-1-
وقد تظن أرجى العمل ما يراه الناس كبيرا، وقد يكون عند الله سُقيا حيوان أو غرس شجرة.. فعلها المرء لله فوزَنَت كل ما يُمدح عليه الناس.
إنه الصدق.. والإخلاص.
فإن حالت الأقدار بين المرء وأن يكون على الثغور أو وسط الملاحم، أو أن يترك وراءه الأعمال الخالدة والأفعال المجيدة، فليكن على الأقل رحيما.. حَسَن الخُلق، فإن من أكبر الخيبات أن يجمع المرء بين العجز.. والانحطاط.
-2-
يقولون ليس من رأى كَمن سمع، لكننا أهل: “رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (آل عِمران 193).
أنت ترى الآن وهنا، وبعض ما تراه سراب.. وبعضه زخرف.. أو صناعة ذكاء اصطناعي يغير حركة الشفاه ويستخدم الصوت ليضع على اللسان ما لم ينطق- زورا وبهتانا.
لا تصدق كل ما تراه.
أنت شاهد اللحظة وليس تسلسُل الأحداث، أنت أسير الحاضر.. ولا ترى العلة ولا المآل- حُكمك منقوص.. وعقلك محدود، وبين ما رأيت وما فهمت مساحة واسعة تحتمل التأويل.. والظن.. والخطأ.
نعم الحواس مهمة، وعلى العقل تكليف بالنظر والفهم.. والسعي، لكن عليك أن تعلم الحدود.. وتدرك السقف، فلا تحسب نفسك إلها ولا ربا، وتؤمن بما أُنزل: فتسمع وتسعى وتطيع وتلزم.
الخروج عن ذلك ليس حرية.. إنه أشبه بالسباحة في محيط بغير قارب ولا زاد، يغريك الجموح بدافع المغامرة فتركب موجة العناد.. وتركن لنفسك، لكن العاقبة هلاك.
سبع سموات ومجرات وعوالم، فوق الأرض وتحت الأرض وتحت الماء وفي الفضاءات، فيها دلائل القدرة وآيات القيوم.
“وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (الأنعام 59)
لكنك تزعم لعقلك مساحات لا يجيدها، وتعطله عما أقامه الله فيه لعمارة الأرض – ثم تستكبر.
ما غرك…!؟
الله.. أعلم.
-3-
ترسم صورة في مخيلتك عن أشخاص ترقبهم من بعيد، تضع تصورك موضع اليقين وتضعهم موضع التقييم، تحسب أنك قد دققت النظر وضبطت الميزان، فتحكُم،
ولا تكتفي بذلك بل تخرج بهذا الحكم إلى العلن، شاهرا سيف اللمز والنقد، كل هذا وأنت مطمئن البال مرتاح الضمير للمقدمات.. والاستنتاجات.
ثم يجمع الله الناس ليوم لا ريب فيه، فتعلم أن علمك وهم وحكمك باطل وفعلك هباء.
فعلامَ كل هذا..؟
“وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِين”، الأنبياء 47.



