ميخائيل ليند
ترجمة التحرير
في مقاله المنشور مؤخرًا في مجلة نيو ستيتسمان (New Statesman) البريطانية تحت عنوان “The last days of Pax Americana” (الأيام الأخيرة من السلام الأمريكي) [[1]] يقول المؤرخ الأمريكي ميخائيل ليند إنه قبل عقد أو عقدين فقط من الزمان، كانت النخب على ضفتي الأطلسي تتعامل مع محاولات التصدي للعولمة باعتبارها أمراً لا يمكن تصوره؛ ففي عام 2000، أعلن الرئيس بيِل كلينتون أن “العولمة ليست شيئًا يمكننا تأجيله أو إيقافه، فهي المعادل الاقتصادي لقوى الطبيعة، مثلها مثل الرياح أو الماء”. وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عام 2019، بقوله إن: “العولمة هي قوة طبيعة، وليست سياسة: إنها حقيقة”.
لكن العولمة بحسب ليند كانت دائما سياسة، وليست قوة من قوى الطبيعة. وإقرارًا بأن العولمة ظاهرة مصطنعة، فقد عرَّفها بعض المدافعين عن نظام ما بعد الحرب الباردة الذي يتداعى الآن بأنها: “النظام الدولي القائم على القواعد”، الذي يعود تاريخه إلى محاولة تجاوز الحرب والحمائية من قبل المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بعد عام 1945”. ولكن أيضاً هذا التعريف لا يزال محيرًا في جوهره وفقًا للكاتب، فقد كان مشروع العولمة الذي يتدهور اليوم محاولة لتوسيع الكتلة الأمريكية لتشمل الدول الصناعية المتقدمة أثناء الحرب الباردة، والعالم الثالث ما بعد الاستعماري، ثم لدمج الدول الشيوعية السابقة بعد نهاية تلك الحرب.
قي هذا السياق أطلقت الولايات المتحدة على تحالفها الدولي بين أربعينيات وثمانينيات القرن المنصرم اسم “العالم الحر”، وهو تعبير مضلل، لأن معظم تحالفاتها خارج أوروبا الغربية- في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط- كانت في الحقيقة مع أنظمة استبدادية. أما «باكس-أمريكانا» أو “السلام الأمريكي” فيبدو مصطلحًا أكثر حيادية ويصور الجوانب شبه الإمبراطورية لهذا النظام، الذي كان أكثر مرونة من الإمبراطوريات التقليدية، ولكنه أكثر تكاملاً وإدارة من التحالف البسيط أو مناطق التجارة الحرة.
في المجال الاقتصادي، وفرت الولايات المتحدة إمكانية الوصول المفتوح إلى سوقها الاستهلاكية، وهي السوق الأكبر في العالم. وهذا كان مهمًا بشكل خاص بالنسبة لثاني وثالث أكبر الدول الرأسمالية: اليابان وألمانيا الغربية؛ بعد أن خسرت السوق الصينية عندما استولى الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ على السلطة في عام 1949، وبعد أن حرم الستار الحديدي ألمانيا الغربية على نحو مماثل من أسواق التصدير الألمانية التقليدية في أوروبا الشرقية.
وقد اشتكى المنتجون الأمريكيون من المنافسة على الواردات اليابانية والألمانية، خاصة بعد أن تعافت هاتان الدولتان بالكامل بحلول السبعينيات والثمانينيات. لكن الإدارات الرئاسية منذ أيزنهاور فصاعدا وقفت ضد النزعات الحمائية المحلية- رغم أن الولايات المتحدة قبل عام 1945 كانت واحدة من أكثر الدول الحمائية على وجه الأرض- لصالح وحدة صف تحالفها الدولي خلال الحرب الباردة، وبغرض الحصول على قواعد عسكرية جديدة في الخارج أو الحفاظ عليها. وفي هذا النوع من تقسيم العمل على المستوى الدولي في إطار السلام الأمريكي، شنت الولايات المتحدة الحروب، وصنعت اليابان وألمانيا السيارات.
مع نهاية الحرب الباردة، دارت مناقشة كبيرة حول مستقبل الاستراتيجية الأميركية، وعاد الخوف في واشنطن من رجوع اليابان وألمانيا إلى سابق عهدهما كقوى عظمى. ويشير الكاتب إلى أنه في وقت قريب من تدخل حلف شمال الأطلسي في حرب الخلافة اليوغوسلافية، أخبره رئيس سابق لوكالة الأمن القومي أنالأمريكيين: “بحاجة إلى مائة ألف جندي في البلقان لمراقبة الألمان.”
في التسعينيات رأى معظم المسؤولين الأميركيين ونخب رجال الأعمال أن الصين لا تشكل تهديداً عسكرياً محتملاً، بل سوقاً عملاقة، والأهم من ذلك، مصدراً للعمالة منخفضة الأجر غير النقابية لصالح لشركات المتعددة الجنسيات التي يوجد مقرها في الغرب. وقد تحقق بذلك ما حذر منه المؤرخ الأمريكي تشارلز بيرد عام 1934 عندما قال: “في ظل التجارة الحرة العالمية، ستكون هناك حركة للصناعات التحويلية من المناطق ذات الأجور المرتفعة، والتشريعات الاجتماعية الصارمة، والنقابات العمالية القوية، إلى المناطق المتخلفة حيث الأجور منخفضة، والتشريعات الاجتماعية لا تكاد تذكر، إن لم تكن غائبة”.
من جهة أخرى، عوضًا عن نقل الوظائف إلى العمال ذوي الأجور المنخفضة في الخارج، كان ثمة مسار آخر بديل ألا وهو استيراد العمال ذوي الأجور المنخفضة للقيام بوظائف في الداخل في كل من الولايات المتحدة وأوروبا بعد الحرب الباردة، حيث قامت تحالفات من أرباب العمل والمنظمات الإنسانية غير الربحية بالضغط على الحكومات من أجل التوسع المستمر في الهجرة بجميع أنواعها من: المهاجرين الشرعيين المنضوين تحت فئات مختلفة، واللاجئين، وكذلك المهاجرين غير الشرعيين.
وكان من المحتم أن يؤدي ذلك التخلي عن الصفقة التي عُقدت بعد عام 1945 بين رجال الأعمال والطبقة العاملة في الديمقراطيات الغربية، التي كانت تقضي بمبادلة الأجور المرتفعة باستهلاك مرتفع من الطبقة العملة للسلع من المصانع المحلية؛ إلى خلق ردود أفعال شعبوية عنيفة مضادة للعولمة لدى اليمين واليسار على امتداد الطيف السياسي.
ويشير ليند في ختام مقاله إلى أن العولمة اليوم تجاوزت فائدتها كأداة للهيمنة الأمريكية، تاركة في أعقابها مشاكل طويلة الأمد تتمثل في تراجع التصنيع وعدم المساواة. ورغم أن السلام الأمريكي في عقده الثامن في أوروبا وشرق آسيا، إن لم يكن على الصعيد العالمي برمته، ما يزال حيًا، إلا أنه الآن ليس في أفضل أحواله.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/geopolitics/2023/09/last-days-pax-americana



