لماذا لا توجد نظرية غير غربية داخل حقل العلاقات الدولية؟ ولماذا تغيب النظريات الآسيوية، أو العربية، أو الإفريقية عن صياغة منطلقات هذا الحقل، رغم أن معظم الوقائع الدولية التي يُعنى بها تقع في العالم غير الغربي؟ أليس من المفارقة أن تُفسَّر أحداث الجنوب – من النزاعات والثورات إلى مشاريع التنمية والسيادة – بأدوات مفهومية غربية نشأت في سياقات تاريخية وثقافية مختلفة؟ تطرح هذه الأسئلة إشكالًا معرفيًا حقيقيًا حول طبيعة العلاقات الدولية كحقل أكاديمي، وتكشف عن الحاجة إلى مراجعة عميقة لبنيته المفاهيمية والإبستمولوجية.
في العقود الأخيرة، برزت الدعوة إلى تحرير حقل العلاقات الدولية من هيمنة المركزية الغربية بوصفها ضرورة معرفية وسياسية ملحة. فقد نشأ هذا الحقل وتطوّر في السياق الأوروبي – الأميركي، حيث رسّخ مقولات القوة والغلبة، وشرعن أنماط الهيمنة الإمبريالية تحت غطاء “العلمية” و”التحليل الموضوعي”. لقد بُنيت معظم نظريات العلاقات الدولية الكبرى، كالواقعية والليبرالية والبنائية، على تصوّر للعالم يُقسّمه بشكل غير عادل إلى “مركز عقلاني متقدّم” و”هامش فوضوي متخلّف”. وهو تقسيم لا يعكس فقط الفجوة الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب، بل ينطوي على مضمون إبستمولوجي يُقصي كل ما هو غير غربي من دائرة إنتاج النظرية والمعرفة.
هذه المركزية ليست مجرد انحياز ثقافي، بل بُنية معرفية متجذّرة تُنتج وتحرس التراتبية العالمية، حيث تتم قراءة العالم – وخصوصًا الجنوب – من خلال نماذج نظرية غربية لا تراعي السياقات المحلية، ولا تعكس الخصوصيات الثقافية والتاريخية للشعوب غير الغربية. ومن ثمّ، فإن الأحداث الجارية في دول الجنوب، سواء كانت نزاعات أو ثورات أو مشاريع تحرّرية، تُفسَّر غالبًا من خلال أدوات غربية تختزل الفاعلين المحليين في قوالب نمطية مسبقة، وتقصي المقاربات الأصلية من التداول الأكاديمي.
وفي ظل هذا الاختلال، برزت الحاجة إلى مراجعة جذرية للمنطلقات النظرية للحقل، لا تكتفي بالمطالبة بتعدّدية شكلية، بل تُسائل أصوله الكولونيالية، وتعيد الاعتبار لتجارب الشعوب المُهمَّشة والمستعمَرة. في هذا السياق، برزت مساهمات مفكرين من خارج الغرب، أمثال أميتاف أشاريا وباري بوزان، لا سيما في كتابهما “تشكيل العلاقات الدولية العالمية ” (The Making of Global International Relations 2019)، حيث دعوا إلى الانتقال من “علاقات دولية غربية” إلى “علاقات دولية عالمية”. وقد أكّد أشاريا أن الحقل لن يكون عالميًا بحق ما لم يُفسح المجال للأصوات غير الغربية لتقديم مفاهيمها، وتواريخها، ونظرياتها، بوصفها أطرافًا فاعلة في إنتاج المعرفة، لا مجرد تابعين للكانون المهيمن. (The dominant canon)
وتُعَدّ نظرية ما بعد الكولونيالية (Postcolonialism) إحدى أبرز المساهمات في هذا المسار النقدي، إذ سعت إلى تفكيك الخطاب الغربي حول “الآخر”، عبر تحليل التمثلات المشوّهة التي أنتجها الاستشراق وأعاد تدويرها الحقل الأكاديمي الغربي. وقد ساهمت أسماء لامعة كإدوارد سعيد، وجاياتري سبيفاك، وحميد دباشي، في كشف الأسس الإيديولوجية التي بُني عليها هذا الخطاب، وفضحوا كيف بقيت العلاقات الدولية أسيرة تمثلات استعلائية تجاه شعوب الجنوب. أما الديكولونيالة (Decoloniality) بقيادة مفكرين مثل والتر منيولو وأنيبال كويخانو، فقد طرحت مسارًا أكثر راديكالية من خلال الدعوة إلى “العصيان المعرفي” (Epistemic Disobedience)، أي التحرر من البنية الإبستمولوجية التي رسّخها الاستعمار، وإعادة بناء المعرفة من داخل تجارب الجنوب ومرجعياته الثقافية.
