للنظام التالي – أي النظام الذي بدأ يبرز بكامل قوته على مدار العقد الماضي.
في ختام مقاله يقول جيلمان إنه بعد ذروة التفاؤل الليبرالي الدولي في أواخر التسعينيات، يُنظر الآن إلى لحظتنا الراهنة على أنها “انتقام هنتنغتون”؛ فقد انتهى حلم الإجماع العالمي لصالح الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية العالمية المُدارة تكنوقراطيًا، وبرزت اليوم صراعات الحضارات في كل مكان تقريبًا، من موسكو وبكين إلى دلهي وإسطنبول، وحتى في واشنطن نفسها. وفي ظل هذا النظام الجديد، سيكون النجاح من نصيب الجريئين والحازمين عوضًا عن المهذبين. وبدلًا من معاناة الملل الذي حذر منه فوكويوما عقب “نهاية التاريخ”، سنستمتع اليوم بالإثارة المتقدة لنظام دولي يشبه حلبة المصارعة.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/02/21/samuel-huntington-fukuyama-clash-of-civilizations/



