في مقاله المنشور حديثًا في مجلة ذا نيشن (The Nation) تحت عنوان “For Israel, the Cruelty Is the Point“. [[1]] (القسوة هي الهدف بالنسبة لإسرائيل) يقول الصحفي الاستقصائي الأمريكي جوشوا فرانك أن هدف إسرائيل من حربها الراهنة هو ضمان أن تصبح غزة مكاناً غير صالح للعيش بمجرد إنهاء حملتها العسكرية القاسية.
يشير فرانك إلى أن ثمة أنابيب سوداء طويلة تمتد الآن على شاطئ خلاب في وسط غزة، على بعد ميل واحد شمال مخيم شاطئ للاجئين، عبر تلال من الرمال البيضاء، قبل أن تختفي تحت الأرض؛ حيث تظهر صورة نشرها الجيش الإسرائيلي عشرات الجنود وهم يقومون بوضع خطوط أنابيب ومحطات ضخ متنقلة ستأخذ المياه من البحر الأبيض المتوسط وتضخها إلى أنفاق تحت الأرض. وتتمثل الخطة، وفقا لتقارير مختلفة، في إغراق شبكة واسعة من الممرات والأنفاق تحت الأرض يقال إن حماس بنتها واستخدمتها لتنفيذ عملياتها.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها أنفاق غزة للتخريب بمياه البحر بحسب فرانك، ففي عام 2013، بدأت مصر بإغراق الأنفاق التي تسيطر عليها حماس والتي يُزعم أنها تستخدم لتهريب البضائع بين شبه جزيرة سيناء في البلاد وقطاع غزة. وعلى مدار أكثر من عامين، ظلت المياه من البحر الأبيض المتوسط تتدفق إلى شبكة الأنفاق، مما أدى إلى إحداث دمار كبير في بيئة غزة. وسرعان ما تلوثت إمدادات المياه الجوفية بالمياه المالحة، ونتيجة لذلك، أصبحت التربة مشبعة وغير مستقرة، مما تسبب في انهيار الأرض ومقتل العديد من الأشخاص. وفي السابق، تحولت الحقول الزراعية الخصبة إلى حفر مالحة من الطين، وتدهورت كمية مياه الشرب النظيفة، التي كانت تعاني من نقص بالفعل في غزة.
ولا شك بحسب فرانك أن الإستراتيجية التي تتبناها إسرائيل حالياً لإغراق أنفاق حماس سوف تتسبب في أضرار مماثلة لا يمكن إصلاحها. وينقل الكاتب عن جوليان شيلينجر، الباحثة في جامعة توينتي بهولندا، تحذيرها من أن مياه البحر على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ملوثة ليست فقط بالأملاح بل أيضًا بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، والتي يتم ضخها بشكل مستمر في البحر الأبيض المتوسط من نظام الصرف الصحي المختل في غزة.
ويشير الكاتب إلى أن هذا يبدو كجزء من هدف إسرائيلي أوسع – لا يسعى فقط إلى تفكيك قدرات حماس العسكرية ولكن إلى تدمير طبقات المياه الجوفية في غزة (الملوثة بالفعل بمياه الصرف الصحي المتسربة من الأنابيب المتهالكة)؛ حيث اعترف المسؤولون الإسرائيليون علناً بأن هدفهم هو ضمان أن تصبح غزة مكاناً غير صالح للعيش بمجرد إنهاء حملتهم العسكرية.
يقول فرانك إن القصف العشوائي، الذي أدى بالفعل إلى إتلاف أو تدمير ما يصل إلى 70% من كل المنازل في غزة، لم يكن كافياً بالنسبة لإسرائيل، ويشير كذلك إلى أن ملء هذه الأنفاق بالمياه الملوثة من شأنه أن يضمن أن بعض المباني السكنية المتبقية سوف تعاني من مشاكل هيكلية أيضاً. وإذا كانت الأرض ضعيفة وغير آمنة، فسوف يواجه الفلسطينيون صعوبة في إعادة البناء.
وينقل الكاتب عن عبد الرحمن التميمي، مدير مجموعة علماء المياه الفلسطينيين، إن غمر الأنفاق بالمياه الجوفية الملوثة “سيتسبب في تراكم الأملاح وانهيار التربة، مما يؤدي إلى هدم آلاف المنازل الفلسطينية في القطاع المكتظ بالسكان”، وأن “قطاع غزة سيصبح منطقة خالية من السكان، وسوف يستغرق الأمر حوالي 100 عام للتخلص من الآثار البيئية لهذه الحرب”.
