رشيدة طليب، ونينا تورنر[[1]]
من ديترويت إلى كليفلاند إلى غزة، وفي كل مكان فيما بين تلك المدن، يتعين علينا أن نناضل من أجل عالم مبني على الحقوق المتساوية، وعلى التحرر من الاضطهاد، وعلى توفير الكرامة الإنسانية لجميع البشر. وعلى حد تعبير الناشطة في مجال الحقوق المدنية فاني لو هامر: “لا أحد حر حتى يتحرر الجميع”. إن التحرر الجماعي للمضطهدين في كل مكان أمر يرتبط بعضه البعض، وعلينا أن نتكاتف للنضال من أجل العدالة في الداخل وفي جميع أنحاء العالم.
بهذه الروح، كان من الملهم للغاية رؤية المنظمات التي تركز على تحرير السود، من “NAACP” )الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين( إلى مجلس أساقفة الكنيسة الأسقفية الميثودية الأفريقية، إلى مركز كينغ، تتبنى قضية حقوق الإنسان الفلسطيني. وقد دعت كل هذه المجموعات إلى وقف إطلاق النار في غزة، بل ذهبت (NAACP)مؤخرا ً- وهي منظمة الحقوق المدنية الرائدة في البلاد- خطوة أبعد، حيث حثت إدارة بايدن على وقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل. هذا الإعلان الشجاع الصادر عن (NAACP) هو أحدث مثال على النضال المشترك من أجل تحرير السود والفلسطينيين.
عندما نجتمع معًا في تضامن لبناء حركة متعددة الأعراق والأديان والأجيال، فإننا ندرك قدرتنا على ثني القوس الأخلاقي للكون (تعبير مقتبس من مقولة مارتن لوثر كينغ التي يشير فيها إلى أن “قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة”).وكما فعل قادة الحقوق المدنية الذين سبقونا، فإننا جميعًا نتحمل مسؤولية أخلاقية للتحدث علنًا ضد الظلم في كل مكان وتفكيك العنصرية المنهجية، والتفوق الأبيض، وجميع أنظمة القمع.
علينا أيضًا أن نتحد لأن قضايا نضالنا مترابطة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، وفقا لتقديرات مكتب الإحصاء الأمريكي، يبلغ معدل الفقر 33.8% في ديترويت، و31.8% في كليفلاند، وهما من أعلى المعدلات بين أكبر المدن الأمريكية. وفي بلد يهدر تريليونات الدولارات على الحرب بينما يواصل وقف تمويل شبكة الأمان الاجتماعي لدينا، فإننا نعلم أن الفقر خيار سياسي. كثيرا ما تتساءل مجتمعاتنا لماذا لا يتعامل المسؤولون المنتخبون مع هذه الأزمة بالإلحاح الذي تستحقه. عندما ننظر إلى لامبالاة ساستنا بالمعاناة هنا في أمريكا، يمكننا أن نفهم لامبالاتهم بالفظائع التي نشهدها تتكشف كل يوم في غزة.
إذا تمكن قادتنا المنتخبون من رؤية ما يحدث في المجتمعات التي يزعمون أنهم يمثلونها، حيث ينام الناس في الشوارع ويشرب الأطفال المياه الملوثة؛ فإذا تمكنوا من رؤية الأطفال في أمريكا يذهبون إلى الفراش جائعين، دون أن يتحركوا، فليس من المستغرب أن يتمكنوا أيضًا من تجاهل الأطفال الجائعين في غزة. وإذا وقف قادتنا المنتخبون مكتوفي الأيدي وسمحوا للشرطة الأمريكية بمعاملة الأشخاص السود والملونين بوحشية في مجتمعاتنا، فمن المنطقي أن يتغاضوا أيضًا عن القوات الإسرائيلية التي تدرب الكثير منهم.
فكيف يمكننا تغيير هذا؟
***
على الرغم من أن حكومتنا بنيت لدعم التفوق الأبيض والحفاظ على الوضع الراهن، إلا أنها كانت مؤسسة تستجيب دائمًا للضغوط الخارجية. خلال ذروة حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان ثمة وضوح بين الناشطين حول الحاجة إلى تحقيق تحرير السود وفرض سياسة عامة لحماية حياتهم. لم يستيقظ الأقوياء في واشنطن ذات يوم ويقرروا إنهاء قانون جيم كرو (الذي كان يقضي بالفصل العنصري بين السود والبيض في الأماكن العامة). ولكن قام الناس بفرض إقرار تشريعات الحقوق المدنية من خلال المسيرات والمقاطعة وقيادة العصيان المدني، وقاتلوا بلا هوادة من أجل مطالب سياسية واضحة حتى أقرها الكونجرس ووقعها الرئيس لتصبح قانونًا.
