في دراسته المنشورة على موقع «معهد يقين» تحت عنوان “Slavery and Emancipation in the Sharia: The Islamic Framework for Ethical Treatment of Slaves in the Minhāj fī shuʿab al-īmān of al-Ḥalīmī” (العبودية والعتق في الشريعة الإسلامية: الإطار الإسلامي للمعاملة الأخلاقية للرقيق في كتاب “المنهاج في شعب الإيمان” للحليمي) يبحث الأكاديمي والباحث المسلم الدكتور جوناثان براون في قضية الرق في الإسلام كما تناولها القاضي والفقيه والمحدِّث أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي الشافعي (338 هـ – 403 هـ) في كتابه “المنهاج في شعب الإيمان”. [[1]]
والحليمي هو عالم وشيخ ومحدِّث ينتمي إلى بلاد خراسان وما وراء النهرـ وقد ولد في جرجان، على الساحل الجنوبي الشرقي لبحر قزوين، ودرس مع علماء الشافعية والأشعرية في بخارى. وأمضى معظم حياته المهنية في التلال والمدن التي تمر بها القوافل التجارية في خراسان، وأصبح علمًا بارزًا للمدرسة الشافعية في الفقه وعلم الحديث وعلم الكلام الأشعري. وكتابه “المنهاج في شعب الإيمان” هو عبارة عن شرح لمكونات الإيمان استنادًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان ينقسم إلى نحو سبعين شعبة.
يشير براون في مقدمة الدراسة إلى أن موضوع العبودية ليس بالموضوع السهل، لأن التفكير في العبودية ينطوي على معضلات خطيرة تتعلق بالأخلاق والهوية والمعتقدات؛ حيث يُنظَر اليوم إلى العبودية باعتبارها شراً متأصلاً. ولكن العبودية كانت أيضاً مؤسسة موجودة، بشكل أو بآخر، في كل الحضارات حتى وقت قريب. وقد اعتبرتها كل التقاليد الدينية والفلسفية الكبرى ظاهرة غير مثيرة للجدل، بل وطبيعية حتى أوائل القرن الثامن عشر.
ولذلك فإننا نواجه هنا معضلة خطيرة: فإذا كانت العبودية جريمة جوهرية ضد الإنسانية، فلماذا سكت عنها الفلاسفة والأنبياء على مر العصور القديمة. وقد يعترض البعض بأن هؤلاء الأنبياء والفلاسفة ربما كانوا عاجزين عن التحدث ضد العبودية بسبب انتشارها في المجتمع. وأن ذلك كان سيسبب الكثير من الاضطراب. ولكن من جهة أخرى أليس دعوات الأنبياء عادة ما تكون مثيرة للاضطراب؟
إحدى الطرق للخروج من هذا المأزق بحسب براون هي القول إنه كانت هناك عدة أنواع مختلفة من العبودية والرق. فعلى سبيل المثال، كان الرق الانكشاري المسلم في اسطنبول صقللي محمد باشا (المتوفي عام 1579) صدرًا أعظم للإمبراطورية العثمانية في عهد ثلاثة سلاطين، وكان أحد أغنى الرجال في الدولة ومتزوجًا من ابنة السلطان. على النقيض من ذلك، في القرن الثامن عشر في جامايكا، كان العبيد في مزارع السكر البريطانية يعملون تحت ظروف وحشية لدرجة أنهم كانوا لا يبقون على قيد الحياة سوى سبع سنوات تقريبًا بعد وصولهم هناك.
ولذلك كان الأرقاء حول العالم يعيشون في الواقع في ظل أنظمة مختلفة تماماً من الحقوق والقوانين. فبينما كانت القوانين البريطانية التي تحكم معاملة العبيد في جامايكا لا توفر سوى القليل من الحماية للعبيد. كان القانون المستمد من الفقه الحنفي في الإمبراطورية العثمانية ينص على أن سوء معاملة العبيد، مثل أي عقوبة بدنية من شأنها أن تترك ندوباً، يمكن أن تكون سبباً للإعتاق القسري. وعلاوة على ذلك، كان العبيد في الإمبراطورية العثمانية يلجؤون باستمرار إلى المحكمة للحصول لطلب الغوث من المعاملة التي تسيئهم.
