ديلان صبا[[1]]
ترجمة التحرير
اندلاع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة – وفي جميع أنحاء العالم – كان متوقعًا منذ وقت طويل. وقد واجه الطلاب المنظمون قمعًا مكثفًا لعدة أشهر من إدارات الجامعات العازمة بشدة على تقليص أي تعبير سياسي مؤيد لفلسطين ومناهض للحرب في جامعاتهم. وقد شمل ذلك إجراءات تأديبية عقابية أدت إلى تعليق الدراسة بسبب مخالفات بسيطة، وإلى حل مجموعات مثل طلاب من أجل العدالة في فلسطين (SJP) والصوت اليهودي من أجل السلام (JVP)، وإلى الخضوع للرقابة والاعتقال من قبل شرطة الحرم الجامعي. وقد استجاب الطلاب للحراك إلى حد كبير دون أن يردعهم كل ذلك، من خلال تطوير تكتيكات وأساليب جديدة للتعبير لضمان سماع رسالتهم والشعور بوجودهم، بما في ذلك، ما جرى في الآونة الأخيرة، من إنشاء لمخيمات تضامن مستمرة مع غزة واحتلال مباني الحرم الجامعي لمطالبة مؤسساتهم بالتخلي عن تأييد إسرائيل .
ومع ذلك، فإن السرعة والنطاق اللذين انتشر بهما الحراك في الأسابيع القليلة الماضية كانا مذهلين. وكذلك الحال بالنسبة للعنف والقمع الذي استخدم لمحاولة سحق ذلك الحراك.
منذ 17 إبريل – عندما قامت جامعة كولومبيا، في تصعيد خطير للقمع، باستدعاء شرطة نيويورك لتدمير مخيم التضامن الطلابي، ظهرت مخيمات مماثلة في الجامعات من الساحل إلى الساحل (وكذلك في كندا وأوروبا وآسيا وأستراليا). وبدورها ردت إدارات الجامعات بقوة ساحقة بالتنسيق مع الشرطة. وتم القبض على ما لا يقل عن 2300 طالب وأستاذ وناشط متضامن في ما يقرب من 50 كلية في أكثر من اثنتي عشرة ولاية. وقد أدت حملات القمع إلى تركيز عزيمة الطلاب، وأحيت حركة التضامن المحبطة بسبب عدم إحراز تقدم. وقد أشاد الفلسطينيون في غزة بهذا النشاط، وأطلقوا عليه اسم “الانتفاضة الطلابية” ودعوا الطلاب في جميع أنحاء العالم إلى تصعيد احتجاجاتهم.
لقد أصبحت لغة المنظمين وتكتيكاتهم موضوعاً لهوس وسائل الإعلام النخبوية، حيث يتنافس المعلقون مع بعضهم البعض لإنتاج نظريات تافهة حول الأسباب التي تجعل الطلاب متحمسين إلى هذا الحد. ومن المفارقات أن هؤلاء المعلقين يتجاهلون عالميًا دورهم في بيئة النشاط داخل الحرم الجامعي. وقد أدى الذعر الذي أثاره هؤلاء النقاد إلى ضغوط من الجهات المانحة والأمناء الذين يسيطرون فعليا على الجامعات هذه الأيام. وقد رأى الطلاب بعد ذلك قوة رسالتهم والقوى المعارضة لها، وهي تجربة راديكالية أيديولوجية وتكتيكية. وفي المقابل، زاد الطلاب من نضالهم، وتوسعت المخيمات بشكل متزايد لتشمل احتلال المباني الجامعية. وقد أثار هذا المزيد من الذعر والمزيد من القمع. وبعد أن فقد المسؤولون قوة الردع التي يتمتعون بها باعتبارهم أشخاصا منضبطين سلوكيًا، فإنهم يصبون الآن المزيد من الزيت على النار.
وعلى النقيض من السرديات الإعلامية المفضلة، انتشرت وجهات النظر اليسارية بين الطلاب ليس من خلال العدوى الاجتماعية ولا من خلال التلقين الأكاديمي. بل يتم ذلك غالبًا من خلال التجربة الجديدة في مواجهتهم السلطة المؤسسية ومطالبتها بمطالب معقولة وواضحة أخلاقياً – مثل، -على سبيل المثال- مطالبة جامعتك بقطع العلاقات المالية مع دولة ترتكب جريمة إبادة جماعية – وتعرضك في المقابل للرفض والقمع والنبذ. وفي مواجهة ذلك، يطور الشباب وجهات نظر عالمية نقدية. بمعنى آخر، ليس الذكاء بشكل خاص ولا السذاجة بالتحديد هي التي تنتج الطلاب الثوريين؛ بل الظرف الذي تجد فيه نفسك داخل مؤسسات قوية وأن تكتشف أن التحريض من أجل العدالة يعطل تمامًا وظيفتها الأساسية؛ ألا وهي إعادة إنتاج الطبقة الحاكمة.
