الزُهرة أحناش، أو زَهرة الجبل، هكذا سماها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، امرأة حسناء في الأربعينيات من عمرها، تبدو على ملامحها وسلوكها عفة، وتلمس في ثنايا حديثها حدة، هي من مواليد سنة 1988 بدوار علوي، باب برّد، جماعة أونان التابعة لإقليم شفشاون شمال المغرب، وقد نشأت وسط أسرة تتكون من أب وأم وثمان إخوة وتحتل الرتبة السابعة بينهم.
قرية زهرة الجبل التي احتضنت طفولتها وشبابها ظلت طويلا وإلى وقت متأخر لا ماء فيها ولا كهرباء ولا ضوضاء، هادئة إلا من أصوات تجود بها الطبيعة فتكسر صمتا مهيبا وسكونا خاشعا. هناك كانت الزهرة الطفلة لا تعرف من الحياة إلا دراستها وما عليها تقديمه من خدمات كرعي الغنم وجمع الكلأ واللعب مع قريناتها.
في المدرسة كانت حصة التربية التشكيلية واللغة العربية أحب المواد إلى قلبها، تستمتع بهما، وتحصل على مراتب متقدمة، وقد كان قدوتها في مسارها أخوها الأكبر الذي أكمل دراسته، والذي كان يهوى الرسم على الحجر نحتا عليه بالمسمار كلما عاد إلى القرية، ودائما كانت تراه محظوظا لأنه أكمل دراسته. على مقاعد الدرس ظل حلمها في أن تنهي دراستها وتخوض بدورها غمار الثقافة والمعرفة يكبر ويكبر، وإن كانت تعلم أن حظها وبنات جنسها من التعلم والتمدرس محدود وضعيف، لكن هذا الحلم انهار وتكسر على صخرة واقع لا يرى للمرأة مكانا لها غير بيتها، أو لنكن منصفين أكثر ولنقل أن بعد المدارس بعد السادس ابتدائي والخوف عليها وعلى غيرها من بنات قريتها، حد من طموحها وأحدث في داخلها صدمة ورجة كبيرة.
مما تستذكره زهرة الجبل وتذكره أنها سافرت في سن الاثني عشر إلى مدينة تطوان، وهذه كانت زيارتها الأولى إلى الحاضرة، فكان مما أثار انتباهها وشد نظرها، الأضواء والألوان، الألوان بتفاصيلها في البناء واللباس وكل ما تلتقطه العين مما يعرض ويباع، فهذه كانت أول مرة تخرج من ألوان الطبيعة الطبيعية إلى الألوان المصنعة، فانبهرت بها أيما انبهار. ومما قامت به في زيارتها هاته أنها اقتنت أوراق الرسم والصباغة، وكان أول ما قامت به أنها رسمت وردة وأعطتها صاحب المكتبة الذي أعجب بها وتنبأ لها بمستقبل زاهر في مجال الرسم.
عادت الزهرة إلى باديتها وسعادة تغمرها، لتنكب بين الفينة والأخرى على الرسم، مع كبت لرغبتها حتى تطول معها الأدوات التي اقتنتها من تطوان، إذ لا سبيل إلى اقتناء غيرها، ولهذا وبعد أربعة أشهر أو خمسة نفذت عدتها وذخيرتها لتجد نفسها في حاجة إلى من يعزيها في موهبتها، لا سبيل إلى الرسم بعد اليوم إذن، لا رسم ولا كتاب، لا ألوان ولا حروف، لقد حل بها اكتئاب ورغبة عارمة في اعتزال الناس والصمت والتأمل. لقد صارت الحياة رتيبة مملة ثقيلة تمر أوقاتها بين أعباء البادية ومشاغلها… ويخفف منها جوار صديقات مقربات وذهن يسبح بعيدا في أرجاء الكون تائها وربما باحثا.
لقد كانت زهرة الجبل ترفض الخطّاب لأنها ترى في الزواج مسؤولية كبيرة، لقد كانت ضد زواج القاصرات. ربما كانت تبحث عن شيء ضاع منها ولم تجده، وعلى الأرجح موهبتها التي تأبى على التخفي والاندثار. ولكن الزواج ضرورة ولا مفر منه، وقدر المرأة وسنة الله بين خلقه. لقد تزوجت الزهرة أحناش أحد أقاربها لتنجب منه أربعة أبناء هم سلوتها ومؤنسوها إلى جانب موهبتها.
كان من الأقدار المؤلمة التي حملت في طياتها منحة ربانية قلبت حياتها رأسا على عقب، أن زهرة الجبل فقدت بصرها وهي في عمر الثلاثين سنة لمدة شهر، وخلال مرضها فكرت في موهبتها وفي عسر ممارستها لانعدام عدتها من أوراق وريشة وصباغة، وخطر ببالها الأثر الذي يتركه الزيتون على الأصابع عند ملامسته، ففكرت في تجريبه حالما يعود إليها بصرها، واستقرت هذه الخاطرة في ذهنها وعزمت على تجريبها، وقد كان الفتح والانفتاح على أفق رحب للحياة والاستمتاع، وكذا التنفيس عن مكنونات ما يختلج في صدرها وفكرها.
لقد شاء الله أن تستعيد الزهرة بصرها، وأن تبدأ حياة جديدة جرت بين أصابعها، حياة عنوانها رسم بديع، أداته ريشة طير وثمار شجرة مباركة، ماء زيتون محمر في الفرن أو منقوع أو ماء زيتون بري، لتنويع درجات الألوان بين غامق وفاتح، ومادته مستوحاة من البادية وتفاصيل عيشها، ورسالته الانتصار للمرأة القروية والتعريف بواقعها الذي يتنكر لتضحياتها وعطائها، ويقصر في تمكينها من التعلم والعيش بكرامة.
