على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت الدراسات العثمانية والتركية التي تركز على حقبة ما بعد عصر التنظيمات العثمانية تحولاً كبيراً وعميقا في نفس الوقت.
ففي مواجهة التأريخ القومي لمنطقة تمتد من البلقان إلى شمال إفريقيا وغرب آسيا، تساءل باحثون في العالم العثماني عن سرديات بناء الأمة المتمركزة حول العِرق، والتي روجت لخطابات متباينة حول التطورات التاريخية في الجغرافيا السياسية التي تلت الفترة الاستعمارية. وقد ساهم التركيز المتزايد على العلاقات بين الطوائف و”الآخر” الإثني-الديني في التواريخ الحديثة للمنطقة في فهم جديد للقرن التاسع عشر وآثاره على هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة.
وبالطبع، لم يكن الأمر كما لو أن الباحثين الأوائل قد تجاهلوا تماماً مسألة الاختلاف الديني في الأقاليم العثمانية لأن الملل- وهي الجماعات الإثنية-الدينية التي اعترفت بها الدولة العثمانية رسميًا- غالبًا ما كانت تُقدَّم وتُدرَس باعتبارها كيانات منعزلة ذات هياكل إدارية مستقلة، وبالتالي فحتى على افتراض أنه وقع تجاهل من طرف الباحثين للموضوع إلا أنه لم يكن بذلك التجاهل الكبير الذي يستحق التشنيع.
في كتابها الصادر عن دار بريل الهولندية للنشر عام 2023 تحت عنوان “Orthodox Christians and Muslims in Cappadocia: Local Interactions in an Ottoman Countryside (1839–1923)” (المسيحيون الأرثوذكس والمسلمون في كابادوكيا: التفاعلات المحلية في الريف العثماني) تتتبع الباحثة: أودي أيلين دي تابيا تاريخ العلاقات اليومية بين المسيحيين والمسلمين من الروم الأرثوذكس في كابادوكيا العثمانية، وهي منطقة ريفية تقع حاليًا في تركيا الحديثة، تسكنها مجموعات عرقية ودينية مختلفة، تتشارك في مستوطناتها أو تعيش في قرى مجاورة. [[1]]
يغطي الكتاب الفترة من ١٨٣٩ إلى ١٩٢٣ وذلك من خلال استناد الكاتبة على أرشيفات الدولة العثمانية، والشهادات التي جمعها مركز دراسات آسيا الصغرى، إضافة إلى مصادر مختلفة مكتوبة بخط اليد ومطبوعة قبل عام ١٩٢٣، معظمها باللغات التالية: العثمانية والقرمانلية التركية، واليونانية.
يطرح الكتاب منظورًا أنثروبولوجيًا للتفاعلات اليومية بين الأديان؛ ويركز على قضايا مثل تحديد المجتمعات ورسم خرائطها، وتقاسم المساحات والموارد، واستخدام اللغات، والتدين في سياق التحولات الدينية، والأماكن المقدسة والمعتقدات المشتركة، وذلك من أجل دراسة الواقع اليومي لمجتمع ريفي متعدد الأديان اختفى مع سقوط الإمبراطورية.
تتعمق دي تابيا في نقدها للتأريخ، وتُعرب أيضًا عن عدم ارتياحها للمناهج الحديثة لدراسة العلاقات بين الطوائف، التي تُبرز مفهوم “التعايش” الذي حل بشكل متزايد محل مفهوم “التسامح”. وترى أن مفهوم “التعايش” مُفرط في التفرقة الإثنية، وتدعو بدلًا من ذلك إلى نهج يُركِّز على مفاهيم “التفاعل” و”الترابط” التي تُظهر على حد تعبيرها: “مدى وحدود الحياة اليومية بين الطوائف، وفي الوقت نفسه تُشكِّك في التفسيرات “الوطنية” و”القومية” للملل العثمانية”.
نشير ختامًا إلى أن مؤلفة الكتاب أودي آيلين دي تابيا باحثة متخصصة في الدراسات التركية والإسلامية. وهي أستاذة مساعدة في جامعة فرايبورغ بألمانيا، حيث تشغل منصب رئيسة قسم الدراسات التركية والإسلامية. يركز عملها الأكاديمي على تاريخ وأنثروبولوجيا أواخر الدولة العثمانية وتركيا الحديثة. وقد حصلت على درجة الدكتوراه عام ٢٠١٦ من برنامج مشترك بين كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) في باريس وجامعة بوغازيتشي في إسطنبول.
[[1]]https://brill.com/display/title/64972?srsltid=AfmBOop7ENQoCGuN6Gvqte-JqWQmWRB5qNvnJPKNVP54JRFOdibaZTxd



