صدر حديثًا عن “الشبكة العربية للأبحاث: والنشر كتاب جديد تحت عنوان «أهل السُنَّة والجَماعة: مقالة في النشأة والظهور» للمؤرخ والأكاديمي د. بشير نافع (2023)، ويتناول هذا الكتاب الذي يقع في 494 صفحة من القطع الكبير تاريخ أهل السنة والجماعة بدءًا من أواخر القرن الأول الهجري “أوائل الثامن الميلادي”، وحتى منتصف القرن الخامس الهجري “الحادي عشر الميلادي”؛ وذلك من خلال دراسة أهل الحديث والمتكلمين والفقهاء والمتصوفة، وتعقب تحولات العلاقة بين السلطة السياسية وأهل السنة والجماعة. [[1]]
يسعى نافع في هذا الكتاب إلى كشف الغموض الذي ما يزال يحيط بنشأة أهل السنة والجماعة وتاريخهم، رغم أنهم السواد الأعظم من المسلمين؛ وهو ما يشكل مفارقة مقارنة بحجم المعرفة المتوفرة عن تاريخ نشأة المذاهب والطوائف في الإسلام كالزيدية، والإثنى عشرية، والإسماعيلية وغيرها. ويحاول نافع الإجابة عن سؤال من أولئك الذين عُرِفوا بدايًة باسم أهل السنة والجماعة؟ وفي أي سياق تاريخي تشكل هذا التيار الرئيس في الإسلام وسط جميع الفرق والمجموعات العقدية والسياسية في صدر الإسلام؟ وما طبيعة علاقة أهل السنة بالسلطة ومؤسسة الخلافة؟ وكيف تطورت هذه العلاقة؟ وكيف تشكلت وتبلورت تصورات أهل السنة للدين وأصوله؟
يتكون الكتاب من تمهيد وثمانية فصول، ويتناول نافع في البداية تاريخ نشأة مصطلح “السنة والجماعة” بعد نهاية عهد الخلفاء الراشدين وبدء الفتنة الكبرى. ثم يستعرض نشأة المدارس الفقهية ويشير المؤلف أن أهل السنة والجماعة لم يخوضوا غمار الجدل في حقل “علم الكلام” إلا مضطرين، ولاسيما بعد مسألة خلق القرآن في عصر المأمون واستعانة المعتزلة بالسلطة في فرض آرائهم، وهو ما أدى إلى ظهور أربعة من أئمة علم الكلام لدى أهل السنة والجماعة في القرن الرابع الهجري، وهم: أبو الحسن الأشعري، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو منصور الماتريدي، وأبو القاسم السمرقندي، ويتوقف المؤلف ليستعرض سيرة كل واحد من هؤلاء.
يتناول المؤلف كذلك التصوف وموقعه من أهل السنة والجماعة، ويشير إلى أنه مر بمرحلتين، مرحلة الزهد في القرنين الأول والثاني لدى بعض الصحابة مثل أبي ذر الغفاري وبعض التابعين، ثم مرحلة التصوف العرفاني حتى القرن الرابع والخامس الهجري الذي تبلور خلاله التصوف وانتشر كتيار واسع بين المسلمين ولاسيما في العراق وخراسان. ويتناول نافع أيضًا فترة قوة وعنفوان الدولة الأموية والفتن وحركات التمرد والخروج المسلح التي شهدتها مثل ثورة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وثورة المختار الثقفي، وثورة ابن الأشعث. ثم يتناول المؤلف الفترة العباسية وما شهدته من نشاط علمي وحراك سياسي واجتماعي واسع، ويتأمل طويلاً في محنة “خلق القرآن” التي شهدت الاضطهاد الجماعي لأهل السنة. كما يتناول المؤلف الدول والسلطنات التي تشكلت على امتداد أرجاء العالم الإسلامي بعد ضعف مركز الخلافة في بغداد.
ينهي نافع كتابه بخاتمة يستعرض فيها الملامح الرئيسية التي خلص إليها في هذه الدراسة، ويؤكد نافع فيها أن أهل السنة والجماعة لم يكونوا أبدا صنيعة للسلطة السياسية، وأنهم لم يتصرفوا أبدًا كطائفة، بل حمل خطابهم هاجسين رئيسيين، وحدة وتماسك الجماعة المسلمة وتضمن استمراريتها على هدى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا لقي هذا التيار استجابة عفوية واسعة من عموم المسلمين وأصبح هو التيار والمذهب السائد.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف د. بشير نافع هو أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في الكلية الإسلامية ومعهد بيركبك في جامعة لندن. وتتركز اهتماماته البحثية على حركات الإسلام السياسي، والحركة الإصلاحية، وسياسات الشرق الأوسط. وله العديد من المؤلفات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية حول تاريخ القومية العربية، والقضية الفلسطينية، والحركات الإسلامية، وتاريخ الفكر الإسلامي.
[[1]]“أهل السُنَّة والجَماعة ؛ مقالة في النشأة والظهور”، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.



