الثلاثاء 4 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

محمد عمارة: من الماركسية إلى السلفية

عبد الجبار الرفاعي by عبد الجبار الرفاعي
5 غشت 2023
محمد عمارة: من الماركسية إلى السلفية
0
SHARES
366
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

لأننا محكومون بالتراثِ وقيمِه وأحكامِه، ترسخت لدينا تقاليدُ الاحتفاءِ المبالَغ به بالأموات، والإفراطِ في الثناء على آثارهم، والإعلاءِ من قيمة منجزهم، وتجاهلِ ما أنتجته هذه الآثارُ من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة، في حياتهم وبعد وفاتهم. كتبتُ هذه المقالةَ بعد أن قرأتُ عشراتِ المقالات الرثائية للدكتور محمد عمارة[1]، الغارقةَ بالتبجيل والثناء. بعضها كتبها باحثون أحترم تكوينهم المعرفي وخبرتهم الجادة بالتراث، وأعرف كتاباتِهم النقدية، لكن رهبةَ الموت والخوف من بطشه المفاجئ تربكنا لحظةَ موت الكبار، فنضطر لحذف كل ما يزعجنا في صورتهم. الكبار في مخيالنا لا يموتون، فننسى كلَّ شيء كتبوه وفعلوه، وننشغل بتسطير مناقب أكثرها مفتعلة لهم. ارتكبت أنا ذلك قبل سنوات، عندما كتبت مقالة كلها مناقب، لأحد أصدقائي، بعد أن أربكني الموتُ، فأنساني كلَّ أخطائه لحظة وفاته.

لم يتنبّه بعضُ مَن كتبوا عن محمد عمارة لتحولاته، ورحلتِه الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاتِه الاعتقادية المتعددة، وكيف أضحت آثارُه المتأخرة تنقض كتاباتِه المبكرة. نقرأ كتاباتٍ تصنّفه على أنه مفكرٌ تنويري، وعقلاني، ومجدِّد، وأحدُ رواد النهضة، وغيرُ ذلك من توصيفات، لا ينطبق أيُّ توصيف منها عليه في محطته الاعتقادية الأخيرة.

  تقلّب محمد عمارة في عدة محطات اعتقادية، كان يتنقل منذ أربعينيات القرن الماضي من أيديولوجيا إلى أيديولوجيا، يتقلب مع تقلبات الموجات السياسية، ففي الأربعينات انخرط في حزب “مصر الفتاة”. ظل محمد عمارة مفكرًا ملتزمًا، عاش كلَّ حياته وفيًّا للأيديولوجيا السائدة، يتحمّس في كل مرحلة من حياته الفكرية لما يتبنّاه من معتقدات، حتى لو كانت على الضدّ من معتقداته السابقة، ويكرّس كتاباته للدعوة إليها والتثقيف عليها. كان بارعًا في إعلان آرائه وتسويقها والدفاع عنها، ففي كل محطة اعتقادية ينتقل إليها يعلن تمسكه بها بقوة، ويدعو إليها ويبشّر بها. البراغماتية الاعتقادية لعمارة تحكّمت كبوصلة لهجرته بين المعتقدات. في خمسينيات القرن الماضي انتقل إلى الماركسية التي مكث فيها عقدًا من الزمن، وقادته إلى السجن أواخر الخمسينيات أيام جمال عبد الناصر، ومكث فيه لسنوات 1959-1964. وتحول بعد ذلك إلى الاعتزال، فكتب رسالته الماجستير سنة 1970 عن “المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية” في ضوء الدراسة والتحقيق لمجموعة “رسائل العدل والتوحيد”، وأطروحته للدكتوراه 1975 حول: “نظرية الإمامة وفلسفة الحكم عند المعتزلة”. وتحول الى وسطي محافظ في عقيدته الدينية في الثمانينيات بعد صعود موجة “الصحوة الإسلامية”، وانتقل أخيرًا إلى السلفية التي مكث فيها حتى وفاته، بعد اجتياح الموجة السلفية لوطنه مصر ومعظم بلدان عالم الإسلام. في خريف عمره كان يتشدد وينغلق كلما تقدم به العمر. ضاقت رؤيته وانغلقت فصار يتبنّى كل شيء في التراث، مهما كان متشددًا، على ما كان عليه، وتعاطى معه بوصفه منجمًا يزودنا بكل شيء تتطلبه حياتُنا في الدنيا والآخرة، وفي الحاضر والمستقبل. والتنكّر لكل علم ومعرفة تنتمي إلى العصر، بذريعةِ أصالةِ كل ما ينتمي للماضي، واتهامِ كل معرفة تنتمي للحاضر.

