لطالما كان النهج البريطاني ونظيره الفرنسي تجاه التنوع العرقي هدفًا للمقارنة الكوميدية، إذ كوّن البلدان على مر السنين نظرةً ساخرةً إلى حدٍّ ما تجاه إدارة كلٍّ منهما للهجرة، وما تلاها من تحول نحو مجتمع متعدد الأعراق والأديان في كلا البلدين. ورغم أن هذه المقارنات تحمل بعض المبالغة، إلا أنها مبررة إلى حدٍّ ما، وهي تشهد في كل الأحوال على تباين النهجين اللذين ترسَّخا في كلا البلدين نتيجةً للهجرة الجماعية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
ورغم تباين مواقف البلدين حتى الآن، يبدو أن المشاكل التي يواجهها كلاهما تتشابه. إلا أن فرنسا بوجه خاص لها تاريخ عريق في فرض سيادة الدولة على مواطنيها، إذ اعتمدت المركزية قبل غيرها من الدول الأوروبية بكثير. وقد تأصلت هذه السياسة المركزية منذ سعي الملوك الفرنسيين خلال حرب الثلاثين عامًا وغيرهًا لمحاربة التنوع الذي شكّل عقبة أمام ممارسة قوتهم داخل مملكتهم. إلا أن فرنسا ظلت بنهاية المطاف بلدًا متعدد الثقافات، وهو ما قد يُنظر إليه اليوم على أنه مفارقة بالنظر إلى صورتها النمطية كدولة مركزية متجانسة؛ حيث تشكلت فرنسا من مقاطعات عديدة، لكل منها عاداتها وقواعدها الخاصة. وقد واصلت الثورة الفرنسية، والإمبراطوريتان الأولى والثانية، والجمهورية الثالثة، تعزيز فكرة الدولة الموحدة، وسعت الأيديولوجية التي روجتها الدولة إلى فرض الأسطورة السياسية التي تؤكد على العقد السياسي بين المواطن الفرد مع الدولة القومية، حرًا ومتساويًا في حقوقه، مستقلًا عن أي شكل آخر من أشكال الانتماء. [[1]]
في الكتاب المنشور باللغة الانجليزية تحت عنوان: “The Construction of Minority Identities in France and Britain” “بناء هويات الأقليات في فرنسا وبريطانيا” (بالغريف ماكميلان للنشر، لندن، 2007) (تحرير: جينو ريموند، وطارق مودود) يعقد مجموعة من الباحثين مقارنةً شيقة بين سياسات الأقليات العرقية في المملكة المتحدة وفرنسا. وتكمن أهمية هذه المقارنة في أن كلا البلدين، اللذين اتبعا مساراتٍ مختلفةً في تعاملهما مع الأقليات، قد عصفت بهما اضطراباتٌ عامةٌ عام 2005. وفي كلا البلدين، أجبرت أفعال الأقليات العرقية الحكومة على إحداث تغييرات وإعادة تفكيرٍ على مستوى السياسات، ويتناول الكتاب تلك التحولات والتطورات في بناء الهوية. وينقسم الكتاب إلى قسمين؛ يتناول الأول القضايا النظرية، بينما يتناول الثاني تجربة بناء الهوية بين الأقليات. ومع ذلك، يبدو أن معظم التركيز في الفصول المختلفة ينصبّ على التحولات والتطورات في السياسة الاجتماعية الفرنسية.[[2]]
وقد خلصت جميع المساهمات في هذا الكتاب، بطرق مختلفة، إلى أن الأقليات تلعب دوراً كبيراً الآن في تحديد الأولويات في جدول الأعمال في بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المجتمعات متعددة الثقافات وما بعد الصناعية؛ فبينما كان السؤال المطروح في أعقاب وصول المهاجرين إلى بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي من منطقة البحر الكاريبي، أو بعد وصول المهاجرين من شمال إفريقيا بعد الاستقلال لدعم المعجزة الاقتصادية الفرنسية في ستينيات القرن الماضي، هو مدى سرعة تكيف المهاجرين مع الملامح الثقافية لمجتمعهم المضيف؛ فإن السؤال المطروح في السنوات الأخيرة كان هو مدى إمكانية إعادة تشكيل هؤلاء المهاجرين لملامح المجتمع برمته للتكيف مع التغيرات الديناميكية التي أحدثها وجود هؤلاء الوافدين الجدد.
نشير ختامًا إلى أن محرر الكتاب جينو ريموند هو أستاذٌ للدراسات الفرنسية الحديثة في جامعة بريستول بالمملكة المتحدة، أما المحرر المشارك طارق مودود فهو أستاذ بريطاني – باكستاني في علم الاجتماع والسياسات العامة بجامعة بريستول أيضًا.
[[1]]https://link.springer.com/book/10.1057/9780230590960
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/21/1/168/722354



