صدرت حديثًا عن “دار المدى” في بغداد النسخة العربية من كتاب الباحثة الإيطالية كارلا ماليت “Lives of the Great Languages Arabic and Latin in the Medieval Mediterranean” تحت عنوان «حياة اللغات العظيمة: العربية واللاتينية في البحر المتوسط خلال العصور الوسطى» (ترجمة: رشا صادق). ويتناول الكتاب كيفية انتشار اللغتين اللاتينية والعربية عبر البحر الأبيض المتوسط وخلقهما فضاء عالميا من الثقافة والأدب والمعرفة. [[1]]
تدرس الباحثة كارلا ماليت في هذا الكتاب طبيعة وسلوكيات لغتي التعلم الكونيتان في حقبة العصور الوسطى: العربية الكلاسيكية واللاتينية القروسطية، وذلك من خلال سرد حكايات وقصص العلاقات بين المؤلفين والمترجمين والمعلقين والنساخ حول ضفتي المتوسط؛ وتروي ماليت في هذا السياق قصة معقدة مليئة بالتشابك حول عملية نقل المعرفة في الفترة التي سبقت ظهور نظام اللغة بعد بزوغ الملامح الأولى للقومية ونشأة (الدولة / الأمة) وتشكل الأطر الوطنية أحادية اللغة في أوروبا في أواخر العصور الوسطى وأوائل الحداثة.
توضح ماليت كيف أن لغة العلم والمعرفة والثقافة التي تعلمتها النخبة كانت مرتبطة بشكل ضعيف بلغات الحياة اليومية، حيث كان إتقان هذه اللغات يستغرق سنوات من الدراسة، التي كانت تمثل بدورها فترة من الانتقال للأفراد المتعلمين من مرحلة الطفولة الفكرية إلى النضج. كما تجري ماليت في هذا الكتاب مناقشة غنية ومعقدة وطموحة تهدف إلى إعادة سرد قصة حياة هاتين “اللغتين العملاقتين” العالميتين، وإلى إعادة تقديم تصور جديد لمفهوم اللغة الكونية، التي كانت هدفًا للتعلم من قبل الرجال والنساء، في تلك الحقبة التاريخية، من مختلف الطبقات، الذين سعوا إلى اكتساب السيطرة على هذه الأنظمة اللغوية المعقدة خارج “لغتهم الأم”، ومن خلال القيام بذلك استطاعوا أن ينتجوا الشعر والترجمات والقواميس وكتب النحو. ولكن كيف يمكن للمرء أن يروي هذه القصة عندما تكون هذه اللغات “كبيرة مثل العالم نفسه”، و”تتحدى الزمن” بحسب تعبير ماليت التي بدلاً من اتخاذها عدسة لغوية واحدة، ركزت على اللغتين العربية واللاتينية باعتبارهما “موضوع التحليل” في هذه الدراسة. وقد اقتضت الإجابة على السؤال أعلاه منها الأخذ بمجموعة من الأساليب والمنهجيات المترابطة، واستعانت في هذا السياق بأدوات مؤرخي الأدب، مثل: فقه اللغة، وتحليل النص، والسيرة التاريخية، والسياق، والأنماط الزمنية والاستعارات؛ لاستكشاف الروابط والمقارنات بين العربية الكلاسيكية واللاتينية في العصور الوسطى. [[2]]
وقد التقت اللغتان العربية واللاتينية بالفعل خلال حركة الترجمة بينهما في لحظات تاريخية مختلفة، وكذلك من خلال حركة التجارة في الموانئ المختلفة عبر البحر الأبيض المتوسط، وتجمع المؤلفة بين اللغتين في الكتاب من الناحية التحليلية في إطار مقارن غير خطي من الناحية الزمنية، حيث تقوم بعقد مقارنات في مراحل مختلفة من حياتهما: العربية أثناء نموها وتطورها منذ بداياتها داخل الشرق العباسي وخارجه (القرنين الثامن والتاسع)، واللاتينية عندما دخلت المرحلة الأخيرة من حياتها كـلغة أدبية في عصر النهضة بإيطاليا (القرنين الرابع عشر والخامس عشر).
في الخاتمة، تتأمل ماليت في حاضر اللغات العالمية في القرن الحادي والعشرين، والتحديات التي تفرضها مخاطر أحادية اللغة. ويقدم هذا الكتاب نظرة ثاقبة لأي شخص مهتم بإعادة التفكير في التقاليد اللغوية والأدبية، ونقل الأفكار، والتعبير الثقافي في عالم متعدد اللغات. ويقدم كذلك إسهامًا متميزًا في نظرية اللغة والأدب المقارن بشكل يوضح عمق ونطاق خبرة ماليت في تعاملها مع الثقافات والسياقات الأدبية اللاتينية والإيطالية والعربية.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة كارلا ماليت هي أستاذة دراسات البحر الأبيض المتوسط في قسم دراسات الشرق الأوسط، وأستاذة اللغة الإيطالية في قسم اللغات والآداب الرومانسية في جامعة ميشيغان، وهي مؤلفة كتاب الحداثة الأوروبية والبحر الأبيض المتوسط العربي و”مملكة صقلية: تاريخ أدبي (1100 – 1250)”.
[[1]]https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/L/bo95485079.html