وكما يشير التميمي، فإن إسرائيل الآن “تقتل البيئة”، وقد بدأ هذا الأمر بتدمير بساتين الزيتون الخضراء في فلسطين. حيث كانت غزة تنتج في المتوسط أكثر من 5000 طن من زيت الزيتون من أكثر من 40000 شجرة في العام. وقد كان موسم الحصاد في شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر بمثابة موسم احتفالي لآلاف الفلسطينيين لفترة طويلة، وكان يمثل تقليدًا مهمًا، ويعبر عن ارتباط عميق بالأرض وبمورد اقتصادي حيوي. وفي العام الماضي، شكل محصول الزيتون أكثر من 10% من اقتصاد غزة، أي ما مجموعه 30 مليون دولار.
وبطبيعة الحال، توقف الحصاد منذ 7 أكتوبر\ تشرين الأول. وأدت تكتيكات الأرض المحروقة التي اتبعتها إسرائيل إلى تدمير عدد لا يحصى من بساتين الزيتون. وتؤكد صور الأقمار الصناعية التي تم نشرها في أوائل ديسمبر/كانون الأول أن 22 بالمائة من الأراضي الزراعية في غزة، ومن بينها عدد لا يحصى من بساتين الزيتون، قد تم تدميرها بالكامل.
يشير فرانك إلى أن هذه الجولة الأخيرة من الرعب هي مجرد استمرار قاتم لحملة مستمرة منذ 75 عامًا تهدف إلى انتزاع التراث الثقافي الفلسطيني؛ فمنذ عام 1967، اقتلعت إسرائيل أكثر من 800 ألف شجرة زيتون فلسطينية محلية، بغرض إفساح المجال لإقامة مستوطنات يهودية غير قانونية جديدة في الضفة الغربية في بعض الأحيان؛ وفي حالات أخرى، بسبب مخاوف أمنية مزعومة. وقد كان لتجريف هذه البساتين عواقب بيئية كارثية، حيث ترتبط إزالة الأشجار ارتباطًا مباشرًا بتغير المناخ، وبتآكل التربة، وانخفاض المحاصيل.
ويؤكد الكاتب على أنه ينبغي اعتبار شجرة الزيتون المحلية العتيقة شهادة على وجود الفلسطينيين ونضالهم من أجل الحرية. وعلى أنها باتت شيئا مقلقا لإسرائيل، ليس بسبب ثمارها، ولكن بسبب القصص التي تحملها عن مظالم وأوجاع الشعب الفلسطيني الذي تمت محاصرته بقسوة وبلا هوادة منذ 75 عامًا.
وبينما تقوم إسرائيل بتلويث طبقات المياه الجوفية واقتلاع بساتين الزيتون، فإنها تقوم أيضاً بتسميم غزة من الأعلى؛ حيث تعرض العديد من مقاطع الفيديو التي حللتها منظمة العفو الدولية وأكدتها صحيفة واشنطن بوست لقطات من القنابل المضيئة وأعمدة الفسفور الأبيض التي تنهمر على المناطق الحضرية المكتظة بالسكان. وقد استُخدم الفوسفور الأبيض لأول مرة في ساحات القتال خلال الحرب العالمية الأولى لتوفير غطاء لتحركات القوات، ومن المعروف أنه سام وخطير على صحة الإنسان. ويعد إسقاطه على البيئات الحضرية الآن غير قانوني بموجب القانون الدولي، وغزة هي واحدة من أكثر الأماكن كثافة سكانية على وجه الأرض. وفي حين أن الفسفور الأبيض شديد التسميم للإنسان، فإن التركيزات الكبيرة منه لها أيضًا آثار ضارة على النباتات والحيوانات، وكذلك على التربة التي يجعلها حمضية للغاية لزراعة المحاصيل.
في ختام مقاله يشير فرانك إلى أن العنف الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين، والمدعوم بشكل لافت للنظر من قبل الرئيس بايدن وفريق السياسة الخارجية التابع له، لا يشبه أي شيء شهدناه سابقًا في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. ويؤكد أخيرًا على أن غزة وشعبها والأرض التي حملتهم لقرون يتم تدنيسها اليوم وتحويلها إلى جحيم غير قابل للعيش على الإطلاق.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/gaza-unlivable-tunnels-israel/



