في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان «A Ceasefire Won’t Stop the War on Palestine» (وقف إطلاق النار لن يوقف الحرب على فلسطين) يقول الكاتب طارق كيني الشوَّا أن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة سيخفف من حدة العمليات التي تشنها إسرائيل، ولكنه من المرجح أن يؤدي إلى مرحلة جديدة شاقة من التطهير العرقي، بدعم كامل من ترامب. [[1]]
يشير الشوا إلى أن مبعوث دونالد ترامب الجديد إلى الشرق الأوسط ستيفن ويتكوف، قد تمكن في اجتماع واحد من فعل ما عجزت عنه إدارة بايدن بأكملها في أكثر من 15 شهرًا، حيث وافقت إسرائيل في 15 يناير\ كانون الثاني على اتفاق وقف متعدد المراحل لإطلاق النار من شأنه أن يؤدي إلى إجراء تبادل للرهائن الإسرائيليين بالسجناء والأسرى الفلسطينيين مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل في نهاية المطاف من غزة.
إلا أنه من السابق لأوانه الآن معرفة ما إذا كان هذا الاتفاق سيصمد أم لا، فالتقليد الإسرائيلي الطويل في انتهاك قرارات وقف إطلاق النار، إلى جانب مطالب الوزراء الإسرائيليين بمواصلة الإبادة الجماعية، يمنحنا سببًا للتشكك. ولكن مع ذلك فإن أنباء الهدنة جلبت ارتياحًا لا يوصف لملايين الأشخاص في غزة الذين واجهوا حملة إبادة لأكثر من عام.
يقول الشوا أنه إذا صمد وقف إطلاق النار في غزة، فسيكون ذلك نتيجة ملموسة للديناميات التي وفرتها إدارة ترامب، وذلك بحسبه تذكير بمدى قدرة واشنطن على التأثير على إسرائيل إذا أرادت ذلك بالفعل. ويستطيع ترامب اليوم أن يتفاخر بأنه حل مشكلة لم يستطع بايدن حلها قط، وهو محق في ذلك ــ بل والأهم من ذلك لأنه سيسمح لإدارته بالمضي قدما في أولويات أخرى، مثل التوسط في اتفاق تطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودي؛ في حين كان بايدن سعيدا بالسماح للإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة بإعاقة مجموعة واسعة من المصالح الأميركية والإقليمية، يتما كان ترامب عازماً على إزالة أي عقبات تقف في طريق أجندته الأوسع.
ولكن حتى الآن، لا ينبغي لنا أن نعطي ترامب الكثير من الفضل. فامتناع نتنياهو حتى الآن عن إفشال اتفاق وقف إطلاق النار يُظهر أنه واثق من أنه يمكنه الحصول على شيء مهم في المقابل. والواقع أن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد أفادت بالفعل بأن “حقيبة الهدايا” التي قدمها ترامب لنتنياهو لوقف إطلاق النار ربما تشمل قائمة طويلة من المكافآت منها: رفع العقوبات عن برنامج التجسس الإسرائيلي بيغاسوس التابع لمجموعة (إن إس أو)، ومنح واشنطن مباركة سرقة الأراضي الكبرى في الضفة الغربية أو ضمها بالكامل، والسماح أو حتى تسهيل شن هجوم مباشر على إيران.
ويشير الكاتب إلى أن الحقائق على الأرض في غزة اليوم ترسم صورة لا نستطيع أن نستوعبها بالكامل بعد. فقد هدمت القوات الإسرائيلية أحياء بأكملها من أجل توسيع المنطقة العازلة التي تحيط بالقطاع، وتوسيع ممر نتساريم الذي يقسم المنطقة، وفي نهاية المطاف تقسيم الجيب من أجل مستقبل من السيطرة الدائمة. وبذلك، استولت إسرائيل على أكثر من 30% من أراضي غزة قبل الإبادة الجماعية، في حين جعلت الكثير من بقية أراضيها غير صالحة للسكن. وفي الوقت نفسه، أكملت إسرائيل إلى حد كبير خطة التطهير العرقي لكامل شمال غزة؛ فقد تحولت بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا إلى أنقاض، وهي المدن التي كانت ذات يوم موطناً لأكثر من 300 ألف شخص، وهذا جزء من حملة لإخلاء المنطقة من السكان وترسيخ السيطرة الإسرائيلية، وتمهيد للطريق من أجل بناء مستوطنات يهودية.
وفي أماكن أخرى، أغلقت إسرائيل جبهتها مع حزب الله، وسمح لها سقوط الأسد بالاستيلاء على المزيد من الأراضي في مرتفعات الجولان والمنحدرات الشرقية لجبل الشيخ. وفي الوقت نفسه، تزايدت وتيرة ووحشية الهجمات التي يشنها المستوطنون في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين، في حين تعمل السلطة الفلسطينية كشريك كامل في حملة القمع المكثفة التي يشنها الجيش الإسرائيلي على المقاومة في جنين ونابلس وطولكرم. ومن الواضح أن نتنياهو قد سمح لاتفاق وقف إطلاق النار بالمضي قدماً وهو يعلم أن المسرح مهيأ لإسرائيل لتحويل انتباهها إلى ضم الضفة الغربية، ومواجهة إيران.
يشير الشوا في ختام مقاله إلى أنه حتى لو لم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار بعد فترة الـ 42 يوماً الأولية، فإنه لا شك أنه سينقذ أرواحاً لا حصر لها وسيعطي الفلسطينيين فرصة للتنفس والحصول على الغذاء وتلقي العلاج الطبي. وأنه من المفترض أن يجعل النهج التدريجي للاتفاق التراجع عنه صعباً بالنسبة لإسرائيل، لكن هذا يعتمد على طبيعة تنفيذه، وعلى المجتمع الدولي الذي تخلى عن الفلسطينيين لأكثر من عام.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/ceasefire-israel-gaza-analysis/