 يفرض محمد عمارة عليك أن تحترم عصاميتَه وعدم انخراطه بالعمل الوظيفي. زهد بالوظيفة، وتخّلى عن التدريس بالجامعة طوعيًّا. أراد أن يتفرّغ لمهمته الفكرية، كما حدّثني عن ذلك سنة 1998 قائلًا: “آثرت منذ البدايات ألا أهتم بالوظائف، وكنت أعتبرها لونًا من الرِّق، فتحررت منها، وعكفت على مشروع الفكر والعمل التأليفي، ولم أذهب إلى التدريس، لا في جامعاتنا، ولا في جامعات النفط والخليج والإغراءات المالية. عشت للمشروع الفكري”.

 عندما كان يحلم بالثورة، على طريقة اليسار في مجتمعاتنا، انتقل إلى “اليسار الإسلامي”، وحقّق ونشر سلسلةً مختارةً من أعمال رواد عصر النهضة العربية، في سلسلة مجلدات في سبعينيات القرن الماضي. إذ نشر آثار: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وعبد الرحمن الكواكبي، وعلي مبارك. وكتب مقالات عن شخصيات إسلامية متعددة، ونشر ذلك في كتاب كبير هو “مسلمون ثوار”.

  وإن كان محمد عمارة عاش أكثر مراحل حياته الفكرية في سجن الأيديولوجيا، لكن انتقالَه من سعة العقل المعتزلي ورحابته إلى انغلاق العقل السلفي واختناقه، يدعونا للتساؤل، ليس عن تكوينه المعرفي ومنطق تفكيره الذي كان يفرض عليه أن يهرب للماضي كلّما تقدّم به العمرُ، بل عن شيوعِ هذه الظاهرة في الفكر العربي المعاصر، والبنيةِ العميقة لمنطق تفكير عدة مفكرين لم يجدوا ملاذًا لهم، بعد تقدّم أعمارهم، إلا بالهجرة الكلية إلى الماضي، بعد حياة فكرية في المراحل الأولى تسودها العقلانيةُ النقدية، وأحيانا الدعوةُ للقطيعة مع التراث لدى بعضهم.

  إن الرحلة الفكرية لمحمد عمارة لم تكن الاستثناءَ من مفكري جيله الذين تنقّل غيرُ واحد منهم في عدة محطات، إذ بدأ بعضُهم عقلانيًّا نقديًّا، متحرّرًا وربما متمرّدًا، يفكر في فضاء رحب، بلا أطر أيديولوجية، وبلا مرجعيات اعتقادية، وبلا قيود صارمة، وبلا حدود مغلقة، وبلا سقف نهائي تتعطل عنده كلُّ الأسئلة، وتموت فيه كلُّ الأجوبة. لكن عقل هؤلاء بدأ يتعطل بالتدريج مع كهولتهم وتقدّم أعمارهم، إلى أن غادر العقلُ تساؤلاتِه ومواقفَه النقدية وبصيرتَه النافذة، وجرأتَه في اقتراح الأجوبة، وكأن بعضَهم تابَ من إثمٍ عقلي ارتكبه، فدخل نفقًا، أو آوى إلى كهف في المرحلة الأخيرة من حياته، يعتكف به، ليحتمي به من قلق الموت الوشيك الذي بات يهدّد شيخوختَه، ويلوذ بالماضي من وهن جسده، وضعف قدراته، وعجزه وغربته ووحدته.

