في مقاله المنشور في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “Henry Kissinger Wasn’t Really a Realist” ( هنري كيسنجر لم يكن واقعيًا حقًا) [[1]] يشير عالم السياسة الخارجية الأمريكي ستيفن والت إلى أن رؤية وتصرفات ومسيرة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر للعالم باتت مرادفًا لفكرة واقعية السياسة الخارجية، ويقول إن هذا الحكم يلقي بظلاله على كيفية نظر الآخرين إلى التقليد الواقعي في السياسة الدولية برمته؛ ويسعى والت الذي ينتسب بدوره إلى مدرسة الواقعية في السياسة الدولية في هذا المقال إلى التشكيك في مدى أصالة انتساب كيسنجر إلى هذا التقليد السياسي والعلمي.
يقول والت إنه أنه ليس من الصعب أن نرى لماذا يبدو أن التسمية الواقعية تناسب كيسنجر جيدًا، فمنذ بداية حياته المهنية، كان الأخير مهتمًا في المقام الأول بالعلاقات بين القوى العظمى والتحدي المتمثل في بناء أنظمة مستقرة في غياب سلطة مركزية على المستوى الدولي والصراع الحتمي بين المصالح المتنافسة، حيث قدر تمامًا الطبيعة المأساوية للسياسة وكان حذرًا من المثاليات الساذجة. و لكن كما لاحظ العديد من المنتقدين، فقد أولى كيسنجر اهتماماً ضئيلاً للاعتبارات الإنسانية، ولم يؤمن بأن حقوق الإنسان، أو الحاجة إلى الحفاظ على حياة الأبرياء، أو احترام القانون الدولي أو الداخلي، ينبغي أن يمنع قوة عظمى من السعي وراء تلبية مصالحها الأنانية.
يشير والت إلى أنه من الواضح أن كيسنجر قرأ كتاب “الأمير” لمكيافيللي، الذي يعلمنا أنه كي يحافظ الأمير على النظام “يجب أن يتعلم كيف لا يكون صالحاً”. ويقول إن مثل هذه الخصائص التي يدعو إليها مكيافيللي تتناسب معه. ولهذا من السهل أن نرى لماذا يعتبره كثير من الناس التجسيد الأميركي المثالي لواقعية السياسة الخارجية.
ومع ذلك، فمن المستحيل التأكد مما إذا كان كيسنجر واقعيًا حقيقيًا في جوهره بحسب والت، فعلى الرغم من أنه كتب آلاف الصفحات عن السياسة الدولية والسياسة الخارجية، إلا أن أيًا من كتبه لم يشرح نظريته الخاصة في السياسة الدولية بأي قدر من التفصيل. فثمة الكثير الذي يمكنك أن تتعلمه من خلال أعمال كيسنجر الضخمة عن كيفية تصرف الدول، ولكننا لا تستطيع العثور على تفسير واضح يشرح لماذا تتنافس هذه الدول على السلطة، أو مقدار السلطة التي تريدها، أو ما هي العوامل الأكثر أهمية في حسابات القادة السياسيين. علاوة على ذلك، كانت وجهات نظره تتعارض في كثير من الأحيان مع آراء أبرز الواقعيين الآخرين حول قضايا مثل الأسلحة النووية التي يعتقد معظم الواقعيين أنها مفيدة فقط للردع، ولكنه رآها في بعض الأحيان أدوات قابلة للاستخدام في الحرب. ومثل موقفه كذلك من حرب الولايات المتحدة في فيتنام التي عارضها الواقعيون البارزون مثل جورج كينان، وكينيث والتز، ووالتر ليبمان، وأيدها كيسنجر قبل انضمامه إلى الحكومة، وأطال أمدها أثناء وجوده في منصبه، على الرغم من أنه أدرك أيضًا أنه لا يمكن كسب تلك الحرب.
ومن القضايا الأخرى التي يشير إلى خلاف كيسنجر مع الواقعيين بشأنها، هي قضية توسعة حلف شمال الأطلسي، وهي السياسة التي أيدها كيسنجر على الرغم من تأثيرها السلبي المتوقع على العلاقات مع روسيا، وقضية الحرب مع العراق عام 2003 التي دعمها كيسنجر قبل أن تبدأ، واستمر يدعمها لسنوات بعد ذلك.
ويشير والت إلى أنه في حين يؤكد معظم الواقعيين (وخاصة الواقعيين البنيويين) على العناصر المادية للقوة (أي السكان، والقوة الاقتصادية، والموارد، والقوة العسكرية، وما إلى ذلك)، يعتقد كيسنجر أن الأفكار قد تكون بنفس القدر من القوة ويمكن أن تكون خطيرة بشكل خاص؛ بل ويذهب كاتب سيرته الذاتية الرسمي- والمتعاطف معه للغاية- نيال فيرجسون، إلى أبعد من ذلك؛ وإعادة تصويره باعتباره مثاليًا كانطيًا جديدًا؛ لأنه كان يعتقد دومًا بأن الأفكار الخطيرة يمكن أن تعيث فسادًا واسع النطاق إذا اكتسبت أتباعًا، ولا يستطيع أقوى جيش منعها من الانتشار. وإلا فكيف يمكننا أن نفهم خوف كيسنجر المبالغ فيه من الشيوعية الأوروبية أو رد فعله الراديكالي على انتخاب الرئيس الاشتراكي المعتدل سلفادور أليندي في شيلي؟
يشير والت في ختام مقاله إلى أن الواقعي الكلاسيكي هانز مورغنثاو في كتابه “رجل العلم في مواجهة سياسة القوة” حدد الجذر الأساسي للصراع الدولي فيما أسماه “عداء الهيمنة”، أو الرغبة في الهيمنة التي يعتقد أنها متأصلة في الطبيعة البشري. ويشير إلى أن طلابه تنتابهم الشكوك عندما يقرؤون هذه الحجة، لأن معظمهم لا يرون أنفسهم مدفوعين للسيطرة على الآخرين بالطريقة التي يصفها مورغنثاو. لكن لو كان مورغنثاو يبحث عن مثال لتوضيح هذا المفهوم، لما كان من الممكن أن يفعل أفضل من كيسنجر، الذي لم يبذل أحد في التاريخ الأمريكي جهدًا أكبر أو أطول في اكتساب النفوذ والسلطة والاحتفاظ بها أكثر مما فعل؛ وهذا هو المعنى الوحيد بحسب والت الذي يمكن من خلاله اعتبار كيسنجر الطفل المدلل لواقعية ما بعد الحرب العالمية الثانية.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2023/12/05/was-henry-kissinger-really-a-realist/



