في مقاله المنشور حديثًا في مجلة ذا نيشن الأمريكية تحت عنوان “We’ve Officially Entered Kafka’s America” (دخلنا رسميًا إلى أمريكا الكافكية) [[1]] يغطي الكاتب الصحفي ساشا أبرامسكي قصة اعتقال مهاجر وطالب لجوء ليبي يبلغ من العمر 50 عامًا يُدعى محمد ناصر دخل الولايات المتحدة قبل خمسة عشر عامًا بشكل قانوني، وتقدم بطلب لجوء، ويخضع منذ ذلك الحين لإجراءات المحكمة التي ما تزال تدرس طلب لجوئه على مدار سنوات، مثله في ذلك مثل الكثيرين الذين يمرون بنفس الإجراءات التي تستغرق في العادة أعوامًا طويلة.
يحكي أبرامسكي أنه قبل ثلاثة أسابيع، تلقت هيلين بارسوناج، المحامية المتخصصة في قضايا الهجرة في ولاية كارولينا الشمالية، اتصالاً من أحد الأفراد في غرينزبورو (مدينة في كارولاينا الشمالية) يُبلغها فيه أن عملاء حكوميين مجهولين يحاولون القبض على أب لخمسة أطفال من منزله.
كانت آخر مرة تورط فيها ناصر في مخالفة قانونية قبل ما يقرب من عقد من الزمان، عندما أُوقف في نقطة تفتيش مرورية وحُكم عليه بثلاث مخالفات، لانتهاء صلاحية تسجيل السيارة وتأمينها، وعدم ارتداء حزام الأمان. وتقول بارسوناج إن المخالفات أُسقطت في النهاية. لكن في عصر ترامب الذي يعمل فيه عملاء دائرة الهجرة والجمارك وحماية الحدود (ICE) لتحقيق معدلات اعتقال يومية تزيد على 3000 مهاجر على مستوى البلاد، يُفترض أن تلك المخالفات التي أُسقطت سابقًا كانت كافية لجذب انتباههم إلى ذلك الأب المهاجر.
اقترب العملاء، بملابس مدنية وبدون هوية، من منزل ناصر في تمام الساعة التاسعة صباحًا يوم 15 يوليو\ تموز. كان ناصر في العمل، وأفادت التقارير أن الرجال أخبروا زوجته أنهم سيعودون بتعزيزات. وعندما عاد ناصر لاستراحة الغداء، انقض عليه العملاء وهم يرتدون ملابس مموهة مزينة بأحرف كلمة “شرطة”.
ناصر، الذي قرأ تقارير متعددة عن مجرمين ينتحلون صفة فرق دائرة الهجرة والجمارك في الأشهر التي تلت تنصيب ترامب، شعر بالرعب واندفع مسرعًا إلى منزله ونجح في الدخول، لكن عندما حاول هو وزوجته إغلاق الباب بقوة، تمكن أحد العملاء من تثبيت قدمه، وأبقى حذاءه في الفتحة لمنعهما من إغلاقها تمامًا.
وبينما كان الجيران يتوافدون إلى الشارع لتصوير المواجهة، حاول العملاء لأكثر من ساعة اقتحام المنزل بالقوة، رغم أنهم- على ما يبدو- لم يكن لديهم إذن يسمح لهم بدخول العقار بشكل قانوني لملاحقة ناصر. وفي النهاية، استسلموا وغادروا.
بعد يومين، كان حظ فريق الخطف أوفر، حيث عثروا على ناصر وهو في طريقه إلى العمل، وألقوا القبض عليه واحتجزوه.
اتصل أحد عملاء دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية ببارسوناج وأخبرها أن رؤساءه أمروه بطرح سلسلة من الأسئلة على ناصر حول معرفته بالعمليات السرية للحكومة الإيرانية وتورطه فيها في الولايات المتحدة وخارجها، وحول الخطط التي قد تضعها القيادة الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز في أعقاب القصف الأمريكي والإسرائيلي الأخير على إيران.
أوضحت بارسوناج مرارًا وتكرارًا أن موكلها ليبيّ وليس إيرانيًا، وأنه لم يزر إيران قط، وأنه لا يعرف شيئًا عن هذا البلد. وفي كل مرة كان يرد عليها العميل بأنه يفهم ذلك، لكن الأوامر صدرت له ولزملائه بطرح هذه الأسئلة على المعتقلين. وفي نهاية المقابلة، أخبرت المحامية ضابط دائرة الهجرة والجمارك (ICE) الذي ترأس الجلسة أنه بما أنهم اعتقلوا الرجل الخطأ فيجب عليهم إطلاق سراح موكلها الآن. إلا أن رد الضابط صدم بارسوناج؛ حيث قال لها بأسلوب ساخر إنه: “بمجرد أن تحتجز دائرة الهجرة والجمارك أو الجمارك وحماية الحدود مهاجرًا، فلن تفرج عنه، حتى لو اعتُقل لسوء فهم” وأنهم بمجرد انتهاء الاستجواب، سينقلون ناصر إلى مركز احتجاز.