من تراث النهضة الحديثة إلى تراث القرون الأولى                                

  رحل محمد عمارة من تفكيرٍ عقلاني واسع إلى تفكيرٍ ضيق اختنق هو فيه، وخنق مَن أسرته أفكارُه. هاجر من الماركسيةِ إلى اليسارِ الإسلامي، ومن اليسارِ الإسلامي وإحياءِ تراث عصر النهضة العربية الحديثة إلى تراثِ القرون الهجرية الأولى. اهتم بعلم الكلام المعتزلي، فكتب رسالتَه الماجستير حول مشكلة الحرية في فكرهم، وأطروحتَه للدكتوراه حول الإمامة وفلسفة الحكم لديهم، وحقَّق مجموعةَ رسائل مهمة للمعتزلة، كما أشرنا. في مرحلةٍ لاحقة أرستْ سفينتُه في محطةٍ اعتقادية تغلبت فيها سطوةُ السلطة السياسية على صوتِ العقل، عندما انتقل من الاهتمامِ بتراث المعتزلة إلى أبعدِ تراثٍ عن مقولاتهم الكلامية، فكرّس جهودَه على التقاط المقولات الكلامية المناهِضة للعقل والحرية وما هو على الضدِّ من الكلام المعتزلي. كأن عمارةَ يستأنف هجرةَ مؤسِّس الأشعرية أبو الحسن الأشعري، الذي رحل من الاعتزالِ واشتقَّ نهجًا في علم الكلام فرض حضورَه على الحياة الاعتقادية لكثير من المسلمين، وتحولت الأشعريةُ إلى العقيدةِ الرسمية لسلطة الخلافة[2]، وأوقفت أيةَ محاولةٍ للاجتهاد في علم الكلام خارج آفاق رؤيتها، وشكلت الأرضيةَ لكلِّ علومِ الدين ومعارفِه. مَن يواكب محطاتِ محمد عمارة الاعتقادية لا يحتاج شاهدًا على براغماتيته الاعتقادية، تراه في كلِّ مرحلةٍ صدىً للموجة الاعتقادية الطاغية، بصعودِ اليسار يصبح يساريًا، بطغيان موجةِ “الصحوة” أضحى صحويًا، بتفشي السلفيةِ يمسي سلفيًا.

  صار محمد عمارة يفكر بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث، لا يرى رأيًا خارج هذا التراث، ولا يفكر تفكيرًا خارج مداراته، ولا يصغي لسؤال خارج أسئلته، ولا يبحث عن جواب خارج أجوبته المكررّة، ولا يرى مسارًا خارج مسالكه، ولا يقبل معرفةً في الدين خارج معارفه، ولا يقبل علمًا في الدنيا مالم يكن ممهورًا ببصمته.

 الاحتماءُ بالتراث والدعوةُ للعودة لماضي الأمة وعلوم ومعارف الآباء هو المشترَكُ بين محمد عمارة وهؤلاء المفكرين التوابين من إثم التفكير العقلاني كما يتوهمون، ومشترَكٌ آخر ينصبّ على التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، بذريعة أن تراثَنا يختزن كلَّ ما تتطلبه حياتُنا، وكلَّ حلول مشكلاتنا، وأن المعرفةَ والعلومَ الحديثة مادامت ولدت في بيئة غربية، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يردّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعة وعبارات مختلفة، وصياغات ملتوية أحيانا، تتوحد في أنها تدعونا لأن نرفض كلَّ معرفة أنتجها العقلُ البشري خارج عالَمنا، بنحو أمسى تكرارُها المبتذَل في كتابات القوميين والإسلاميين يصيبك بالغثيان، كلهم مازالوا يردّدونها منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم. هذه الذريعة يكذّبها الواقع، فلا نحن اكتشفنا فلسفتَنا وعلومَنا ومعارفَنا التي تستجيب لواقعنا، وتولد في سياقات ديانتنا وثقافتنا وهويتنا وخصوصيتنا وراهن مجتمعاتنا، ولا نحن تحرّرنا من عقدة الارتياب من العلم والمعرفة الحديثة.