هذه السيرورة مألوفة بالنسبة لي. ليس فقط من خلال دوري كمحام في منظمة فلسطين القانونية، حيث دعمت نشطاء وساعدت مجموعات التضامن مع فلسطين على اجتياز موجة القمع “المكارثية” بعد 7 أكتوبر؛ فقد عشت ذلك بنفسي كطالب جامعي منذ أكثر من عقد من الزمان.
عندما وصلت إلى جامعة تافتس في خريف عام 2011، كنت ليبراليًا. وقد ولدت لأب فلسطيني وأم يهودية عام 1993، وكنت ابنًا لمعاهدة أوسلو بالمعنى الحقيقي للكلمة. وعلى الرغم من الانهيار التاريخي لتلك الحقبة في الانتفاضة الثانية وما تلا ذلك من بداية الحصار على غزة، إلا أنني تمسكت بوعد أوسلو ــ وهو بالتحديد أنه من خلال التواصل الفعال والمفاوضات الصعبة، يمكن للسلام أن يسود.
ويكفي أن أقول إنني سرعان ما تحررت من الوهم من هذه الآراء. ففي سنتي الأولى، انضممت إلى فرع مجموعة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين” (SJP) في جامعة تافتس، التي تم تشكيلها في الحرم الجامعي في العام السابق. وربما كان هناك عشرات منا في المجموعة. وبعد بعض المداولات، قررنا استضافة “أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي” في فصل الربيع، الذي سنقوم خلاله بوضع برنامج لمشاهدة أفلام، وإقامة فعاليات نقاشية، وتنظيم مظاهرة للفت الانتباه إلى محنة الفلسطينيين الذين يعيشون في أراضي عام 1948، والضفة الغربية وغزة واللاجئين. لقد رأيت ذلك وسيلة لتعزيز المبادئ الكونية الأساسية لهويتي السياسية. في رأيي، كنا ندعو ببساطة إلى حقوق متساوية للفلسطينيين واليهود في الأرض الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، فضلا عن منح حق العودة للفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم في عام 1948. وقد كان العمل في إطار فكرة الفصل العنصري، الذي يركز على عدم المساواة أمام القانون، محاولةً للاستفادة من هذا الخطاب الليبرالي.
وعلى الرغم من أن هذا لا يشبه ما يواجهه الطلاب اليوم، فقد قوبلنا بدرجة مذهلة من ردود الفعل العنيفة من قبل الإداريين والأقران. وتعرض أعضاء مجموعتنا للاعتداء والصراخ من قبل كبار أعضاء هيئة التدريس، وحاولت الإدارة إلغاء تصريحنا باستخدام المساحة المشتركة، واتهمنا زملاؤنا الطلاب بمعاداة السامية ودعم الإرهاب. وقد أدى مستوى النقد اللاذع الموجه إلينا إلى عزلنا، ولكنه ألقى الضوء لنا على حقائق الأمور أيضًا. لقد قادني ذلك إلى إدراك أنه على عكس ما افترضته، لم يكن العائق بيننا وبين العدالة هو “انعدام المنطق”، بل القوة.
لقد تطورت مجموعتنا، وقمنا بتحسين إدراكنا التحليلي. وبدأنا باستهداف جامعة تافتس نفسها، وبالمطالبة بسحب الاستثمارات من إسرائيل. ونمت قوتنا أيضًا، فمع تحولنا من التثقيف العام القائم على القضايا إلى التنظيم السياسي، قمنا ببناء علاقات مع مجموعات العدالة الاجتماعية الأخرى، وتضخمت صفوفنا. وبحلول سنتي الأخيرة، كانت انتفاضة فيرجسون قد حدثت (سلسلة مستمرة من الاحتجاجات والاضطرابات المدنية في اليوم التالي لمقتل الشاب مايكل براون بعد إصابته بستة رصاصات على الأقل من الشرطة في 9 أغسطس عام 2014، في فيرغسون، ميسوري) واندلاع حركة (حياة السود مهمة) قد حدث مجددًا، وكان مجموعة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين” (SJP) مستعدًة تكتيكيًا وسياسيًا لهذه اللحظة. لقد انخرطنا في أعمال مباشرة، وفي احتلال الشوارع جنبًا إلى جنب مع مجموعات طلابية أخرى مناهضة للعنصرية من أجل المطالبة بوضع حد لعنف الشرطة. وقد تعرضنا للسخرية علنًا، لكننا بنينا علاقات قوية ودائمة وأثرنا بشكل عميق في الخطاب داخل الحرم الجامعي وخارجه.