بدأت أنامل زهرة الجبل تعزف إيقاعاتها الفنية على لوحاتها، وترسم لها مسارا فريدا متميزا. ومن فطنتها وذكائها أنها قررت الانفتاح على مواقع التواصل الاجتماعي باسم مستعار “جْنان” لعرض لوحاتها التي ستلقى إقبالا كبيرا وتشجيعا على الاستمرار، والفوز بشواهد تقديرية باسم “جْنَانْ” لتقرر حينها الظهور بوجه مكشوف، وباسمها الحقيقي تمثيلا للمرأة القروية ودفاعا عن حقوقها من خلال تجسيد معاناتها على لوحاتها.
طيلة ست سنوات استطاعت زهرة الجبل أن تراكم رصيدا من اللوحات بلغ عددها المائة وشواهد تقديرية، وكان أول ما رسمته امرأة عجوزا بلباس جبلي وهي حزينة تتذكر ما مر في حياتها. إنها تحب في لوحاتها أن ترسم الحياة اليومية للمرأة القروية والتهميش الذي تتعرض له وعدم التقدير لجهودها وحرمانها من الدراسة، وترى أن كل نجاح ستحققه هو باسمها وباسم المرأة القروية.
تلقت الزهرة أحناش عروضا من جمعيات أجنبية في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا والأردن، وشاركت بمعرض في بريطانيا من خلال إرسال لوحاتها، ذلك أن أمر تحركها وسفرها يبقى مستبعدا لبعد الشقة، ولأولوية الأسرة التي لا زال أبناؤها يحتاجون إلى الرعاية الكاملة.
في حديث جمعني بزهرة الجبل على هامش المعرض الجهوي للكتاب بشفشاون، سألتها عن تأثير مسارها على أبنائها، ووالديها وأسرتها وقريتها، ومما قالته أن التأثير كان إيجابيا على أبنائها، ويظهر ذلك في تحسن مستواهم الدراسي، وفي تقليدهم لوالدتهم وهم يرونها ترسم ليلا أو فجرا باجتهاد ومثابرة، يظهر في انفتاحهم على الرسم وأدواته، ولا تخلو لوحة من لوحاتها من بصمتهم، فهم يشاركونها ويساهمون معها في تفاصيل اللوحات، وكل هذا جعل علاقتها بهم علاقة قريبة جدا.
تشكر الزهرة والديها وزوجها وتمتن لهم لدعمهم وتشجيعهم ودعواتهم وافتخارهم بها وبما وصلت إليه، أما رجال القرية فصاروا يلتفتون لزوجاتهم ويحرصون على تشجيعهن وهذا لم يكن ليحصل من قبل. ومما سألته زهرة الجبل، حال النساء معها، وهن ترينها تتألق وتحظى باهتمام الناس والإعلام، هل ظهر عليهن ما يظهر على النساء من غيرة ووشوشة ووشاية، فأخبرتني أنهن على العكس مما ذكرت، يعاملنها بامتنان أن أوصلت صوتهن ومعاناتهن، وبثت فيهن روح الاعتزاز بالذات ودفعتهن للانتباه لمواهبهن والعمل على إبرازها وتطويرها وهي كثيرة ومتنوعة. فهن يدركن جيدا أن من أحلامها تحسين ظروف المرأة القروية وتمكينها من حقوقها وعلى رأسها الصحة والتعليم، ولهذا فهي تشتغل حاليا على إنشاء تعاونية نسائية تكون حضنا دافئا للمرأة القروية من أجل الانفتاح على ذاتها وعلى العالم من حولها، وفضاء رحبا لتكثيف الجهود وتنسيق الاهتمامات ورعاية الأحلام والتطلعات.
لا زالت تتحسر زهرة الجبل على الهدر المدرسي الذي تعرضت له، وتكبر حسرتها في كل مرة يلجأ أطفالها إليها لمساعدتهم، ولا زالت تحلم بأن تعود إلى حجرة الدراسة وتستأنف المشوار من جديد، فقد كان حلمها أن تكتب، وهذا ما كان تفعله على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن كثرة التعاليق حول أخطائها الإملائية أحبطها وأوقف مداد قلمها عن السيلان.
ختمت حديثي معها بما تعني لها الكلمات التالية: الحياة – الأبناء – الوالدان – الشهرة – القرية – المدينة – اللون المفضل – الموهبة – الشهرة، فكانت إجاباتها كالتالي:
الحياة: تبدو تافهة عندما أخوض تجربة الرسم.
الأبناء: المستقبل، الأمل، كل شيء.
الوالدان: كنز.
القرية: مكان الإبداع ومركز الاتصال بمصدره… القرية ملهمتي.
المدينة: مكان لفرض وجود المرأة، مكان أحلم بالهجرة إليه من أجل أبنائي ومصالحهم ودراستهم حتى لا يتكرر الإخفاق والهدر الذي أصابني.
اللون المفضل: الأزرق.
الموهبة: وسيلة للصبر والتغلب على المشاعر المنفعلة وعلى الغضب.
الشهرة: تعجبني شرط أن ينصب الاهتمام على أعمالي لا على شخصي.
الكلمة الأخيرة للزهرة أحناش هي وصية لكل امرأة بأن تثق بنفسها وتهتم بمواهبها، وتعتمد على نفسها ولا تستجدي دعما ولا معروفا من أحد، بل تتوكل على الله وتمضي لتحقيق أحلامها واختبار إمكاناتها. وهي ترجو تسويقا للوحاتها يمكنها من تحقيق أحلامها لا سيما المتعلقة بأسرتها الصغيرة.