  في المعرفة والعلم الحديث ما هو كوني عابر لمعتقد وثقافة الإنسان الذي اكتشفه. إنه يعبّر عن جوابٍ لأسئلة الحياة واحتياجات الإنسان، بغضّ النظر عن الزمان والمكان الذي يعيش فيه. الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة أعادت تشكيلَ العقل الذي قدّم للبشرية كلَّ هذه الاكتشافات الباهرة، ووضع الإنسانَ في مسار جديد، مكّنه من أن يكون أشدَّ حذاقة في إجابة أسئلة الطبيعة الصعبة وتحدياتها المنهكة، وأذكى في إجابة أسئلة حياته الحائرة.

  محمد عمارة من أغزرِ الكتّاب الإسلاميين إنتاجًا، وأكثرِهم مثابرة، وأغناهم تنوعًا، بلغت آثارُه نحوَ 250 عنوانا في مختلف الموضوعات. في كلِّ مراحل حياته الفكرية ومحطات اعتقاده سجّل حضورًا لافتا في الصحافة والدوريات ودور النشر.

  كانت مواقفُه في ربع القرن الأخير من حياته لا تطيق المختلِف في اجتهاده، كموقفه الشديد من فكر نصر حامد أبو زيد، ولا تطيق المختلِف في معتقده. وكأنه لا يعرف أن الله مطلق، وأن معرفة الإنسان بالله نسبية، بوصفها محدودة: بوجوده المحدود، وطبيعته البشرية، وآفاق وعيه، وثقافته، ونمط رؤيته للعالم، والزمان والمكان الذي يعيش فيه، وأن نسبية معرفة الإنسان بالله تعني تنوع وتعدد الطرق إلى الله. يعرّف محمد عمارة الكفرَ، في كتابه: “فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية”، كما ينقل عن الغزالي، هكذا: “الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به، والإيمان بتصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول صلى الله عليه وسلم. هذا لأن الكفر حكم شرعي، كالرق والحرية مثلًا، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص أو بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى”.[3] يتبنى محمد عمارة هذا التعريف ولا ينقده أو يناقشه، لذلك أثار كتابه هذا ضجة كبيرة عند صدوره[4]. يستخدم محمد عمارة لغةَ هجاءٍ عنيفة في الحديث عن المفكر الذي لا يستسيغ أفكارَه أحيانًا، فمثلا يصف سلامة موسى بالوقاحة والنفاق، عندما يقول: “هكذا تكلم سلامة موسى، فبلغت صراحته حد الوقاحة، وكانت له فضيلة الإعلان عن كثير مما يبطن المنافقون من المتغربين”[5].

  يسود كتابات محمد عمارة تفكيرٌ تبسيطي، يتوقف عند السطح، ولا يشأ أن يتوغل في اكتشاف الطبقاتِ التحتية المولّدةِ للأفكار والظواهر المجتمعية. تتحكم بتفكيره أدواتٌ نهائيةٌ يفسِّر فيها كلَّ شيء، ولا يتردّد في إطلاق أحكام اتهامية، لا صلةَ لها بالفكر، عندما يتحدث عن بعض المفكرين وكتاباتهم. في حديثه عن طه حسين مثلًا يتهمه بأنه وقع تحت تأثير زوجته الفرنسية وعمّها القسيس، بقوله: “الرجل تزوج امرأة فرنسية، وعمها قسيس أثّر فيه بعمق”[6]. لا تخلو لغة عمار من هجاء وتهم جزافية لمن يكتب عنهم.