وقد كانت العبودية في المستعمرات الأوروبية في الأمريكيتين وتجارة الأرقاء التي زودتها بالرق ظاهرة وحشية وغير إنسانية بشكل صادم. وكانت المبررات العنصرية لاستعباد الأفارقة مسيئة ووقحة. ولذلك ليس من المستغرب أن تكون أقدم الكتابات المناهضة للعبودية التي صدرت في الأمريكيتين (بل كانت الأولى تقريبًا في العالم) قد جاءت من أشخاص لديهم خبرة مباشرة بتجارة الأرقاء عبر الأطلسي.
ففي حوالي عام 1700، أدرك بعض الناس في بريطانيا ومستعمراتها الشمالية في أمريكا أن العبودية كانت خطأ أخلاقياً. وأقنعوا الآخرين بآرائهم، وبالتدريج أصبح هذا الموقف مهيمناً أولاً في بريطانيا ثم في شمال الولايات المتحدة. ومن هناك انتشر في جميع أنحاء أوروبا وأخيراً في جميع أنحاء العالم.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن الدعوات لإنهاء الرق ظهرت أولاً في الأماكن التي بدأت فيها المجتمعات في التصنيع وحققت ثروات غير مسبوقة دون الاعتماد على عمالة العبيد، وجرى ذلك تحديدًا في بريطانيا وما بات الآن شمال الولايات المتحدة. حيث سمحت انتشار التكنولوجيا الصناعية للبشر بنقل البضائع والحرث والإنتاج دون الاعتماد على عمل الحيوانات والبشر الآخرين، وهو ما يعني أن العبودية باتت عتيقة اقتصاديًا. ومع حدوث ذلك، طور الناس حساسيات أكثر دقة لما كان يُعد معاملة قاسية أو استغلالية بشكل مفرط.
ولكن على النقيض من الأمريكيتين الاستعماريتين، كان الرق في الحضارة الإسلامية، فضلاً عن عدد من الثقافات والأماكن الأخرى، معتدلًا نسبياً. فمن الشرق الأدنى القديم إلى أوروبا في العصور الوسطى، أصبح عدد مفاجئ من الناس عبيداً طواعية لتجنب المجاعة وتلقي الدعم والحماية. وقد صار العديد من الأقنان في روسيا رقيقًا طواعية لأنه في حين كان على الأقنان دفع الضرائب، لم يكن علي الأرقاء الدفع. وفي الهند في العصور الوسطى من جهة أخرى، كان المنتمون إلى طبقة المنبوذين الذين يقومون بإزالة القمامة والنفايات أكثر تهميشًا على الصعيد الاجتماعي من العبيد رغم أنهم أحرار.
ولذلك فإنه وفقاً لتعريفات العبودية في العصر الحديث، فقد عاش أغلب الناس في تاريخ البشرية تحت مستويات غير مقبولة من انعدام الحرية والإكراه.
بعد ذلك، يستعرض براون في الأجزاء التالية من الدراسة “الباب الثلاثون من كتاب المنهاج شعب الإيمان” وهو باب العتق وعناصره التي تقرب إلى الله عز وجل. والباب الثامن والخمسون من شعب الإيمان، وهو باب فضل الإحسان إلى الأرقاء. ويستعرض براون في هذا السياق المصادر العديدة التي اعتمد عليها المؤلف بن الحسن الحليمي من القرآن الكريم والسنة النبوية.
نشير ختامًا إلى أن الدكتور جوناثان براون هو أستاذ ورئيس قسم الحضارة الإسلامية في جامعة جورج تاون. وهو كذلك رئيس تحرير موسوعة أكسفورد للإسلام والقانون.
[[1]]https://yaqeeninstitute.org/read/paper/slavery-and-emancipation-in-the-sharia-the-islamic-framework-for-ethical-treatment-of-slaves-in-the-minhaj-fi-shuab-al-iman-of-al-halimi?download=1



