في مقاله المنشور حديثًا في موقع صحيفة «صنداي غارديان» تحت عنوان: “Trump’s threats, tariffs are reshaping the world order” (تهديدات ترامب والرسوم الجمركية تُعيد تشكيل النظام العالمي) [[1]] يقول العميد المتقاعد جاغاتبير سينغ إن تعريف الحروب في الماضي كان سهلاً، لكن معظم الدول الآن لا تعرف متى تكون في حالة حرب ومع من تخوض صراعًا. ويرجع ذلك إلى أن وسائل العنف الصلبة لم تعد الأداة السائدة في فرض إرادة الأمم.
وقد ازداد هذا الأمر وضوحًا على الصعيد الدولي منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة، فلم يعد يُميز الأخير بين الأصدقاء والأعداء، بل يُركز الآن على إعادة تشكيل العالم، ولكنه ليس مستعدًا بعد لتحمل كلفة وتبعات ذلك.
وتشمل هذه التحولات في مفهوم الصراع في السياسة الدولية وأدواته الجديدة: نزاعات السيادة الإقليمية والتهديدات الاقتصادية؛ فقد أعرب ترامب عن رغبته في جعل كندا الولاية رقم 51، وعن رغبته في ضم غرينلاند، والسيطرة على قناة بنما، ووضع قطاع غزة تحت الهيمنة الأمريكية المباشرة. كما وسّع نطاق حملته التجارية ضد الصين وكندا والمكسيك؛ هذا فضلاً عن نيته المعلنة للتخلي عن تحمل فاتورة أمن أوروبا.
وتعتقد إدارة ترامب أن خصوم وحلفاء الولايات المتحدة على حد سواء قد استغلوها لفترة طويلة جدًا، ولذلك قررت أمريكا الآن أنه يجب عليها تغيير نهجها الاستراتيجي وأن تكون أكثر صرامةً وقسوةً في تعاملاتها. وترى هذه الإدارة في الوصول إلى أسواق رؤوس الأموال الأمريكية، والشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة نقطة ضغط تستطيع من خلالها إدارته أن تطلب تنازلات إستراتيجية واقتصادية معينة من الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
ويشير سينغ إلى أن الولايات المتحدة قد لجأت من قبل إلى الإكراه الاقتصادي ضد حلفائها. وبينما اختلفت الإدارات عن ترامب في لهجتها، إلا أن رسالة التهديدات كانت متشابهة في كثير من الأحيان: إما إتباع السياسة الأمريكية أو مواجهة أضرار اقتصادية جسيمة. ففي عام ١٩٤٨، على سبيل المثال، هددت إدارة ترومان بتعليق خطة مارشال عن هولندا ما لم تتخلَّ عن حملتها ضد حركة التحرر الوطني الإندونيسية؛ حيث شعرت الولايات المتحدة أنه يمكن الاعتماد على الإندونيسيين كحلفاء في الحرب الباردة، ولذلك هددت بقطع المساعدات، مما أجبر الهولنديين على منح إندونيسيا الاستقلال في غضون عام.
وقد أظهرت أزمة السويس عام ١٩٥٦ مرة أخرى ضغوطًا اقتصادية أمريكية قوية. فبعد غزو فرنسا وإسرائيل والمملكة المتحدة لمصر، أوضح الرئيس أيزنهاور أن الولايات المتحدة لن تدعم اقتصاد بريطانيا بعد الحرب ما لم توقف هجومها. وأخبر أيزنهاور رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن بوضوح أنه “إذا لم تخرجوا من بورسعيد غدًا، فسأتسبب في هجمة شرسة على الجنيه الإسترليني وخفضه إلى الصفر”. وهو ما أدى إلى تراجع إيدن، وأدت تهديدات مماثلة أيضًا ضد باريس وتل أبيب إلى انسحاب القوات الفرنسية والإسرائيلية.
وتُعدّ التعريفات الجمركية جزءً واضحًا آخر من هذا النهج الاستراتيجي الجديد. فمن خلال فرض تعريفات جمركية على الدول التي لا تتوافق بشكل وثيق مع أولويات واشنطن، رفعت الولايات المتحدة فعليًا سعر دخول السوق الأمريكية. فإذا أرادت الدول سعرًا أقل، فعليها أيضًا خفض الحواجز التي تمنع الشركات الأمريكية من المنافسة العادلة والاستفادة من فرص السوق في مناطقها. وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فيجب تقديم تنازلات أخرى في المجالات الإستراتيجية والأمنية الوطنية.
ويمنح حجم السوق الأمريكية قوة لتلك التهديدات التجارية، لاسيما ضد الدول التي تعتمد كليًا على الولايات المتحدة في التجارة. ولنأخذ حالة الدنمارك على سبيل المثال. فقد أدى رواج أدوية علاج مرض السكري وفقدان الوزن التي تنتجها شركة الأدوية الدنماركية (نوفو نورديسك) إلى جعلها الشركة الأكثر قيمة في الاتحاد الأوروبي. وتنمو مبيعات (نوفو نورديسك) في السوق الأمريكية الآن بنسبة 30% سنويًا؛ ويبلغ إجمالي مبيعاتها الصافية 42 مليار دولار، أي ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي للدنمارك. وهذا يجعلها هدفًا للابتزاز الاقتصادي فيما يتعلق بغرينلاند.
في ختام مقاله يقول الكاتب إن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة، والاعتقاد الأساسي الذي يدفع هذا التحول هو أن الوصول إلى أسواق الولايات المتحدة والتمتع بمظلتها الأمنية والتحالف الاستراتيجي معها هو امتياز ولا يمكن اعتباره حقًا. وفي سبيلها إلى ذلك تقوم أمريكا بإدارة صراع عالمي من نوع خاص يحتاج فهمه إلى إعادة تعريف أدوات شن الحرب.
[[1]]https://sundayguardianlive.com/opinion/trumps-threats-tariffs-are-reshaping-the-world-order