فيجب أن نتحلى بالشجاعة لرفع صوتنا الجماعي مرة أخرى على الخطوط الأمامية للعدالة. وكما نسير دفاعًا عن حياة السود وضد وحشية الشرطة في بلدنا، فإننا نسير الآن من أجل حياة الفلسطينيين، ونطالب حكومتنا بوقف تمويل الإبادة الجماعية.
لسوء الحظ، فإن الشرور الثلاثة الكبرى التي حذر منها القس الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن، – وهي العنصرية والفقر والحرب – ما تزال مستعرة ومترابطة جميعها. ومنذ تشرين الأول / أكتوبر، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 37,000 فلسطيني في غزة، من بينهم أكثر من 15,000 طفل، وأصيب أكثر من 85,000 شخص. وقتلت في الضفة الغربية ما لا يقل عن 548 فلسطينيا، من بينهم أكثر من 135 طفلا.
إن إجماع المجتمع الدولي واضح: ترتكب الحكومة الإسرائيلية جرائم ضد الإنسانية، وهي لا تمارس جريمة الفصل العنصري أو القمع العنصري والفصل العنصري فحسب، بل تنتهك أيضًا اتفاقية الإبادة الجماعية والقانون الدولي. وقد أصبحت جنوب أفريقيا الآن، بعد هزيمة نظام الفصل العنصري المدعوم من الولايات المتحدة، صوتًا للفلسطينيين في محكمة العدل الدولية لوقف هذه الإبادة الجماعية، مما يسلط الضوء على حاجة المجتمعات التي تسعى إلى العدالة إلى التضامن معًا.
وقد قال كينغ إن «الأمة التي تستمر سنة بعد سنة في إنفاق أموال على الدفاع العسكري أكثر مما تنفق على برامج الارتقاء الاجتماعي تقترب من الموت الروحي». منذ عام 1948، وافقت الولايات المتحدة على تقديم أسلحة بقيمة أكثر من 141 مليار دولار للحكومة الإسرائيلية بينما تواصل تنفيذ عملية التطهير العرقي للشعب الفلسطيني. ولكم أن تتخيلوا ما يمكن أن يفعله استثمار 141 مليار دولار في مجتمعاتنا بدلاً من ذلك. ووفقاً لأحد التقديرات، فإن الأمر سيتطلب نحو 177 مليار دولار لانتشال كل فرد أميركي من الفقر.
فلماذا تمتلك بلادنا دائما ما يكفي من المال لقصف الناس، ولكنها لا تملك أبدا ما يكفي لتزويد الناس بالرعاية الصحية والسكن وما يكفي من الغذاء لإطعام أسرهم؟ يخبرنا المسؤولون المنتخبون عامًا بعد عام أنه لا توجد أموال للاستثمار في مجتمعاتنا، أو الرعاية الصحية الشاملة، أو التعويضات، وذلك فقط ليعودوا ويمرروا ميزانية عسكرية أخرى غير مسبوقة – تجاوزت هذا العام 886 مليار دولار – وإرسال عشرات المليارات من أموال ضرائبنا لإسرائيل لتمويل هذا الموت والدمار.
لقد حان الوقت لإنهاء مليارات الدولارات من التمويل الذي نرسله إلى الحكومة الإسرائيلية والمطالبة بالكرامة الإنسانية لجميع الناس. ويجب علينا أن نتكاتف معًا كتحالف متعدد الأعراق والأديان والأجيال من أجل التغيير. يذكرنا كينغ بأن “السلام الحقيقي ليس مجرد غياب التوتر، بل هو وجود العدالة”. إن الطريق نحو تحقيق سلام عادل ودائم للفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن يشمل إنهاء الإبادة الجماعية في غزة، ورفع الحصار، وتسهيل إطلاق سراح الرهائن والفلسطينيين المحتجزين تعسفا، وإنهاء الاحتلال، وتفكيك نظام الفصل العنصري. عندها فقط يستطيع الفلسطينيون والإسرائيليون التعايش بسلام في وطنهم مع التمتع بحقوق متساوية، وأمان، وحرية.
إن الحركة التي تجبر حكومتنا على التوقف عن تمويل الحروب التي لا نهاية لها هي نفس الحركة التي تطالب بالرعاية الصحية الشاملة، والإسكان للجميع، والتعويضات، والهواء النظيف والماء. نفس الطلاب والمعلمين والقادة العماليين ونشطاء المجتمع الذين ينتظمون في حركة من أجل وقف دائم لإطلاق النار ينتظمون أيضًا من أجل تحرير جميع الناس، بما في ذلك تحرير السود. وتتطلب هذه اللحظة وضوحاً أخلاقياً لا هوادة فيه. وسيذكر التاريخ أولئك الذين اتخذوا موقفا يطالب حكومتنا بالاستثمار في الحياة، وليس في الموت.
هذه هي الحركة، ونحن هؤلاء الناس.
[[1]]https://www.thenation.com/article/archive/nina-turner-rashida-tlaib-black-palestinian-liberation/



