تُعتبر نظرية التعقّد (Complexity Theory) في العلاقات الدولية من أبرز المقاربات المعرفية المعاصرة التي تسعى إلى تجاوز النماذج الكلاسيكية في تفسير الظواهر الدولية، وذلك من خلال النظر إلى العالم بوصفه نظاماً مفتوحاً ومتداخلاً تتفاعل داخله مستويات متعددة من الفعل والتأثير. فالعالم، وفق هذا المنظور، لا يُدار وفق منطقٍ خطّي بسيط أو توازناتٍ مستقرة، بل باعتباره نسقاً مركّباً تحكمه ديناميات متغيرة وغير متوقعة، حيث يمكن لأحداث صغيرة أو محلية أن تولّد تحوّلات بنيوية عميقة في النظام الدولي. وقد بيّن روبرت جيرفيس (Robert Jervis) أنّ العلاقات بين الدول تشبه النظم المعقّدة التي تتأثر بآليات التغذية الراجعة (Feedback Loops)، بحيث يُنتج كل فعل سلسلة من التفاعلات التي تولّد نتائج غير متوقعة. كما أشار جيمس روزيناو (James Rosenau) إلى أنّ العالم المعاصر يتميّز بما أسماه الفوضى المنظمة، أي حالة التداخل الدائم بين المحلي والعالمي التي تجعل التغيير حصيلة شبكة من العوامل المتشابكة، لا قراراً يُتخذ من الأعلى.
تزداد أهمية هذه النظرية في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى، لأنّ الواقع الدولي أضحى معقّداً على نحو غير مسبوق، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والبيئية والصحية والسياسية بشكل متسارع، وتؤدي أحداث تبدو محدودة إلى نتائج عالمية واسعة النطاق. فجائحة كورونا لم تكن أزمة صحية فحسب، بل هزة كونية مسّت الاقتصاد والتعليم والعلاقات الدولية في آنٍ واحد. وكذلك الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي بدأت من قطاع عقاري محدود في الولايات المتحدة ثم تحوّلت إلى زلزال اقتصادي عالمي. هذه الأحداث تُظهر أن النظام الدولي يعمل وفق منطق اللاخطية (Nonlinearity)، وأنّ التغيرات الكبرى قد تنشأ من تفاصيل صغيرة، وهو ما يجعل نظرية التعقّد أداة تفسيرية مركزية لفهم عالمٍ متحوّل.
وفي هذا السياق، يُبرز آصف بيات في كتابه «الحياة سياسة: كيف يغيّر بسطاء الناس الشرق الأوسط» (2014) أنّ التغيير الاجتماعي والسياسي لا يصنعه القادة أو الحركات الكبرى فحسب، بل ينشأ أيضاً من أفعال الأفراد العاديين في حياتهم اليومية. فهؤلاء يمارسون ما يسميه بيات «سياسة الحياة اليومية»، حيث يحاول الناس، من خلال تصرفاتهم البسيطة، انتزاع حقوقهم وفرض وجودهم في الفضاء العام عبر ما يسميه «الاقتحام الهادئ للمألوف». هذه الأفعال الصغيرة والمتفرقة، وإن بدت غير منظمة، تتراكم بمرور الوقت لتشكل ما يسميه «اللا-حركات الاجتماعية»، أي شبكات من الأفراد الذين يتحركون في اتجاه واحد من دون قيادة مركزية. وهنا يلتقي فكر بيات مع نظرية التعقّد، إذ يُظهر كيف يمكن لتفاعلات محلية وعفوية أن تولّد تحولات كبرى في النظام السياسي والاجتماعي، تماماً كما تفعل احتجاجات جيل Z اليوم، التي تنبثق من مبادرات فردية وتتحول تدريجياً إلى موجات عالمية من الوعي والمطالبة بالعدالة.
من هذا المنطلق، تُقدّم احتجاجات جيل Z نموذجاً حياً لتجلّي منطق التعقّد في السياسة العالمية. ويُقصد بجيل Z فئة الشباب المولودين تقريباً بين منتصف التسعينيات ومنتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، أي الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والعولمة الثقافية. هذا الجيل استطاع أن يحوّل أدوات بسيطة كالهاتف الذكي ومنصات الإنترنت إلى وسائط تعبئة وتنظيم عابرة للحدود. ومن خلال دينامية التأثير المتسلسل والعدوى الاجتماعية، تنتقل شرارة الاحتجاج من مدينة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، كما لو أنّها موجة تتكاثر بفعل تفاعلات ذاتية داخل نظام عالمي مفتوح.
