في مقاله المنشور حديثا في مجلة نيوستيتسمان (New Statesman) البريطانية تحت عنوان «Jimmy Carter and the rise of American narcissism» [[1]] (جيمي كارتر وصعود النرجسية الأميركية) يقول الكاتب الصحفي الأمريكي لي سيغل إنه بينما يقف رجل الأعمال إيلون ماسك وراء رئاسة ترامب القادمة، كانت شخصية مختلفة تمامًا تقف وراء الرئيس الأمريكي الراحل جيمي كارتر، الذي أشتهر عنه تدينه البروتستانتي الإنجيلي واقتباساته الصريحة من الكتاب المقدس، ويشير الكاتب هنا بالتحديد إلى بيتر بورن، الطبيب من أصل بريطاني وعالم الأنثروبولوجيا المتدين الذي فاز بالعديد من الجوائز للشجاعة خلال عام قضاه في فيتنام، ثم خدم كقائد في الجيش يعمل في معهد والتر ريد للأبحاث التابع للجيش.
درس بورن أثناء خدمته آثار الصدمات والإجهاد على قدامى المحاربين، وكتب في النهاية كتابًا حظي بتقدير كبير حول هذا الموضوع. وفي وقت لاحق، بينما كان أستاذًا في كلية الطب بجامعة إيموري، أسس برنامجًا لمساعدة السجناء مدمني الكحول ثم قاد أول مركز للصحة العقلية المجتمعية في جورجيا. وقد اختار كارتر، الذي كان حاكم جورجيا في ذلك الوقت، بورن لرئاسة برنامج علاج المخدرات في الولاية. ثم عين بورن مديرًا لحملته الانتخابية خلال حملته الرئاسية في عام 1976. وبعد أن أصبح كارتر رئيسًا، احتفظ ببورن قريبًا منه، ووضعه مسؤولاً عن البرامج المتعلقة بالصحة العقلية والمخدرات والتأمين الصحي الوطني والجوع وسوء التغذية.
وبعد تعرض البلاد لثورة أخلاقية (الثورة الجنسية في الستينيات)، ومع التخفف من القيود الفردية، سواء للأفضل والأسوأ، في كل مجال تقريبًا من مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية؛ أصبحت النرجسية في تلك الآونة هي صرخة الحرب الأمريكيةــ حينئذ تحرك كارتر في الاتجاه المعاكس (نحو الدين)، تحت تأثير ذلك الرجل المسيحي الذي تأثر بخبرته في علاج الناس من أعمق الندوب العقلية والعاطفية (بيتر بورن).
يشير سيغل إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يشكك في صدق تحول كارتر “المولود من جديد” (تعبير ديني) إلى المسيحية الإنجيلية بعد خسارته أمام ليستر مادوكس المؤيد للفصل العنصري في أول ترشح له لمنصب حاكم جورجيا، في عام 1966؛ ولكن مع نظرته الجديدة تلك انغمس كارتر في عقلية الجنوب الأمريكي، الذي كان يحاول أن يولد من جديد منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1865، والذي ضحى بالعديد من أبنائه في فيتنام بعد قرن من الزمان؛ وبذلك أعطى كارتر للديمقراطيين ما كانوا يسعون إليه في عام 1976، ألا وهو الفوز بالجنوب، الذي اكتسحه روزفلت في أربع انتخابات متتالية، وبالتالي استطاع الديمقراطيون الحفاظ على مشروع (الصفقة الجديدة). وهو إنجاز لم يكرروه منذ كارتر. بل عوضًا عن ذلك، شاهدوا الجنوب وهو ينزلق ببطء من بين أيديهم.
في السياق الأوسع، كان أسلوب كارتر التأملي، وروحانيته الصادقة، بمثابة بلسم لجميع الأميركيين، بحسب تعبير سيغل، ليس فقط في أعقاب حرب فيتنام وفضيحة وترجيت، ولكن أيضًا خلال تشنجات التحول الثقافي المضطرب الذي يتبع دائمًا الدمار والصدمة الناجمة عن الحرب.
لكن بصفته رئيسًا، وجد كارتر صعوبة في وضع مبادئه الروحية موضع التنفيذ السياسي العملي. وعلى نحو مماثل لباراك أوباما من بعده، كان كارتر يميل إلى الانسحاب عندما يواجه الاضطرار إلى ممارسة السياسة بدلاً من تطبيق مبادئه. ومن الأمثلة الأكثر تحديداً على ذلك اتفاقيات كامب ديفيد؛ فربما بسبب علاقة كارتر الإنجيلية المكثفة بالأرض المقدسة، أهمل الأخير، بشكل لا يصدق، وجود أي ممثل للشعب الفلسطيني. ويبدو أنه كان على يقين من أنه إذا جعل مصير الفلسطينيين محورًا لخطة السلام، فمن المؤكد أن تلك الخطة كانت لتنهار عاجلاً أم آجلاً. ولكن أيا كانت دوافع كارتر لترك القضية الفلسطينية للأجيال اللاحقة، فإن سيغل يتساءل عما كان ليحدث لو كان قد ترك فرصة لتمثيل مصالح فلسطين، أمام السادات وبيجن.
في ختام مقاله يقول سيغل إن شعار حملة رونالد ريجان في عام 1980، كان “دعونا نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (الشعار نفسه الذي يستخدمه ترامب)، وقام وقتها بخفض معدل الضريبة الأعلى من 70% إلى 28%، وبالتالي ارتفعت أسعار الإسكان والرعاية الصحية والتعليم العالي إلى مستويات فلكية. وخلال هذه العملية، انتهت علاقة الليبرالية الأمريكية بالطبقة العاملة. وعندها هزمت “نرجسية” عهد ريغان “نرجسية” عهد كارتر (مفهوم “الأنا” والفردانية الأمريكية تغير من سعي نحو مزيد من الحرية إلى مجرد نضال من أجل البقاء) وما تبقى معها من الليبرالية الأميركية إلى الأبد. ومع دفن كارتر في التاسع من يناير/ كانون الثاني المقبل، لا تحتاج أميركا اليوم أن تسأل لمن تقرع الأجراس.
[[1]]https://www.newstatesman.com/world/americas/north-america/us/2024/12/jimmy-carter-and-the-rise-of-american-narcissism



