يعتبر الحديث في مفهوم التاريخ في أي نقاش حول الاستوغرافيا مقدمة رئيسة لتحقيق تفاهم أفضل مع القارئ حول الإشكالية المدروسة وتحليلها تحليلا دقيقا. ومما يؤكد ضرورة مثل هذه المقدمة هو صفة التطور التي يتصف بها مفهوم التاريخ، فالأدبيات التي تتعلق بهذا المفهوم التي ورثناها أو التي سادت خلال القرن العشرين وفي نهايته أمست اليوم متجاوزة وغير دقيقة بما يكفي لوصف ما يشهده حقل التاريخ من تطور منهجي وبحثي، مما يُحَتِّم علينا تحيين مَعارفنا وأفهامنا حول مفهوم التاريخ.
لقد كان المؤرخون العرب والمسلمون الأوائل يعتبرون التاريخ من العلوم النافعة التي يحصل بها العلم بوقائع الزمن الماضي من خلال دراسة الإنسان في علاقته بالزمان. وقد بلغ هذا التعريف كماله في النموذج المعرفي التقليدي مع العلامة عبد الرحمن بن خلدون (808هـ) في “المقدمة” الشهيرة، ومحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت. 902هـ) في كتابه الشهير أيضا “الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ“.
فقد عَرَّف ابن خلدون التاريخ باعتباره مجموعة نصوص «لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال… وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال».[1] مع الاهتمام في هذا الإخبار بمسألة التغيير أو بلفظه تقلُّب الأحوال.
أما السخاوي الذي جاء بعد ابن خلدون بحوالي قرن من الزمان، فقد عَرَّف التاريخ باعتباره فن «يُبْحَثُ فيه عن وقائِع الزمان من حيث حيثية التَّعيِّين والتَّوقيت، بل عما كان في العالم. وأما موضوعه فالإنسان والزمان. ومسائله، أحوالهما (الإنسان والزمان) المُفَصِّلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان وفي الزمان».[2] ويؤكد السخاوي في هذا التعريف على الطابع الإنساني والحَدَثِي لعلم التاريخ، فالوقائع التي تخرج عن دائرة الإنسان سواء كفاعل، ومؤثر أو متأثرا، لا تدخل في باب التاريخ.
وإذا جمعنا هذين التعريفين إلى بعضهما البعض جاز لنا تعريف التاريخ على النحو التالي: العلم الذي يَدرس أحداث ووقائع ماضي الإنسان، والتَّغَيُّرات التي مرَّ بها في مساره. ويتضمن هذا التعريف أربعةَ عناصر رئيسة: الحدث، الزمان، الإنسان، والتغيير، يمكن اعتبارها أركان المعرفة التاريخية ومبادئها التي لا زالت معتبرة حتى اليوم.
إن علم التاريخ، كغيره من العلوم، ليس مطلوبا لذاته، وليس ترفا معرفيا، مما لا حكم له، فإذا لم يكن واجبا أو مندوبا فهو ليس حراما أو مكروها، بل على العكس من ذلك كُلِّه، فهو من ضرورات الحياة. وقد انتبه المؤرخون المسلمون مُبكرا إلى أهميته وأدواره، فجعلوه معيارا تُعَيَّرُ به الأسانيد، ويُعرف به الرجال، ويُعرف به الناسخ من المنسوخ في الأحكام… وقيل في هذا المعنى «لم يُسْتَعَن على الكذابين بمثل التاريخ».[3]
لكن، مع مرور السنين واتساع هذا العلم، وتكاثر أهله انتبه المؤرخون المسلمون إلى وظائف أخرى لهذا العلم، دُنيوية، لا تقلُّ أهمية عن وظيفته الدينية، وتتعلق أساسا بوظيفته العَمَلية باعتباره كَوَعَي، أساسُ تهذيب السلوك، وتحديد الاختيارات البشرية. وقد جمع السخاوي في كتابه أقوال عدد من المؤرخين الذين سبقوه في الدلالة على هذه الوظيفة، حيث ذَكَرَ لأبي الفرج ابن الجوزي (ت. 597هـ) قوله: «للسير والتواريخ فوائد كثيرة أهمها فائدتين: إحداهما، أنه إن ذُكِرَت سيرة حازم ووُصِفَت عاقبة حالِه، أفادت حسن التَّدبير واستعمال الحزم، أو (إن ذكرت) سيرة مفرط ووصفت عاقبته أفادت الخوف من التفريط…».[4]
ونقل عن ابن الأثير (ت. 630هـ) قولَه في هذا المعنى: ومن الفوائد الدنيوية لعلم التاريخ: «أنَّ الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها [الروايات] من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس… ونظروا إلى ما أَعْقَبَ من سوء الذكر وقبح الأحدوثة، وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها، واطرحوها. فإذا رأوا سيرة الولاة والعارفين وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وإن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالها درت، استحسنوا ذلك، ورغبوا فيه، وثابروا عليه، وتركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، ولو لم يكن منها غير هذا لكفى به فخرا. ومنها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تشير إليه عواقبها، وأنه لا يحدث لهم أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره، فيزداد عقلا ويصبح لأن يقتدى به أهلا».[5]