وتكمن خطورة استمرار هذه الهيمنة المعرفية في أن التحيّزات النظرية الغربية ما تزال تتحكم في تفسير الأحداث الدولية. فالإبادة الجارية في غزة، مثلًا، أو العدوان الإسرائيلي على إيران، والانحياز السافر للمؤسسات الغربية، لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا الإرث النظري. إذ يُنظر إلى إسرائيل، رغم امتلاكها لترسانة نووية غير خاضعة للرقابة، كـ”فاعل عقلاني”، بينما تُدان دول الجنوب لمجرد دفاعها عن سيادتها. هذه الازدواجية تفضح فشل الحقل في تقديم فهم عادل ومتوازن للواقع الدولي، وتُبرز هشاشة مقولات القانون الدولي و”النظام القائم على القواعد” حين تُطبق بشكل انتقائي.
في ضوء هذا التحيّز البنيوي، تبرز الحاجة إلى بلورة مقاربات محلية تعيد الاعتبار للثقافة، والتاريخ، والسياق. وفي الحالة المغربية، يبرز اقتراح بناء مقاربة مغربية في العلاقات الدولية، تستند إلى النبوغ التاريخي والسياسي والديني الذي ميّز المغرب عبر قرون. فمؤسسة إمارة المؤمنين تُجسد نموذجًا سياسيًا ـ دينيًا فريدًا، يتجاوز الثنائية المألوفة بين الدولة العلمانية الغربية والدولة الثيوقراطية، ويتيح رؤية جديدة للعلاقة بين الدين والسياسة. كما أن تجربة المغرب في الدبلوماسية الدينية، وتكوين الأئمة، وتصدير نموذج الأمن الروحي، تفتح أفقًا لمفهوم أوسع للسيادة والأمن، يتأسس على الثقة المجتمعية والاستقرار الرمزي، لا على الردع فقط.
إن بلورة مقاربة مغربية لا تعني الانغلاق أو الانعزال، بل الانخراط النقدي في مشروع “عولمة العلاقات الدولية” انطلاقًا من الجنوب. فالتجربة المغربية غنية بالموارد الفكرية التي يمكن استدعاؤها لإغناء الحقل، من ابن خلدون ونظريته في العمران، إلى عبد الله العروي ونقده للتاريخانية، إلى محمد عابد الجابري ومشروعه في نقد العقل العربي، وصولًا إلى طه عبد الرحمن، الذي دعا إلى إعادة التفكير في مفاهيم الحداثة والسيادة والعقلانية من مرجعية قيمية إسلامية تُعلي من الأخلاق والروحانية. هذه الرؤية تفتح المجال لبناء نظرية سياسية بديلة تُنصت للبعد الثقافي، وتعيد الاعتبار للمسؤولية الأخلاقية في العلاقات الدولية.
كما أن المبادرات السياسية المغربية، وعلى رأسها “المبادرة الأطلسية” التي أطلقها الملك محمد السادس في نوفمبر 2023، تمثل خطوة استراتيجية في اتجاه بناء نظام دولي بديل يقوم على التعاون جنوب–جنوب، لا على التبعية للقطب الواحد. فهذه المبادرة تعيد تأهيل الأطلسي، لا بوصفه مجالًا للهيمنة، بل كفضاء مشترك للتكامل والتنمية والنهوض الجماعي. وهي تعبّر عن إمكان سياسي نابع من الجنوب، يواجه منطق الاصطفاف الأيديولوجي، ويدعو إلى شراكة عادلة ومستدامة.
إن تحرير العلاقات الدولية ليس شعارًا طوباويًا، بل مشروع إبستيمي ومعرفي وسياسي في آنٍ معًا. هدفه مقاومة التبعية النظرية، واستعادة السيادة الفكرية، وتفعيل مشاركة الجنوب في إنتاج النظرية. وهو مشروع طويل النفس، يمر عبر إصلاح المناهج، وتوطين المفاهيم، وتمكين الجامعات من فضاءات الحرية الفكرية، وتشجيع التعدد اللغوي في إنتاج المعرفة. ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح ما لم يُنصت الحقل إلى تجارب الجنوب، لا بوصفها “حالات دراسة”، بل باعتبارها مناجم نظرية وتجريبية قادرة على إعادة تشكيل الحقل من جذوره.




مقال علمي رائع جدا، بالتوفيق والسداد أخي، مزيدا من التميز والتألق
مقال جيد وفيه نظرة تحليلية فكرية جديدة للكاتب
مقالة رائعة تلامس جوهر الخلل المعرفي في حقل العلاقات الدولية، وتطرح بأسلوب رصين ومتماسك دعوة جريئة إلى تحرير النظرية من سطوة المركزية الغربية. تحية تقدير واحترام لك استاذي عبد العزيز
لقد أشرتم في مقالكم، أستاذنا الكريم، إلى إشكالية مركزية تتمثل في هيمنة المقاربة الغربية على حقل العلاقات الدولية، حيث تُفرض نظرياتها التقليدية باعتبارها النموذج المرجعي، في مقابل تهميش إسهامات دول الجنوب في إنتاج المعرفة والمشاركة في توجيه القرار الدولي. وهو ما يستدعي فتح المجال أمام مقاربات أكثر توازنًا تعكس تنوع التجارب الدولية وتغيير نظرة الغرب على ما سواها من الدول على انها دول استهلاكية فقط.