في مقالهما المنشور مؤخرًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “Why Compare the Present to the Past?” (لماذا نقارن الحاضر بالماضي؟) [[1]] يقول الكاتبان إيفان كراستيف وليونارد بيناردو إنه في أعقاب الحرب الباردة، ركّز العديد من المفكرين البارزين على استشراف شكل العالم القادم؛ وفي هذا السياق جاءت كتابات فرانسيس فوكوياما “نهاية التاريخ؟” (1989)، وصمويل هنتنغتون “صراع الحضارات؟” (1993)، وكين جويت “ما بعد اللينينية: فوضى العالم الجديد” (1991)، كتنبؤات عن ملامح ذلك النظام العالمي الجديد. وفي العقود الثلاثة التي تلت ذلك- وبغض النظر عن دقة تنبؤات هؤلاء المفكرين- أصبح العديد من فرضياتهم جزءًا لا يتجزأ من الخطاب السياسي العام.
وفي واقعنا الجيوسياسي الحالي، استُبدلت رؤى المستقبل بقياسات مع الماضي. وأصبح التفكير من خلال القياس التاريخي الوسيلة المُفضّلة لمواجهة مخاوف الحاضر، ولا يكاد يمر يوم دون أن نعود إلى فترة ما بين الحربين العالميتين المأساوية في أوروبا، أو إلى سبعينيات القرن العشرين المضطربة، أو حتى إلى التاريخ القديم.
ويعترف رجل الأعمال إيلون ماسك اليوم بأنه لا يكف عن التفكير في سقوط روما. ويستمتع بترديد عبارة “سقطت روما لأن الرومان توقفوا عن إنجاب الرومان”. فبالنسبة له، يُخبرنا انخفاض معدل المواليد في روما في القرن الأول قبل الميلاد بكل ما نحتاج لمعرفته حول الوضع العالمي الراهن؛ أي أن الديموغرافيا- بحسب ماسك- هي القدر الذي لا مفر منه. كما يتصور بعض المعلقين السياسيين اليوم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو نسخة القرن الحادي والعشرين من نظيره الشعبوي في القرن التاسع عشر، أي الرئيس أندرو جاكسون.
ولكن، هل تُفيد التشبيهات التاريخية حقًا في فهم اللحظة الراهنة؟ وهل نحن قادرون على إجراء تشبيهات صحيحة أصلًا؟
منذ زمن بعيد، لاحظ عالم السياسة روبرت جيرفيس أن صانعي السياسات يختارون بشكل انتقائي تشبيهات تناسب معتقداتهم أو ميولهم المسبقة، مما يؤدي أحيانًا إلى اتخاذ قرارات خاطئة. وكان محقًا في ذلك. فالطبيعة غير الدقيقة لبعض التشبيهات التاريخية قد تترتب عليها عواقب وخيمة. فقد لعب تشبيه فايمار المُفرط في استخدامه في ثلاثينيات القرن الماضي من أجل الدلالة على الاسترضاء دورًا هامًا مثلاً في قرارات واشنطن المأساوية في فيتنام والعراق. لكن التشبيهات مغرية ليس فقط لأنها تُظهر أوجه تشابه، بل لأنها تُساعدنا أيضًا على إبراز الاختلافات.
ويمكن القول إنه لو لم يتزامن سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩ مع الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، لربما كانت قراءتنا للتغيرات المصاحبة لها في أوروبا الوسطى والشرقية مختلفة. فما نعتبره ثورة اليوم ربما كان سيُصنف على أنه شيء آخر لو حدث في وقت وزمن آخر.
ولكن على الرغم من أن التشبيهات التاريخية محفوفة بالمخاطر وقد تكون عرضية، إلا أنها تظل أدوات فكرية قيّمة لرسم خريطة الخيارات التي يواجهها صانعو السياسات. ورغم أن التشبيهات المشبوهة كانت مسؤولة عن عدد لا يحصى من القرارات الخاطئة، إلا أنها توفر إطارًا معرفيًا لتنظيم المعلومات وفهم العالم. كما أنها تساعد صانعي السياسات على ربط الحاضر بالماضي، مما يوفر طريقة لتبسيط المواقف المعقدة وجعلها أكثر قابلية للفهم.
ويصف عالم السياسة يوين فونغ خونغ، ببصيرة، عملية صنع القرار الأمريكية خلال حرب فيتنام بأنها كانت حرب تشبيهات. فقد دافع صانعو السياسات والمنظرون الاستراتيجيون عن مواقفهم من خلال حشد تشبيهات تاريخية مختلفة. والتفكيرُ من خلال التشبيهات التاريخية يُهيئ في الواقع عملية صنع القرار الديمقراطي لأنه يُعزز التواصل السياسي. فعلى عكس المفاهيم التحليلية المجردة، تُثري التشبيهات التاريخية عالم صنع القرار بشخصيات وتفاصيل تاريخية، مما يجعل الأطروحات السياسية مفهومة للعامة.
وفي عالم لم تعد فيه الأيديولوجيات السياسية العالمية تلعب دورًا كبيرًا، تُتيح المقارنات التاريخية اليوم فرصًا لتجاوز واقعية السياسة الخارجية التقليدية، حيث تُحلل القرارات السياسية وفقًا لعوامل أحادية. ولكن المقارنات في نهاية المطاف تظل متعددة بقدر تعدد التاريخ نفسه.
في ختام مقالهما يقول الكاتبان إن الانتشار الواسع للتفكير من خلال القياس التاريخي قد يكون دليلاً قاطعاً على أن ما نراه في الولايات المتحدة اليوم هو في الواقع ثورة؛ ففي تصور ترامب، لا يمكن الحفاظ على تفوق بلاده العالمي إلا بتدمير النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة نفسها؛ حيث لا يمكن إنقاذ الرأسمالية إلا بثورة مناهضة للرأسمالية يقودها مليارديرات. إلا أن القول -من خلال القياسات التاريخية مع بعض سوابق الماضي مثل سياسة البيريسترويكا التي انتهجها الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، أو ثورة ماو تسي تونع الثقافية العنيفة في الصين -بأن ما يفعله ترامب هو ثورة يشبه إعادة ترداد مقولة جوزيبي توماسي دي لامبيدوزا في روايته “الفهد” التي تبرز المفارقة في أقصى صورها: فـ” لكي تبقى الأمور على حالها، يجب أن يتغير كل شيء”.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/06/30/history-analogies-geopolitics-policy-ideology/