ومن ثمّ، إن علم التاريخ في الثقافة العربية-الإسلامية من العلوم العملية النافعة التي تساهم في تقويم السلوك وإنضاج الاختيارات على مستوى الأفراد والجماعات. غير أنه -ومع الأسف- وبالرغم من هذه الأهمية التربوية والعملية، فإنه لم ينجح في حجزِ مكانه بين المواد الدراسية في التعليم التقليدي، ولم يخصص له كرسي في الجوامع العلمية، الشيء الذي حدَّ من الانتفاع به.[6]
ومن ناحية أخرى، لم تُضِف الإسطوغرافيا الحديثة وخاصة تلك التي ظهرت في الغرب الكثير لهذا التعريف العام لعلم التاريخ، فعلى سبيل المثال يُعرف شارل بيرد (ِCharles Beard) التاريخ باعتباره “تفكير معاصر حول الماضي”، بينما يعرفه مارك بلوخ (Marc Bloch) بـ”علم الإنسان في الزمان”. غير أن أجمع تعريف في هذا الباب هو ذلك الذي صاغه زاكيري سشراك (ًZachary M. Schrag) الذي جاء فيه أن “التاريخ هو دراسة الإنسان [في الماضي] والاختيارات التي اختارها”.[7]
إن المعرفة التاريخية استنادا إلى هذا المفهوم حول التاريخ تعوِّل في جزئياتها وعمومياتها على المصادر والشواهد بأنواعها المختلفة المادية والمكتوبة والرمزية… وتتطور بحسب هذه المصادر من حيث حجمها ووسائل الاستثمار، كما تعوِّل أيضا على مناهج التحليل والقراءة، فالتاريخ -وكما تعتبر ذلك النظرية النقدية – بناء بالدرجة الأولى، وليس مرآة محايدة وصادقة تعكس حقيقة أحداث الماضي، بناءٌ حامل للقيم والتحيزات، حيث يجب الكشف عنها والحذر من تبنيها كحقيقة واقعية.[8]
أما الأيديولوجيا، وبغض النظر عن استخداماتها الملتبسة في كثير من الأحيان، فإن المقصود بها “مجموع المعتقدات والقيم التي يتبناها الأفراد والجماعات لأسباب غير معرفية، مثل الأيديولوجية البرجوازية والأيديولوجية الجندرية، والأيديولوجية الوطنية… وفي العادة يتضمن استعمالها المعياري عنصرين أساسيين:
– الأول؛ هي أسلوب خاص في التفسير، حيث تُعزى سيادة هذه المعتقدات والقيم للأدوار غير المعرفية/العلمية التي تؤديها بالنسبة للأفراد وأيضا المجتمع، والتي نستطيع تحديدها (أي الأدوار) من ناحية قدرتها على إرضاء المصالح والاهتمامات غير المعرفية (Epistemic) لهاته المجموعة من الأفراد أو من ناحية الوظائف الرمزية-الاجتماعية التي تؤديها لهم من قبيل حفظ الاستقرار وشَرْعَنَة الوضع السائد؛
– الثاني؛ هي أسلوب خاص في النقد، حيث توضع هذه المعتقدات والقِيَّم (الأيديولوجية) موضع تساؤل من خلال تقديمِ تَفسيرٍ لسيادتها وانتشارها، تَفْسيرٍ قائمٍ على المصالح/الاهتمامات وما هو رمزي-اجتماعي. وهو تفسيرٌ مُمَيَّز، وغير معلوم لدى معتنقيها”.[9]
ومن ثمّ، فالأيديولوجية باعتبارها حزمة من المعتقدات والقيم التي يتبناها الأفراد والجماعات لأسباب غير علمية ولأغراض إصلاحية أو نهضوية… ولأجل -أيضا- الحفاظ على الوضع القائم أو السعي لتغييره في اتجاه معين هي بالضرورة متعددة، ومختلفة، تبعا لاختلافات الأفراد والجماعات والتأثيرات المتباينة التي يتعرضون لها. وتتفاضل الأيديولوجيات فيما بينها وتتنافس من حيث قدرة كلٍّ منها على إشباع رغبات وتطلعات الأفراد والجماعات وقدرتها أيضا على تأدية الوظائف الرمزية: الاستقرار/التغيير، الشرعية/اللاشرعية…
فعلى سبيل المثال الأيديولوجية الماركسية هي مجموع المعتقدات والقيم التي يتبناها الأفراد لأجل تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية ودولة البروليتارية، ولأجل تغيير الوضع القائم، والتي ترضي تطلعاتهم نحو حياة أفضل. وهي على أية حال معتقدات وقيم غير علمية بالضرورة.