وقد شهد العديد من الناشطين الطلاب اليوم نسخة مكررة من هذا التسلسل التاريخي؛ فبعد أن تمرسوا واكتسبوا الخبرة من انتفاضات جورج فلويد عام 2020، فإنهم الآن على استعداد لتنظيم أنفسهم من أجل فلسطين بعد اكتسابهم تطورا سياسيا وتكتيكيا.
خلال تجربتي الجامعية، كان التاريخ فقط يحضر صوته للتحدث بشكل أكثر وضوحًا، ولكنه يتكلم بحماسة الآن.
المخاطر الآن أعلى بكثير مما كانت عليه عندما كنت في الكلية. إن الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة تشكل بالفعل جريمة تاريخية عالمية، والغزو الوشيك لرفح يَعِد بحجم جديد من الرعب، وكل هذا من شأنه أن يحفز الطلاب على تقديم تضحيات ما كانوا ليقدموها لولا ذلك. والقمع الذي يواجهونه بات أكثر تطرفا بكثير، حيث تقوم الجامعات الآن بتوجيه عنف الدولة نحو حرمها الجامعي دون هوادة.
من وجهة نظري، أستطيع أن أتتبع المسافة بين هذه اللحظات كحلقة من حلقات نضال أجيال حركة التضامن مع فلسطين. فقد وجدنا أنفسنا آنذاك نكافح ضد نموذج جديد نسبيًا، حيث كانت فترة ما بعد الانتفاضة الثانية، والتي كانت إسرائيل تشن فيها هجمات متسلسلة على غزة المحاصرة، قد بدأت للتو. إذا نظرنا إلى الماضي، أرى أننا كنا نتحسس بأيدينا في الظلام بحثًا عن الأدوات المفاهيمية لفهم الأجزاء المكونة والعلاقات المتبادلة بين كل من: الولايات المتحدة، والدولة الإسرائيلية، وحركة المستوطنين، والنضال الفلسطيني، والمجتمع المدني الفلسطيني، وحركة التضامن.
لقد تم الآن الكشف عن غموض هذا النموذج، وتم الكشف عن بنيته. لقد أصبحت الإبادة الجماعية البطيئة التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين إبادة سريعة، كما تلاشت القشرة الخطابية التي كانت تستخدمها الولايات المتحدة بشأن حقوق الإنسان والتعددية والدبلوماسية الدولية – والتي تم تبنيها بلطف شديد من قبل باراك أوباما باعتباره رئيسًا صوريًا (لا يملك صلاحيات حقيقية) – مخلفًة وراءها عنصرية جو بايدن الرجعية التي تنتمي إلى القرن العشرين والتي تكرس شعارات القوة الأمريكية. وما قد تبقى واضح للعيان: دولة نووية، أسكرتها الغطرسة ومدعومة إلى أقصى الحدود من قِبَل الدولة المهيمنة في العالم، وقد حكمت تلك الدولة على طبقتها الدنيا المستعمرة بالقهر الدائم. ولكن غزة رفضت، وبسبب رفضها فإنها تواجه قدراً من الانتقام لا يستطيع العالم الحديث أن يحشد مثله.
إن المطلب المعقول للغاية ــ والواضح أخلاقيا -مرة أخرى- هو أن يتوقف هذا الانتقام. الطلاب يدركون هذا الأمر ومدى إلحاحه العاجل. وبسبب إلحاحهم، لن يتم رفضه؛ وبسبب وضوحهم فقد وصل صوتهم إلى المقهورين أنفسهم. ويمكن للفلسطينيين الذين يشعرون بحق أن العالم قد تخلى عنهم أن يروا أنفسهم ويسمعوا أصواتهم في نداء الطلاب. هذا الرنين هو صوت التاريخ نفسه، الذي يتحدث الآن في أي فرصة محدودة تآمر الفعل البشري وتآمرت الصدفة لتوفيرها.
وفي خضم هذا الرعب، فإن هذا الارتباط (بين الماضي والحاضر) مؤثر للغاية. أشعر بالتحرر الذي تراكم طوال حياتي البالغة على مدار السنوات الاثنتي عشرة الماضية التي التزمت خلالها بهذه الحركة. الحمى تزول الآن (المرض الذي يحجب القدرة على التفكير السليم). ولكنني أخشى أيضاً أن تفلت الفرصة من أيدينا، وأن يفقد الصوت التزامن مع أصدائه مع ظهور نموذج فكري جديد (نموذج فكري سائد جديد يستوعب عدالة القضية الفلسطينية). وآمل أن نسمع قبل ذلك الوقت، كل ما يقوله التاريخ.
[[1]]https://www.thenation.com/article/archive/student-protest-history/



