يشير المؤرخ الكندي: كوين سلويوديان في مقاله المنشور حديثًا في مجلة نيوستيتسمان البريطانية تحت عنوان «The bastards of neoliberalism» (الأبناء غير الشرعيين للنيوليبرالية) [[1]] إلى أنه في عام 2023 تولى خافيير ميلي السلطة في ثاني أكبر دولة في أمريكا اللاتينية، وهو أحد أكثر أتباع الليبرالية الجديدة جرأةً في أفكاره وطرحه، وقد وصف نفسه بأنه يعبر عن أكثر أشكال الليبرالية تطرفًا، وأنه أناركي (لا سلطوي) رأسمالي، يؤمن بوجوب استبدال الدول كليًا بمقدمي الخدمات من القطاع الخاص.
وقد كانت الإجراءات التي اتبعها ميلي مزيجًا فوضويًا من خصخصة الشركات المملوكة للدولة وتجاوز موافقة الكونغرس، وإلغاء القيود التنظيمية على بطاقات الائتمان والرعاية الصحية الخاصة، إضافة إلى السماح لأصحاب العمل بفصل العمال إذا شاركوا في الاحتجاجات، والحد من إجازة الأمومة، والعفو عن قوات الأمن في حال استخدامها لمزيد من العنف. وكانت هذه الاجراءات مزيجًا من العلاج بالصدمة الاقتصادية والمحافظة الاجتماعية والاستبداد.
والحقيقة أن ميلي ليس سوى المثال الأبرز على بعض السياسيين الذين برزوا في العقد الماضي، والذين يصوّرون أنفسهم على أنهم متمردون، أو ثوريون ملهمون، غير أن الواقع يقول عكس ذلك، فهم إنما يمثلون طفرة في حلقات السلسلة التطورية لليبرالية الجديدة، وليسوا علاجًا لها أبدا.
وقد برزت سردية معينة منذ التحولات السياسية التي نتجت عن تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز ترامب عام 2016، تحاول هذه السردية تفسير ما يُسمى بالشعبوية اليمينية على أنها رفض شعبي لليبرالية الجديدة، والتي غالبًا ما تُوصف بأصولية السوق، أو الاعتقاد بأن لكل شيء على هذا الكوكب ثمنًا، وأن الحدود قد عفا عليها الزمن، وأن الاقتصاد العالمي يجب أن يحل محل الدول القومية، وأن الحياة البشرية قابلة للاختزال في دورة من الكسب والإنفاق والاقتراض والموت. وعلى النقيض من ذلك، يدّعي هذا اليمين “الجديد” الإيمان بالشعب والسيادة الوطنية وأهمية الثقافة.
لكن هذه السردية لا تعبر عن الحقيقة كاملة؛ فمن خلال النظر عن كثب، يمكننا أن نلاحظ أن فصائل مهمة من اليمين الناشئ كانت في الواقع عبارة عن سلالات متحولة من الليبرالية الجديدة. فهي لا تُقدم سوى القليل من الخطط لكبح جماح القطاع المالي، أو استعادة عصر ذهبي من الأمن الوظيفي، أو إنهاء التجارة العالمية. وعمومًا، فإن دعوات ما يُسمى بالشعبويين للخصخصة، وتحرير الاقتصاد، وخفض الضرائب تنطلق مباشرةً من المبادئ التي تبناها قادة العالم السابقون على مدى الثلاثين عامًا الماضية.
وقد كان عصر التيسير الكمي (طباعة الحكومة للنقود بكميات كبيرة وضخها في الاقتصاد لإنعاش السوق) من عام 2008 إلى عام 2022 حقبة تاريخية فريدة. حيث بدا أن ثمة قوانين جديدة في الاقتصاد العالمي آخذة في الظهور. فبغض النظر عن مدى انخفاض أسعار الفائدة التي تدفعها البنوك المركزية في الدول الصناعية، لم يحدث أي تضخم يذكر. وبدت الأفكار المسبقة القديمة وكأنها في طريقها إلى مزبلة التاريخ. وأشارت أفكار جديدة من اليسار، يدندن أصحابها ومروّجوها حول النظرية النقدية الحديثة إلى أن القوانين لطالما فُهمت فهما سقيما لم يكن هو المقصود منها. فربما تستطيع الحكومات بالفعل طباعة ما تشاء من النقود. ويبدو أن هذا ينطبق بشكل خاص على الولايات المتحدة، التي ظلت مُصدّر العملة الاحتياطية العالمية.