فعلى سبيل المثال، كان يعتقد الماركسيون والاشتراكيون عموما ولا زال بعضهم على هذا الاعتقاد إلى اليوم أن الانتماء الطبقي والاجتماعي والظروف المحيطة به تُحدد السلوك والمواقف، غير أن الدراسات والأبحاث الجينية أثبتت أن الكثير من أشكال السلوك والميول الاجتماعي يرتبط بالوراثة والجينات ولا علاقة له بالانتماءات الاجتماعية والعوامل الخارجية، ونفس الشيء كانوا يعتقدونه بخصوص النبات والزراعة فالظروف المناخية والتربة هي التي تحدد الإنتاج.
وهكذا، عقدت أكاديمية لينين للعلوم الزراعية سنة 1948م لقاء علميا تناول فيه الكلمة العالم السوفياتي تروفيم ليزينكو (Trofim Lyzenko)، شجب من خلاله النتائج العلمية التي تُحققها الدراسات الجينية في أوروبا وأمريكا، وأعلن أن نظرية منديل في الجينات (Mendelian Theory) لا تتماشى إطلاقا مع الماركسية، وأنها مذهب مثالي، وفي المقابل أكد على العوامل المادية في تحديد أنماط السلوك والأفكار. وتمّ منع تدريس النظريات الجينية الغربية في الجامعات السوفياتية والصينية في فترة الخمسينيات.[10]
وقد حاول السوفيات تأكيد صحة نظرية ليزينكو من خلال زراعة الحبوب في سبيريا، وذلك في محاولة التأكيد على قدرة النبات على التكيف مع الظروف، كما أن الصينيون لم يبذلوا أي جهد علمي من أجل تطوير بذور الأرز جينيا، واكتفوا بتحسين ظروف زراعته… وكانت نتائج هذه المحاولات فاشلة وكارثية وخاصة في الصين التي أصابتها مجاعة غير مسبوقة في التاريخ ما بين 1959-61) ذهب ضحيتها حوالي 15 مليون صيني. وكان من أسباب هذه الكارثة تبني نظرية ليزينكو، التي قيدت البحث الزراعي في الصين وأخرجته عن مساره الصحيح، مما أدى إلى ضعف إنتاجية البذور المستعملة في الزراعة.[11]
ومن ثمّ، إن الأيديولوجية وانطلاقا من هذا المثال عندما تختلط بالعلم أو تتاح لها الفرصة للتحكم فيه تؤدي إلى إفساده، وتعطيل حركته وتقدمه، ومن وجب اتخاذ كل أسباب الحيطة والحذر من أجل تفادي هذا المصير السيء الذي يؤدي نتيجته في نهاية المطاف المجتمع بأسره.
[1] ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. ص. 3، 4.
[2] محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، تحقيق فرانز روزنتال، ترجمة صالح أحمد العلّي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط. 1/1986، ص. 19.
[3] نفسه، ص. 23.
[4] نفسه، ص. 43.
[5] نفسه، ص. 46.
[6] عبد الهادي التازي، جامع القرويين، دار نشر المعرفة، الرباط، ط. 2/2000، ص. 128.
[7] Zachary m. Schrag, The Princeton Guide to Historical Research, Princeton University Press, New Jersy, 2021, p. 9.
[8] Avner Segall , Brenda M. Trofanenko , and Adam J. Schmitt, Critical Theory and History Education, (The Wiley International Handbook of History Teaching and Learning, Edited by Scott Alan Metzger, Lauren McArthur Harris, John Wiley & Sons, Inc., Hoboken, 2018), p. 285.
[9] Hondrich, Ted, The Oxford Companion to Philosophy, Oxford University Press Inc, New York, 1995, p.392.
[10] James Poskett, Horizons: A Global History of Science, Penguin Books, Uk, 2022, p. 335.
[11] Ibid., p. 338.