  ترك محمد عمارة بصمتَه الفكرية في كل مؤسسة أو مركز أبحاث أو مجلة انخرط فيها، في المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومشروعه لإسلامية المعرفة الذي كان أحدَ مستشاريه، تغلبّت على مشروع إسلامية المعرفة نزعةٌ تراثيةٌ مغلقة، تراجعت معها آفاقُ التفكير الاجتهادي النقدي الذي كان يعدُ به المعهد عند تأسيسه. كان محمد عمارة ضدّ طباعة كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية”، الذي كتبه صديقنا محمد أبو القاسم حاج حمد، تلبية لطلب رئيس المعهد وقتئذٍ الصديق الشيخ طه جابر العلواني، ولبث الكتاب سنوات طويلة غير مطبوع. بعث لي الصديق محمد همام بنسخته المصورة عبر البريد، من المغرب “أغادير”، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت طه العلواني، فأجاز لي طباعته وتوزيعه. كان المؤلف شديد الحرص على طباعته، فأصدره مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، خلافًا لإرادة إدارة المعهد التي حجبت مخطوطته سنوات طويلة عن القراء. ألفَ حاج حمد كتابه سنة 1991، ولبث في المخطوطة حتى سنة 2013 عندما بادر مركزنا بنشره.

  هكذا رأيتُ أن تأثيرَ محمد عمارة طغى على مجلة المسلم المعاصر[7]، هذه الدورية التي غامرتْ بمناقشة قضايا منسية عند صدورها، وأثارت أسئلةً جريئةً، وفتحت نافذةَ ضوءٍ لتفكير عقلاني نقدي، يتخطى المتعارفَ في أدبيات الإسلاميين المبسطة. كانت تربطني علاقةٌ شخصية بصاحبِ المسلم المعاصر ورئيسِ تحريرها جمال الدين عطية، وبأخيه محيي الدين عطية، وكنت حريصًا على مطالعة أعدادها، وترقب صدورها. فوجئت عند صدورها بدعوة هذه المجلة إلى اجتهادٍ معاصرٍ يتجاوز التراثَ مرتين: يتجاوزه مرةً بالتحرّر من ركام القراءات المختلفة، مما أنجزه المسلمون منذ عصر التدوين إلى اليوم في علوم المنطق والفلسفة والكلام والتصوف، والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والتي حجبت الكتابَ الكريم والسنّةَ الشريفة، وشكّلت بالتدريج جدارًا صلدًا يحول دون استلهامهما والاتصال المباشر بهما. ويتجاوز الاجتهادُ الذي تدعو إليه “المسلم المعاصر” التراثَ مرةً أخرى بالتحرّر من مشاغله وهمومه التاريخية، والاندماج بالعصر، ناهلًا من معارفه ومكاسبه العلمية، ومتفاعلًا مع قضاياه، وواعيًا لمشكلاته، ومستشرفًا لمستقبل أمثل.[8]

  سألت محيي الدين عطية عن سبب تأخر صدور أعداد المجلة في الثمانينيات من القرن الماضي، فأخبرني بافتقاد المسلم المعاصر فجأة لعدد كبير من الاشتراكات لمكتبات الجامعات السعودية. المسؤول المباشر في الوزارة عن الاشتراكات أوقفها كلها، لأنه يرى الأفكار التي تنشرها المجلة منحرفة ضالة. وأضاف عطية أن أحد الأصدقاء نقل له عن محمد قطب “المتوفى 2014 ” الأخ الأصغر لسيد قطب قوله: “إن مجلة المسلم المعاصر تأسست لمواجهة فكري وفكر أخي سيد قطب”.

  بعد أن أضحى محمد عمارة أحدَ أعمدة هذه المجلة، تقلّص فضاءُ التفكير الحر فيها، وانحسرت مساحةُ الاجتهاد والنقاش والأسئلة الكبرى على صفحاتها. لفت نظري هذا التحولُ في نهج هذه المجلة التي كانت غريبةً بين ركام المجلات الإسلامية المعروفة، فسألتُ صديقا من محرّري المسلم المعاصر، قبل عشرين عاما، عن سرّ هذا التحول المثير الذي افتقدتْ معه المجلةُ رسالتَها المعلنة، وانكفئت على نفسها، وانطفأ ألقُها، وغاب عنها بعضُ كتّابها الجسورين، والذي حدث بعد مرور سنوات على صدورها، فأجابني: إن دخول محمد عمارة الفاعل والمؤثر على تحرير المجلة، عمل على توجيه بوصلتها باتجاهٍ على الضدِّ من وعود هذه المجلة عند صدورها، فهو لا يستسيغ ما كانت تنشره من اجتهادات ونقاشات وأسئلة في سنواتها الأولى.