في تلك الأثناء بدأت الحجج الليبرالية تستمدّ قوتها بشكل متزايد من ترسانة العلوم المادية لتأسيس ادعاءاتها. وكان وادي السيليكون أحد أكثر البيئات خصوبةً لتلك الأفكار الجديدة، حيث روّج المثقفون بشكل متزايد لفكرة أن “سمات كالذكاء وأخلاقيات العمل، لها أساس وراثي قوي”. وكان صاحب هذه المقولة هو الكاتب الأمريكي ريتشارد حنانيا. وقد أشادت به دار هاربر كولينز للنشر، ووصفته بأنه “أحد أكثر الكُتّاب شهرةً في البلاد”، وقد كُشف النقاب عنه عام 2023 بصفته الكاتب المستعار لمقالات عنصرية صريحة على موقع AlternativeRight.com، الذي أسسه النازي الجديد والمتعصب للعرق الأبيض: ريتشارد سبنسر.
تضمنت مقالات حنانيا دعواتٍ لتعقيم كل من يقلّ معدل ذكائه عن 90 بالقوة، وادّعى أن ذوي الأصول الإسبانية “لا يمتلكون معدل الذكاء المطلوب ليكونوا جزءًا فاعلًا في دولة من دول العالم الأول”. فبالنسبة لحنانيا، الذي استضاف برنامجُه التلفزيوني مثقفين بارزين، مثل ستيفن بينكر، وتايلر كوين، فإن ارتفاع معدل الذكاء لدى الأفراد والأمم يؤدي إلى النجاح والتحررية وتقدير الأسواق. ويعرب حنانيا عن قلقه إزاء “الخصوبة غير الطبيعية” التي تُقاس بانخفاض معدلات الذكاء لدى السكان الأمريكيين، مشيرا إلى أن “المصدر الحقيقي للاختلاف الطبقي هو سمات مثل معدل الذكاء والفضول الفكري”.
وفي الفترة التي سبقت انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة عام 2016، برزت مسألة الذكاء مجددًا في أوساط ما يُعرف الآن باليمين البديل. وقد ساهم عمل تشارلز موراي حول أبحاث الذكاء في جولة أخرى من الجدل والادعاءات والحجج المضادة، حيث حظيت بتغطية إعلامية مكثفة في صحيفة نيويورك تايمز.
لم يكن الخطاب هذه المرة يدور حول انتقاد عزلة النخبة المبدعة، أو الإشادة بقادة الابتكار الاقتصادي الجدد. بل اتخذ الحديث – عوضا عن ذلك -منعطفًا أكثر خطورة، حيث اتجه نحو الحاجة المحتملة للتخلص من عبء الأفراد الزائدين على قدر الحاجة في المجتمع، أو ربما حتى استبعادهم من وضعٍ متساوٍ. حتى وصل الأمر ببعض المولعين بالذكاء إلى رسم حدود عرقية، تقيس الشعوب من خلال مستوى ذكائها، حيث تضع هذه الحدود القوقازيين واليهود الأشكناز على جانب من الخط، بينما تضع الآسيويين واللاتينيين والمنحدرين من أصل أفريقي على الجانب الآخر.
في ختام مقاله يقول الكاتب سلوبوديان إن خافيير ميلي مثله مثل جايير بولسونارو (رئيس البرازيل الأسبق) وسيباستيان كورتس (مستشار النمسا الأسبق) ودونالد ترامب، وأمثالهم من الزعماء الشعبويين اليمينيين الذين سبقوه في إلقاء كلماتهم من فوق منصة منتدى دافوس العالمي، مضيفا أن خافير لم يكن يتحدث هناك في فعاليات هذا المنتدى كمنشق عن النظام الرأسمالي العالمي بقدر ما كان يتحدث كأحد أفراد الجيل الأحدث من مؤيدي هذا المنتدى. فقد التقط صورًا ذاتية مع المدير العام لصندوق النقد الدولي بعد العرض، كما فعل لاحقًا مع تيم كوك (المدير التنفيذي لشركة آبل) ومارك زوكربيرج وإيلون ماسك. مؤكدا أن ثمة كثيرين ممن يُفترض اليوم أنهم يُخربون الوضع الراهن، هم في الواقع ردة فعل من داخل الرأسمالية العالمية أكثر من كونهم ردة فعل عنيفة ضدها.
[[1]]https://www.newstatesman.com/ideas/2025/04/the-bastards-of-neoliberalism