في جلسة استماع بشأن الكفالة في 29 يوليو/تموز، شاهد حوالي 100 من أفراد الجيران وأعضاء المجتمع المحلي البث الحي للجلسة للتعبير عن دعمهم لناصر. وكان هؤلاء الرجال والنساء قد تبرعوا بالفعل في حملة على منصة ((GoFundMe لجمع تبرعات الكفالة لإخراج جارهم من مركز الاحتجاز وإعادته إلى منزله مع عائلته. إلا أن الحكومة رفضت إطلاق سراح ناصر بكفالة، مدّعيةً أنه ثمة خطر لهروبه من العدالة لأنه فر إلى منزله بعد تعرضه للاعتداء من قِبل عملاء مجهولين، وأنه يُشكّل خطرًا على المجتمع لأنه وصف العملاء الذين يحاولون اعتقاله بأنهم رجال سيّئون للغاية. وهو وصفٌ يبدو في ظل الظروف التي جرى خلالها الاعتقال طبيعيًا وعاديًا للغاية.
لم يقتنع القاضي بحجج الحكومة الواهية، وأمر بالإفراج عن ناصر بكفالة قدرها 20 ألف دولار، وهي أموال كان جيرانه وأصدقاؤه قد جمعوها بالفعل. وهكذا، استعدت عائلة ناصر لإعادته إلى المنزل. ولكن عوضًا عن إطلاق سراحه، تقدمت دائرة الهجرة والجمارك بطلب لوقف تنفيذ إطلاق سراحه تلقائيًا، وهو طلبٌ أُحيط بالسرية وفقًا لبارسوناج. ولم تُقدم الوكالة أي معلومات عن سبب رغبتها في التحايل على قرار المحكمة.
وأخيرًا، وبعد أيام من الاحتجاجات والمسيرات وحملات كتابة الرسائل التي شارك فيها مئات الجيران وبعض السياسيين المحليين ورجال الدين، أُطلق سراح ناصر. إلا أن الاحتفالات قد تكون قصيرة الأمد. إذ لا يزال ناصر يواجه إجراءات ترحيل قد تؤدي إلى طرده إلى ليبيا التي مزقتها الحرب، والتي فرّ منها قبل 15 عامًا.
يستطيع الأديب التشيكي فرانس كافكا بحسب أبرامسكي أن يفهم هذه اللحظة جيدًا؛ هذه أمريكا الآن حيث يستطيع رجال ملثمون القبض على السكان في الشارع، بغض النظر تقريبًا عن وضعهم القانوني؛ ويمكنهم استجوابهم بشأن أمور لا علم لهم بها؛ ويمكنهم احتجازهم ليس لأن إجاباتهم أثارت شكوكهم، ولكن لأن اعتقالهم يحتاج إلى تبرير بعد وقوعه؛ ويمكنهم بعد ذلك رفض إطلاق سراحهم دون أي سبب سوى أن الحكومة تعمل الآن بنظام حصص الاعتقال والترحيل. كافكا كذلك يستطيع أن يدرك الدوافع الانتقامية لحكومة قد هُزمت في المحاكم، واستمرارها في السعي إلى الترحيل لمجرد الترحيل ضد رجل يعمل بجد من أجل إعالة أسرته.
تجوب فرق الخطف الشوارع الآن في جميع أنحاء البلاد دون عقاب، حيث وردت تقارير عن حصول الموظفين الجدد في إدارة الهجرة والجمارك على مكافأة انضمام قدرها 50 ألف دولار. كما ورد أن الحكومة راودتها فكرة “برنامج تجريبي” – ثم سحبته على ما يبدو – يقدم حوافز نقدية للوكلاء مقابل كل مهاجر يُرحّلونه بسرعة عبر التحايل على إجراءات الحماية القانونية الواجبة. وقد أشار تحليل حديث لشبكة CNN إلى أن المدن والولايات التي يديرها الديمقراطيون تتحمل اليوم العبء الأكبر من هذه الاعتقالات، حيث تسعى إدارة ترامب إلى معاقبة ما يُسمى بمناطق اللجوء. وقد تباهى رئيس حرس الحدود، غريغوري بوفينو، على قناة فوكس نيوز بأن وكلاءه “سيذهبون إلى أي مكان وفي أي وقت يريده”. كما أوضحت الإدارة أنه إذا لم تسمح الولايات لدائرة الهجرة والجمارك بدخول سجونها للتفتيش عن المهاجرين، فإنها ستُجري عددًا متزايدًا من المداهمات في أحياء المدن الأمريكية.
في ختام مقاله يقول أبرامسكي إنه ليس ثمة منطق أو مبرر اليوم لفهم وقوع أي أحد في قبضة تلك الاعتقالات الشاملة التي شنّتها الإدارة ضدّ المهاجرين. بل لا يهمّ أن تكون أنت هو الشخص نفسه الذي ظنّت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أنك هو عندما ألقت القبض عليك. المهمّ الآن هو أن يُسهم اعتقالك في الحصّة اليومية المطلوبة التي وضعها المتعصبون الساديون الذين يُسيطرون الآن على واشنطن.
[[1]]https://www.thenation.com/article/politics/north-carolina-immigration-dragnet/