  كان فكرُ محمد عمارة فاعلًا ومؤثِّرًا على مدى ستين عامًا، ومهما اختلفنا معه، ينبغي أن نعرب عن الأثر الفائق الأهمية لآثاره في تدافع الأفكار وتصارعها في عالَمنا. وإن كان محمد عمارة يضيق ذرعًا بالاختلاف في محطته الاعتقادية الأخيرة، وكأنه لا يدري أن الاختلافَ شرطُ حياة كلِّ فكر حي، وضرورةٌ لتجديده، لأن طاقةَ الحياة الخلاقة في اختلافها، وجمالَها في تنوّع ألوانها، وحيويتَها في تعدّد أشكال تجلياتها، وفي تضادّ تعبيراتها نكتشف المنبعَ الأثرى لديناميكية تغييرها[9].

السلفية المحطة الاعتقادية الأخيرة لمحمد عمارة

 لا ينبغي أن ننسى بعضَ مواقف وكتابات محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، التي كانت تحريضيةً قاسيةً ضدّ مفكرين عقلانيين، بل ضدّ كل من يراه خارجًا على فهمه للدين والتراث. كان محمد عمارة أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد، ويستبيح دمه. عند “التحقيق مع أحد من قتلوا فرج فودة أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى دينية بقتل المرتد. وحينما سأله المحقق، لماذا قتلت فرج فودة؟، أجاب: لأنه ينشر كتبًا تدعو إلى الكفر والإلحاد. تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب”. وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب “لنحرق قلب أهله عليه أكثر”[10].

  تورط محمد عمارة بترديده عبارات السلفيين الجاهزة لمعتقدات وتراث المسلمين الذين يؤمنون بمعتقد لا يطابق معتقده. في محطته الاعتقادية الأخيرة انخرط محمد عمارة في موجة الهجوم العنيف ضد الشيعة واتهام معتقداتهم وتراثهم، على الرغم من أنه يعرف التراث الشيعي بشكل ممتاز، وكانت تربطه صلات مع علماء الشيعة، وقد أعرب أمامي عن احترامه لهذا التراث، وإعجابه بالتعليم الديني في الحوزات، وتبجيله للنزعة العقلانية فيه، غير أنه تمادى في كلامه ضد الشيعة، وترديد عبارات السلفيين الجاهزة واتهاماتهم المكررة لمعتقداتهم وتراثهم[11]. كذلك عمل على التحريض ضد المواطنين الأقباط في مصر.

 ولا ينبغي أن ننسى اصطفافَه مع الإخوان المسلمين، ودعمَ مواقفهم، بلا شروط أو تحفظ أو نقد، بمواقفه وكتاباته، حتى اليوم الأخير من حياته. وتناغمَت كتاباته ومواقفه مع السلفيين، فلم نقرأ له مراجعاتٍ نقدية، وهو الخبير بتراثنا البعيد والقريب، للسلفية الجهادية والقاعدة وداعش، والجماعات الدموية، أو إدانةً لمذابحهم وتدميرهم للمدن في سوريا والعراق، وسبيهم واستعبادهم للنساء من غير المسلمين من مواطني العراق وسوريا، واستباحتهم لأمن مجتمعاتنا، وتهديدهم للسلام العالمي[12].