فمن هونغ كونغ إلى تشيلي، ومن الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد إلى فرنسا خلال موجات الغضب الشبابي، جسّد جيل Z فعلاً جماعياً لا مركزياً ومنظّماً ذاتياً (Self-Organized Collective Action)، وهو ما يطابق مفهوم النظام الناشئ في نظرية التعقّد. وفي النيبال مثلاً، نجحت احتجاجات جيل Z في إسقاط الحكومة في سبتمبر 2025، بينما خرج الشباب في المغرب، في الفترة نفسها، إلى الشوارع احتجاجاً على الفساد وسوء الحكامة وغياب العدالة الاجتماعية، مطالبين بإصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية. هذه التفاعلات لا يمكن فهمها وفق منطق سببي بسيط، بل كجزء من منظومة متشابكة تنتج فيها المظالم الاقتصادية، والخيبات السياسية، والمآسي الإنسانية – مثل الإبادة في غزة – موجات متلاحقة من الغضب والتحرك الاجتماعي عبر الفضاء الرقمي والواقعي معاً.
تُظهر هذه الانتفاضات كيف أنّ الوعي الجمعي لجيل Z يتغذّى من التغذية الراجعة الإعلامية، حيث تتحول صورةٌ من غزة، أو حادثةُ عنفٍ في إحدى المدن، إلى شرارة احتجاج في بلد آخر. وبذلك، تُجسّد هذه الظاهرة منطق التعقّد في أنقى صوره: فالتغيير لا ينطلق من قرارٍ فوقي، بل من تفاعلات صغيرة تتضخم لتصبح موجةً عالمية. كما تكشف هذه الظاهرة عن أن الشباب أصبحوا عُقداً (Nodes) فاعلة داخل شبكة سياسية عالمية متنامية، يصنعون من خلالها خطابهم الخاص حول العدالة والكرامة والمستقبل المشترك. أما في المغرب، فيملك البلد كل المقوّمات البشرية والطبيعية للانطلاق التنموي الحقيقي، غير أنّ أزمة الحوكمة، وتفشي الإثراء غير المشروع، واتساع الفوارق الاجتماعية، تهدّد بتحويل الطاقة الشبابية إلى طاقة احتجاجية مستمرة. وإذا لم تُستثمر هذه الطاقة في مشاريعٍ عادلة للإصلاح والتعليم والصحة، فإنها ستتحول إلى حلقات جديدة من التوتر والاحتجاج.
وهكذا، يمكن القول إنّ احتجاجات جيل Z تمثل نموذجاً تجريبياً لنظرية التعقّد في العلاقات الدولية، لأنها تعبّر عن تحولات ناشئة داخل النظام الدولي لا يمكن التنبؤ بها، ناتجة عن تفاعلات اجتماعية رقمية، واقتصادية، وأخلاقية، تتجاوز الحدود الوطنية وتعيد تعريف الفعل السياسي ذاته. فهي تبرهن أن العالم الراهن لم يعد يُدار من الأعلى، بل يتشكل من الأسفل عبر أنماط جديدة من الوعي الجمعي والتنظيم الذاتي. وإذا كانت نظرية التعقّد ترفض الخطية واليقين، فإنّ جيل Z يجسّد هذا الرفض بالفعل، ويعيد صياغة مفهوم القوة في زمن الشبكات.
تتكامل نظرية التعقّد مع أطروحات آصف بيات حول “سياسة الحياة اليومية” في تقديم قراءة جديدة للتغيير الاجتماعي والسياسي في العالم المعاصر. فكلا المنظورين يرفضان الفهم الخطي للتاريخ ولحركة المجتمعات، ويؤكدان أن التحولات الكبرى لا تنشأ بالضرورة من قرارات فوقية أو من الحركات الكبرى المنظمة، بل من تراكم مبادرات صغيرة، وأفعال يومية متكررة، وتفاعلات متشابكة تُنتج مع الزمن واقعاً جديداً. ومن هذا المنطلق، تمثل احتجاجات جيل Z التعبير الأوضح عن هذه الرؤية؛ فهي ليست حركة موحدة أو ثورة تقليدية، بل منظومة من الأفعال المتزامنة التي تُعيد تعريف المشاركة السياسية في زمن العولمة الرقمية. جيل Z لا يغيّر العالم عبر الأيديولوجيا، بل عبر الممارسة؛ لا من خلال القيادة، بل عبر الشبكة؛ لا عبر الهدم فقط، بل عبر إعادة بناء المعنى والكرامة في فضاء عام جديد. وهكذا، يلتقي فكر بيات ونظرية التعقّد في الإيمان بأن التغيير اليومي التراكمي، الذي يصنعه الأفراد العاديون في لحظات الوعي والاحتجاج، قادر على إعادة تشكيل العالم كما نعرفه، وعلى فتح آفاق جديدة لعدالةٍ أكثر إنسانية وشمولاً.