  عملَ محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة على نشر التشدّد بين من يُصغي إليه من الشباب الإسلاميين، وهم ليسوا أقلية قليلة. بعد وفاته لم نقرأ من ينبّه هؤلاء الشباب إلى أن الرجلَ في محطته الاعتقادية لم يكن مجدِّدًا، ولا عقلانيًّا، ولا تنويريًّا، بل كان سلفيًّا مغلقًا، فوجدتُ من الضروري تنبيه مَن كان له ضميرٌ يقظ وعقلٌ سليمٌ على ذلك.

  المنهجُ الذي كُتِبَت فيه رثائياتُ محمد عمارة هو المنهج ذاتُه الذي كُتِبَت فيه مآثرُ ومناقبُ رجال السلف. منهجٌ يتساوى فيه الكلُّ، بغضّ النظر عن كلِّ ما فعلوه في حياتهم، يتساوى فيه: القاتل والمقتول، العادل والظالمُ، المجرمُ والبريء، والصالحُ والفاسدُ، بنحو نقرأ في كتابٍ واحد فصلًا يسوق مآثرَ ومناقبَ المقتول بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ القاتل، وفصلًا يسوق مآثرَ ومناقبَ العادل بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ الجائر.

  أتذكر أول من نبهني إلى ضرورة المراجعة النقدية لفكر سيد قطب هو حسن الترابي، عندما كنتُ تلميذًا في المرحلة الأخيرة من الثانوية، بعد أن قرأت مقابلةً معه في مجلة المجتمع الكويتية في سبعينيات القرن الماضي، إذ أشار بجملةٍ في سياق حديثه إلى وهن بعض مقولات سيد قطب وأخطائه، ومنذ ذلك الوقت بدأت مراجعةَ كتابات سيد قطب. كان حسن الترابي مفكرًا عقلانيًّا شجاعًا، لكن فكرَه كان ضحيةَ براغماتيتِه السياسية المكشوفة، وتلوّثِ سيرته بمراوغات السياسة ومكائدها.

  إيقاظُ الشباب وتحريرُ عقولهم ضرورةٌ يفرضها علينا الكمُّ الهائل من المفاهيم المتشدّدة والشعارات المتطرّفة التي يتلقونها كلَّ يوم عبر وسائل الإعلام، وما يُنشر من كتاباتِ أمثال محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، والتي تُسهِم بتنويمِهم، وتضييعِ أعمارهم في صراعات عبثية ضدّ مجتمعاتِهم، وضد العقلانيةِ والعلومِ والمعارف الحديثة، وقيمِ الحريات وحقوق الإنسان.

  هذا النص موجّهٌ للجيل الجديد، الذين لا يعرف عن سيرة محمد عمارة ومحطاته الاعتقادية شيئًا. يستمع بعضُ النابهين من الجيل الجديد إلى تجارب الآباء، وذلك يفرض على الآباء أن يكونوا أكثرَ صدقًا وشجاعةً في نقل تجاربهم المريرة إلى أبنائهم. أعمال محمد عمارة مكتبةٌ كاملة، متوفرةٌ في كلّ المكتبات، كتابتي عنه بهذا الأسلوب ضرورةٌ أخلاقية، لإيقاظ الشباب الذين تغويهم لغتُه، ومجادلاتُه الواضحة، المصاغة بأساليب المغالطات، وإن كانت تبدو لغير الخبير منطقية.

 محمد عمارة باحثٌ متمرّس في التراث، يمتلك خبرةً أفقية واسعة في مختلف حقوله. يكتب بأسلوب ذكي، يموهه بقناعٍ إصلاحي. كان في محطته الاعتقادية الأخيرة مهووسًا بالتحريض على التشدّد والعنف، مثلما يدعو السلفيون، كان يكتب بلغة مراوغة.

 الدينُ جاء ليحمي الإنسانَ من الكراهية والتشدّد والعنف، والفكرُ السلفي في كلّ الأديان والمذاهب عنيفٌ ببنيته الاعتقادية العميقة، لذلك هو على الضدّ من رسالة الدين في الحياة التي تنشد العدلَ والسلامَ والمحبةَ والرحمةَ والجمال. أكثرُ الكتابات السلفية وسلوكُ السلفيين تفرض على القلب النفورَ من الله وخلقه المختلفين في المعتقد، خلافًا لبعض شذراتِ المتصوّفة وسلوكِهم، وكتاباتِ التصوف “الفلسفي” وليس الطرقي، تفرض على القلب الوقوعَ في حبّ الله وخلقه وإن كانوا مختلفين في المعتقد.


[1]. ولد محمد عمارة في 8 -12- 1931 في قرية بمحافظة كفر الشيخ بمصر، وتوفي مساء الجمعة 28-2-2020 في القاهرة.

[2] أخرج الخليفة القائم بأمر الله “الاعتقاد القادري القائمي” سنة 432هـ وقرئ في الديوان بحضور الفقهاء. وكتب خطه تحته، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: “إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”. راجع: ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. بيروت: دار صادر، ج8: ص109 – 110.

[3]. محمد عمارة، فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، طبعة أولى، 2006، ص 31-32.

[4] محمد عمارة، فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، طبعة أولى، 2006، 120 ص.

[5] عمارة، محمد، الانتماء الحضاري للغرب أم للإسلام؟، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2009، ص 52.

[6] عمارة، محمد. طه حسين: ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 2015، ص24.

[7] صدر العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر في بيروت، في يناير 1974.

[8] راجع كلمة التحرير في العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر، الصادر في يناير 1974. وشهادتنا في تكريم مؤسسها جمال الدين عطية، بمناسبة مرور ربع قرن على صدور المسلم المعاصر: “من جمال الدين الأفغاني إلى جمال الدين عطية: العروة الوثقى تستفيق في المسلم المعاصر”، والمنشورة في أحد أعداد المسلم المعاصر.

[9] ناقشتُ محمد عمارة في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وحاورتُه حول “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام”، عندما خصصت الأعداد من 14 إلى 18 “للاتجاهات الجديدة في علم الكلام”، ونشرتُ حوارَه في العدد المزدوج 16-17 الصادر سنة 2001 لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد متاح على صفحة مركز دراسات فلسفة الدين: http://www.rifae.com/ ، وعلى قناة التلغرام: https://t.me/refaee.

[10] راجع مقالة: عبد الحكيم، أحمد، قصة المناظرة التي قتلت المفكر المصري فرج فودة، جريدة الإندبندت، الصادرة في الاثنين 10 يونيو 2019.

[11] للاطلاع يمكن مراجعة أحاديثه وحواراته الكثيرة المحفوظة على اليوتيوب.

[12] يقول الدكتور محمد حسين عويضة، رئيس نادي أعضاء التدريس بالأزهر في تصريحات لـجريدة الوطن: “رحم الله الدكتور عمارة، فلا نملك في هذه اللحظة إلا الترحم عليه، فهو بين يدي الله جل وعلا، وقد طالبناه في نادي أعضاء التدريس بالأزهر بالانسحاب من هيئة كبار العلماء، وعبرنا عن رفضنا وجوده بها، وضرورة إقالته أو تقديمه لاستقالته، لما كان يمثله من مرجعية للجماعة الإرهابية، فقد كان صاحب فكر مخالف للأزهر، ولكن للأسف استمر في عضويته بهيئة كبار العلماء حتى وفاته”. الوطن، القاهرة، 1-3-2020.

وسوم: الدينالرئيسيةالسلفية
عبد الجبار الرفاعي

عبد الجبار الرفاعي

مفكر عراقي، ‏متخصص في الفلسفة. من مؤسسي علم الكلام الجديد في المجال العربي. منذ أكثر من ثلاثين عامًا يكرّس منجزه لفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. مدير مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ورئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، منذ إصدارها عام 1997 وحتى اليوم. أصدر أكثر من 50 كتابًا.

التالي
"معالم التاريخ الديني للمغرب: الطرق والزوايا" جورج سبيلمان

مدخل أولي لكتاب: "معالم التاريخ الديني للمغرب: الطرق والزوايا" جورج سبيلمان

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر