الأربعاء 5 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

مذبحة العرفاء: مآلات التصوف والعرفان في المجال الشيعي

جعفر نجم نصر by جعفر نجم نصر
26 يوليوز 2023
مذبحة العرفاء: مآلات التصوف والعرفان في المجال الشيعي
0
SHARES
382
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

لم تتعرض جماعة دينية الى الاضطهاد أو التنكيل داخل المجتمعات الشيعية وعلى مدى قرون خلت، مثلما تعرض المتصوفة والعرفاء، فلقد مورست إزاءهم كل أساليب المراقبة والمعاقبة، فضلاً عن أساليب التشويه والتعمية الفكرية، ولقد كان الفقهاء الشيعة وبما يملكون من مكانة روحية وسطوة اجتماعية أكبر المراقبين والمعاقبين للفكر الصوفي والعرفاني وأهله، باستثناء مجموعة قليلة جدا منهم، والذين كانوا إما عرفاء يظهرون الوجه الفقهي فحسب، وأما من كان عارفاً وفقيهاً منهم في آن واحد، وهذه حالات نادرة جداً داخل الحوزات الشيعية.

إن هذين النسقين الروحيين المتداخلين (التصوف والعرفان) كانا يمثلان العدُوَّين التقليديين للحوزة ومقلديها من العامة، وكان ينظر لهما دائماً بوصفهما النقيض الروحي لمسار خط التشيع الإمامي، ولهذا فقد تم مناصبتهما العداء بصيغٍ متعددة، أيسرها اختلاق أحاديث ومرويات منسوبة لأهل البيت للطعن بهما وتسقيطهما من دائرة الاسلام مرةً، ودائرة التشيع مرةً أخرى، وأعلاها كانت أساليب الإبادة الجسدية والثقافية.

والإبادة الثقافية تعني أن مجموعة مهيمنة ومؤثرة تمتلك السلطة والنفوذ، تقصي مجموعة لا تتفق معها ثقافياً على عدة مستويات عن الحياة أو المشهد الثقافي، وبطرق متعددة، مرة تكون عن طريق التكفير، والاتهام بالهرطقة، ومرة تكون بالحصارات الاقتصادية المتنوعة، ومرة ربما تصل ذروتها إلى التصفية الجسدية.

إن هذه العملية المنظمة (الإبادة الثقافية) هي التي تمارسها حوزة النجف على مدى ما يزيد على أكثر من أربعة قرون من الآن، وهذه الإبادة تمت بمباركة ورعاية سياسية مباشرة في البدء من الدولة الصفوية (1501 – 1736) التي أرادت التخلص من الطرق الصوفية التي لها صلات وثيقة مع الدولة العثمانية آنذاك، وهذه مسألة سنرجع لها لاحقاً.

ولكن المسألة المهمة التي ينبغي توضيحها في البداية أن هنالك مقولات حوزوية علمية ومقولات ثقافية في حوزة النجف، فالمقولات العلمية هي مصدر قوة لها لأنها ذات مرتكزات عقلانية، وبالمقابل هنالك ثقافة حوزوية لها مقولاتها التي لا تمت بأية صلة إلى تلك المقولات أو النظام المعرفي/ الأصولي؛ لأنها تعبر عن سياقات ثقافية ومحيط نجفي خاص، يعبر عن إرادة شخصية أو شأن شخصي ثقافي لفقيه معين إزاء قضية معينة، وهذه المقولات والمرويات هي شأن شخصي تماماً، ولا تملك أية صفة علمية اطلاقاً.

ولكن مع الأسف عامة الناس لا تعرف ذلك، ومن العجيب أن الأمر ينطلي على طلبة الحوزة أنفسهم فيرددون بنهج أعمى تماما ما قاله الفقيه أو حاشيته أو المقلدون، ويزيدون عليه بمرويات أو مواقف شخصية، وبمرور الزمن تثبت هذه الثقافة الحوزوية لكي تعد بوصفها مقولة علمية وجزءا من النظام المعرفي الحوزوي، بل وذات سمة قدسية لأنها صدرت عن الفقيه الفلاني، وهنا تتكون القصص والمرويات والمواقف حتى تصبح حجة بين المتنطعين باسم المذهب والمنافحين عنه، والأمور كلها صناعة بشرية، ومواقف شخصية وذاتية ولا علمية فيها، ولكن في عقلية البسطاء والكثير من الحوزويين أن ما يقوله الفقيه هو (كلام مقدس) وجب اتباعه أيا كان هذا الرأي علميا أم موقفا شخصيا.

إن هذه المسألة تمثل إحدى المفاتيح الرئيسة لكي نفهم كيف أن مواقف شخصية ضد أهل العرفان قد تشكلت وتبلورت على مدى قرون داخل الحوزة، وأصبحت تتسم بالحجية والثبوت القطعي!!.

إن الإبادة الثقافية لا تتم إلا عبر صناعة العدو، أو كبش المحرقة كما أسماه الانثروبولوجي (رينيه جيرار) والذي يتم تدميره تحت شرعية قاعدة تأويلية تقوم على امتلاك المعنى المقدس واحتكار الحقيقة الدينية، والفقهاء منذ قرون مازالوا يحتكرون الحقيقة الدينية لأنفسهم حصراً ويعدون أنفسهم أصحاب الوصاية على الإسلام، مقابل العدو المهرطق، الزنديق، الكافر، خارج الملة، خارج الجماعة الدينية، الذي هو (المتصوف أو العارف)!!.

ومن ثم فإن الإبادة الثقافية تجري بعد ذلك تحت (سياسة الحقيقة) كما أسماها ميشيل فوكو، والتي تنتج تحت إكراهات متعددة، يقع الخطاب في مقدمتها، وهذا الأمر ممكن فهمه بسهولة إذا ما أدركنا أن (سياسة الحقيقة) الأصلية في الوسط الشيعي تمت بإدارة الدولة الصفوية التي أعادت إنتاج الحقيقة، وهذا ما سنوضحه لاحقاً.

ومن ثم فإننا ضمناً نتحدث عما اصطلح عليه الكاتب وائل حلاق بـ(الإبادة البنيوية)، والذي أراد بها تكاتف وتداخل مجموعة بنى ومؤسسات اجتماعية لتشكيل حالة الإبادة من حالتها الأبسط (الإبادة الثقافية) إلى حالتها الأعقد (الإبادة الجسدية الجماعية)، ولعل قوة حضور وهيمنة الخطاب الحوزوي الذي تتستر به مؤسسات كثيرة لمصالح مترابطة ومتعددة، فضلاً عن سعة عدد الدهماء والعامة من السذج، ومن ثم تداخل العمل الإعلامي الديني، الطوعي واللاطوعي، كل هذا أسهم بالفعل في تشكيل إبادة بنيوية ولعل القوة الاقتصادية (المالية) للفقهاء كان أداة مباشرة للهيمنة على رواتب المهتمين بالعرفان داخل الحوزة، بل امتد إلى التجار المقلدين، ومن ثم فإن الإبادة البنيوية كانت بأذرع اقتصادية في البدء.

معظم الأديان تعيش على معتقد وجود عدو يجب محاربته ومواجهته، ولقد كان (الشيطان) العدو الأبرز عند عدد كبير من الديانات، ولكن ليست هذه المسألة المهمة، الأهم هو هل المؤسسات الدينية كالحوزة وغيرها تصنع لها عدوا داخليا لأجل حماية الجماعة الدينية (الشيعة) منهم؟

من الواضح في الزمن البعيد والقريب أنه لم يكن للحوزة أعداء واضحون بنحو جلي ولو أخذنا الزمن القريب، هي لم تعاد الأيديولوجيات السابقة ولا المعاصرة (العلمانية؟) إلا في حالات فردية وفتاوى فردية أمثال تجربة السيد محمد باقر الصدر(1935 – 1980) الذي واجه المد الشيوعي نظريا والتمدد البعثي ميدانيا. ولكن من العجيب والغريب أنها كانت دائماً وإلى اللحظة الراهنة تعلن العداء الشديد ضد (العرفان وأهله).

ما الذي تخشاه الحوزة من العرفان؟ هل هو نظامه المعرفي/ العقدي والطقوسي؟ أم أنه يسلب منها مكانتها الروحية عند العامة ويأخذها صوب أهل العرفان؟ أم أنه يعتمد على عقائد وممارسات العرفاء التي تشوش على الجماعة الدينية (الشيعة) في عقائدها المتوارثة الفقهية الطابع كلها، ولهذا وجب حمايتها منه؟

لماذا لا تفتح مساحة أو فضاء للحوار الداخلي؟ وإعادة غربلة العرفان وعقائده وممارساته؟ بل لماذا لا تذهب صوب عقلنته بمنهجية شديدة، مادام أنه كان في نظرها مناف للعقلانية الدينية التي تقول بها؟ والسؤال الأهم هنا: لماذا حوزة النجف تعادي العرفان؟ وحوزة قم تحتضنه؟

ومن الممكن أن أضرب أمثلة قريبة العهد عن ذلك: لقد أصدر السيد أبو الحسن الأصفهاني (متوفي 1946) (زعيم الحوزة الدينية في بدايات القرن العشرين) قراراً تعسفياً بأن يذهب أستاذ العرفان والأخلاق المبرز آنذاك وأحد أكابر تلامذة العارف المعروف (السيد علي القاضي) (1866 – 1949) وهو السيد حسن أسد الله الموسوي المشهور ب(المسقطي) (متوفي 1948) إلى مسقط للتبليغ وترويج الدين!!، لأنه قام بإعطاء دروس في العرفان في الصحن الحيدري ولقد توفى السيد حسن في بلاد الغربة التي تنقل فيها (مسقط ثم الهند)!!.

والقرار شخصي ولا يمت لأية مبررات شرعية أبداً، ولكن لأن الحاشية قالوا لأبي الحسن إن السيد حسن سيقلب الحوزة الدينية إلى حوزة توحيدية وفقاً لما رواه العارف محمد حسين الطهراني (1926 – 1995)، فلهذا قام بإبعاده.

ولعل هذه المضايقات الكثيرة هي التي دفعت الكثيرين من تلامذة السيد القاضي على سبيل المثال إلى ترك الحوزة نهائياً والعيش بموارد محدودة، مثلما فعل السيد هاشم الحداد، والذي كان يقتات من عمله في الحدادة.

وكما تعرض السيد محمد حسين الطبطبائي (1904 – 1981) (صاحب تفسير الميزان) إلى المضايقات نفسها بعد قدومه إلى قم، وقيامه بتدريس كتاب (الأسفار) لملا صدرا الشيرازي (1572 – 1641)، وهو كتاب عرفاني أساسي كما هو معروف، إذ هدد آية الله حسين البروجردي (توفي 1961) بقطع رواتب طلاب الحوزة الذين يأخذون الدروس عند السيد الطبطبائي، ولكن السيد أصر على موقفه علماً أنه شخصياً طوال فترة حياته لم يتسلم أي راتب من الحوزة إلى وفاته!

وهنالك مواقف كثيرة وكثيرة لا حد لها، ولكن العامة والكثير من الحوزويين التقليديين يعدون مواقف الفقهاء هذه مواقف شرعية ومقدسة واجب اتباعها، وما هي في الحقيقة سوى نوازع شخصية ضد العرفان وأهله، بدليل أن لا برهان يقدموه في الحوزة بعد أوامرهم التعسفية تلك.

وتظل هذه المواقف الشخصية كما قلنا سابقاً تتكرر ويعاد إنتاجها بالوسط الحوزوي الثقافي لكي تصبح مقولات علمية تقدم للناس!! وهي لا تمتلك أية صبغة شرعية أبداً.

إننا نسعى في هذا المقال لتفكيك خطابين مؤثرين في العالم الإسلامي أحدهما يهيمن على قطاعات جماهيرية واسعة وهو خطاب (الفقيه) مقابل الخطاب النخبوي، العلمي، التفسيري بالضرورة وهو الخطاب (الأكاديمي)، وهذا الأمر استوحيناه من عالم النفس التحليلي (لاكان) والذي تحدث عن أربعة أصناف للخطابات: خطاب السيد، وخطاب الجامعي، وخطاب الهستيري، وخطاب المحلل، والخطابان الأخيران لا شأن لنا بهما.

وبالمناسبة الخطاب عند (لاكان) ليس وسيلة للتعبير الذاتي أو نحو ذلك، وإنما نظر إليه بوصفه الركن الرئيس في النظام الرمزي الثقافي العام والذي يكون مسؤولاً عن تشكيل المواقف وصياغة الوجود أو النظر إلى العالم وتفسيره.

فخطاب السيد هو خطاب الحقيقة لا خطاب العلم، فالسيد فوق كل علم ويرفض بكل قوة أن يخضع لهيمنته، لأنه يعي أن (العلم) هو دال لم يتخذ شكل سيادة، وإنما اتخذ شكل عبودية، وهذا يعني أن خطاب السيد يقال وهو مسند إلى ضمير المتكلم، ويقابله الطائع الدائم (العبد) أو من يمارس العبودية أو التعبد بأقواله!!، وهو الفقيه هنا بطبيعة الحال.

أما الخطاب الجامعي هو خطاب لا شخصي، ولا يتكلم باسم خاص، وليس له أي اسم ما عدا اسم العلم، وهو ليس بالضرورة خطاب الجامعة، فهذه التسمية (تجعله مشخصاً في مؤسسة) وإنما هو خطاب جامعي يطمح إلى الكونية، وهو ينبثق من موقع الحياد المثالي، وهو بالضرورة قد تخلص وتطهر من كل موقف ذاتي لأنه يتكلم باسم العلم، وليس هو فوق العلم كما في خطاب السيد (الفقيه).

إن محاولة تقديم خطاب مستقل/ جامعي (من جهة التحليل العلمي) لمسألة ما تعرض له الفكر الصوفي والعرفاني داخل الحوزة وخارجها، إنما يمثل محاولة لتبيان هيمنة النطاقات المركزية “Central domain” على الفكر الشيعي، والنطاق المركزي كما عرفه وائل حلاق هي فكرة أو مجموعة الأفكار الأساسية التي تنبع منها أو تدور حولها كل الأفكار الأخرى، التي تصبح هنا (هامشية) أو (فرعية)، فسيادة ووصاية الفقيه هي فكرة مركزية أساسية ابتلعت سائر الأفكار وهيمنت عليها، وجعلت مسألة (العرفان) أو (العرفاء) تدور في فلك (التقليد الفقهي) حصراً، مما ثبت من سطوة الفقهاء وأكسبهم الشرعية المطلقة.

فهذا المقال يحاول بيان أن هنالك أفكاراً جوهرية ينبغي أن تقرأ من جديد ويعاد النظر فيها لأهميتها الراهنية من جهة، ولضرورة وجود تكافؤ في أصوات الخطابات داخل الفكر الشيعي، الذي يهيمن عليه خطاب الفقيه، مقابل (خطاب العارف) الذي شُوِّه وأُقْصي من المشهدية الدينية الشيعية على مدى قرون خلت.

إن الوجه المهم لعلاقة الفقهاء بالعرفاء ضمن المناخ الشيعي، لا يمكن أن تدرك من دون منظور فوكو عن جدلية العلاقة بين (السلطة والحقيقة) وإعادة انتاج المعرفة، أو التي أسماها الإنثروبولوجي طلال أسد بمسألة (الانضباط) الداخلي، أي أن الحقائق الدينية تصوغها المؤسسة الرسمية، وبالتأكيد أن دخول العنصر السياسي سيكون حاكماً وناظماً لذلك كله.

ولهذا فان اللحظة التاريخية الأساسية التي أسهمت في إقصاء المتصوفة والعرفاء من المشهد الديني/ الشيعي، إنما تم عندما تأسست الدولة الصفوية، والتي كانت في الأصل حركة (صوفية) وهذا من المفارقات، ولكنها أرادت أن تمأسس التصوف والعرفان، وهذا الأمر لا يتم إلا على يد (مؤسسة الفقاهة) ولكن الأمر اقترن في البدء بأمرين مهمين، كما يقول وجيه كوثراني، لأجل بناء الدولة الصفوية (تنظيمياً).

أولاً: النقص الكبير في الثقافة الفقهية، وسيادة الفكر الصوفي، ومن ثم كانوا بحاجة إلى جلب فقهاء من حوزات لبنان والنجف، وتأسيس الدولة لا يتم إلا بوجود فقيه/ ومجموعة فقهاء يشرعون العمل السياسي.

ثانياً: الطريقة الصفوية لا تتحول إلى دولة، إلا بتوحيد القبائل (القزلباش) المتصوفة من الإيرانيين والأتراك والأكراد، وهذا الأمر يتطلب وصاية فقهية من الأعلى.

ولهذا وجد كامل مصطفى الشيبي بعدئذٍ أن التصوف المتشيع فقد عناصره الروحية تحت تأثير الفقهاء الشيعة، مما أدى في النهاية إلى ذوبان التصوف والعرفاء وثبوت التشيع الفقهي فحسب، وهذا الفعل ما جرى على يد الدولة الصفوية عبر أدواتها (الفقهاء) الذين جاؤوا من حوزة لبنان (جبل عامل) وحوزة النجف.

إن العملية الإقصائية للعرفان بمباركة الحوزات بدأت في القرن السادس عشر الميلادي، والتي ترافقت مع الصراع المرير بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية اللتين حاولتا إنتاج نسخ للتصوف مختلفة عن بعضها على الرغم من وحدتهما (الذاتية والموضوعية)، فلهذا قام إسماعيل الصفوي (1487 – 1524) بمهاجمة المتصوفة وهدم تكاياهم وحل طرقهم، وأعلن أنه لا يوجد شيء اسمه (تصوف) نكاية بالعثمانيين!!، بل أعلن ان اسمهُ هو (العرفان) فحسب، والذي هو برعاية الفقهاء وتحت وصايتهم، ولهذا يقول الباحث إيريك جوفروا إن الكثير من الطرق الصوفية هاجرت من إيران واتجهت نحو (تركيا).

إن الشيخ علي الكركي (1463 – 1534) الفقيه اللبناني هو الذي صاغ (مؤسسة الفقاهة) الشيعية من جديد تحت مظلة الحاكم الصفوي، وهو أول من اكتسب الاسم المبتدع (نيابة الإمام)؟!، ووجد الباحث محمد جمال باروت أن الكركي هو الذي أسهم في صياغة التدين الشعبي الشيعي المتقاطع كلياً مع المذاهب الإسلامية الأخرى، والتي كان المتصوفة والعرفاء الشيعة يتعاطون معها بمودة تامة.

وفي الحقيقة إن الصِدام آنذاك بين المتصوفة والعرفاء من جهة والفقهاء من جهة أخرى إنما كان يتم ضمن دائرتين معرفيتين دينيتين وهما دائرة برانية (الفقيه)، ودائرة جوانية (العارف)، مثلما اصطلح عليها كولن تيرنر، فالبرانية: هي الاهتمام بالعلوم النقلية والتركيز على أصول الدين واستنباط الحكم الشرعي، أما الجوانية لديه: فهي المعرفة الحقة بالله تعالى والسلوك إليه روحياً عبر التهذيب والتزكية (الباطنية).

ولكن وعلى الرغم من العداء الشديد ضد الاتجاه الجواني / الشيعي في الحوزات آنذاك، إلا أن هذا الأمر لم يمنع ظهور مجموعة من العرفاء الكبار وتطور مشروعهم العرفاني، أمثال: محمد باقر الداماد (1561 – 1631)، وصدر الدين الشيرازي، بل إن الفقيه الشيعي المعروف زين الدين العاملي (1505 – 1558)، الملقب بـ(الشهيد الثاني) كان من أهل التصوف، وإن بهاء الدين العاملي البهائي (1547 – 1621) لم تمنعه مشيخته للإسلام من تصنيف رسالة صريحة في التصوف سماها (الوحدة الوجودية).

ومن جانبٍ آخر كانت شخصيات أخرى مهمة مهتمة بالعرفان والتصوف من المدرسة الإخبارية يذكر منهم: محمد أمين الاسترابادي (ت: 1033) وأستاذه محمد بن علي بن إبراهيم الاسترابادي (ت: 1022)، ومنهم محسن الفيض الكاشاني (ت: 1090).

وهذا إنما يدل على أن هنالك انشقاقا كبيرا داخل الحوزات من التعامل مع التصوف والعرفان ومع شخصياتهما الكبرى (الغزالي وابن عربي)، فلا يوجد موقف موحد أبداً، وإن السلطة السياسية الصفوية التي صاغت كثيرا من ملامح التشيع في عدة بلدان في العالم الإسلامي لم تستطع أن تفرض موقفاً موحداً داخل الحوزات إزاء التصوف والعرفاء.

ومن الواضح أن عند كل أزمة سياسية من (بناء دولة) أو (صراع سياسي داخلي) كانت السلطات السياسية النافذة آنذاك توجه الفقيه المتعاون معها إلى الهجوم على المتصوفة والعرفاء، وهذا يبين أن العداء هو سياسي وليس عقديا أو معرفيا.

فعلى سبيل المثال تلك المرة بعد أن اهتزت إيران بالأحداث أيام الحكام الصفويين (صفي الدين) و(حسين) (1694 – 1722)، لاسيما في ظل العودة القوية لقبائل (القزلباش) الصوفية/ الشعبية، والذين لم يرتقوا أصلاً إلى معالم (العرفان الحقة) المثبتة كما لدى العلماء الذين تم ذكرهم سابقاً، فإن الدولة الصفوية تجمع الكل في إناء واحد أو في جبهة موحدة، على الرغم من التفاوت والخلاف بين المتصوفة الشعبيين البسطاء (القبليين) وبين المتصوفة/ الفلاسفة العرفاء (المدينيين) (أهل المدن نقصد).

وهنا جاؤوا بشيخ الإسلام محمد باقر المجلسي (متوفي 1679) وقام مرة أخرى بإثارة حماس الحوزات والفقهاء في كل العالم الاسلامي ضد (أهل التصوف والعرفان)، فهو الذي قام بوضع الحد الفاصل بين الشيعية الإمامية (الفقهية) والشيعية الصوفية – (العرفانية)، بل عمدَ، كما يقول السيد موسى الصدر، إلى تهذيب كتاب (الكافي) أضخم كتب الحديث الشيعية وأهمها من المرويات والأحاديث التي بها رائحة باطنية!!

بل أسهم المجلسي بنحو كبير في جعل مركزية (الإمامة) أساسية في الاعتقاد الشيعي وربطها بكافة العقائد، ولهذا فهو الذي صاغ البرانية الشيعية الأساسية (إمامية – المركز) مقابل التوجه العرفاني العالمي (إلهي – المركز)، فهو الذي جعل المرور بالأئمة الإثنى عشر مقدمة للوصول إلى الله تعالى وهذا الأمر لم يكن منظراً له بنحو موسع، بل كان مجرد اعتقاد شعبي – فطري يدخل من ضمن دواعي العشق الطبيعي لأهل البيت ولا يستلزم صياغة إيديولوجية كما فعل المجلسي!! ولكن غايته كانت واضحة وهي مواجهة العرفاء كما يقول كولن تيرنر.

ولكن موقف المجلسي لم يكن مفصولاً عن مواقف جبهة عريضة كانت تضم محمد طاهر القمي (متوفي 1098) (أستاذ المجلسي)، ومواقف الحر العاملي (1624 – 1693) شيخ الإسلام في مشهد، الذي استعرض ألف حديث زعم أنها رويت في الرد على الصوفية، ولا تنفصل هذه المواقف عن موقف نعمة الله الجزائري (توفى 1112هـ/ 1701م) الذي هاجم الشيخ البهائي المعروف، بسبب معاشرته المبتدعين من الصوفية!! وأولئك القائلين بمذاهب العشق الإلهي.

ولقد وضع المجلسي مجموعة من الكتب للهجوم على المتصوفة والتحذير منهم!!، ففي رسالته (الاعتقادات) بعد أن ثبت مركزية الأئمة الاثنى عشر بوصفهم الطريق الأوحد للوصول لله تعالى، يذهب لعد التصوف بدعة وذلك عبر النظر إلى ممارسات المتصوفة الدينية المتعددة، وبطبيعة الحال المجلسي مثله مثل سائر الفقهاء إلى زمننا الراهن يعتمدون على (التقوى الظاهرية) أي التعبد الجسدي ولا يعنون أو يدركون المغزى العميق لـ(التقوى الباطنية) التي يؤكد عليها المتصوفة والعرفاء.

وهو يخلط كسائر الفقهاء الآخرين واإلى يومنا الحاضر، بين التصوف الشعبي (الطرقي) والتصوف الفلسفي/ الأخلاقي (الخاص)، علماً أن التصوف الشعبي مدان دائماً، ولقد هاجمهُ كبار العرفاء، فملا صدرا الشيرازي وضع كتاباً للرد على هذا النوع من التصوف أسماه (كسر أصنام الجاهلية: في الرد على متصوفة زمانه) وطبع عدة طبعات وورد عنوانه الفرعي بعدة صيغ.

وبشكل عام لا يخفى على المتخصصين الباحثين في هذا الشأن أن المآل النهائي كان انتصار (البرانية الفقهية/ الشيعية) على حساب (الجوانية/ العرفانية/ الشيعية) وذلك بعد أن سادت نسخة تشيع خاصة تحت تأثير صناع (الحقائق الدينية) ونعني بهم أهل السلطة، ومن ثمَّ صار جناح العرفان الشيعي متخفياً وضعيفاً وفي أوساط نخبوية خاصة من علماء الشيعة حصراً.

ولقد كانت صورة المآل النهائي مثلما أشار المفكر الفرنسي المعروف هنري كوربان (1903 – 1978) هي أن العرفان الشيعي وجدَ نفسه مع نجاح التشيع الدنيوي (مصالح الفقهاء ومصالح السلاطين ومصالح العامة)، أمام ابتلاء حقيقي وواقعي، إذ انتصرت التقويمية التشريعية الفقهية التي تهتم بـ(القانون الشرعي، الاجتهاد والإمامة) مقابل موت الفلسفة، والحكمة الإلهية وكل مسائل العرفان.

إن مدرسة ملا صدرا الشيرازي قد خضعت إلى حدٍ كبير بعد رحيله ولم يستمر الدرس العرفاني في قم وحوزتها إلا في حدود ضيقة، ولم يتم إحياء ذلك إلا على أيدي مدرسين معدودين للعرفان، ربما ابتدأ بنحو ما في أواخر القرن التاسع عشر من خلال سلسلة علي الشوشتري (متوفي 1283ه) وتلميذه حسين قلي الهمداني (1239 – 1311) الذي أسس شبه مدرسة عرفان وعاصر الشيخ مرتضى الأنصاري (1781 – 1864) ورفض التصدي للمرجعية على الرغم من أعلميته الكبيرة والذي تفرعت مدرسته بين إيران والعراق وتشعبت، ولكن كانت تمارس دروسها بنحوٍ مكثف من التقية.

ولهذا لم يكن يدرس العرفان في الحوزات إلا من يستطيع أن يواجه ويتحدى بدرجة أو بأخرى غضب وعنفوان المراجع التقليديين/ الفقهاء، ولهذا كان الدرس محدوداً للغاية في حوزة قم إبان الشيخ محمد علي شاه آبادي (1253 – 1328ه.ش) أستاذ الإمام الخميني (1902 – 1989) بالعرفان، وفي حوزة النجف إبان أيام السيد علي القاضي آخر أعمدة العرفان في العراق والذي كان من تلامذته السيد محمد حسين الطبطبائي (صاحب تفسير الميزان).

ومن المصادفات العجيبة أن تلاقح التيارات العرفانية بين خطي النجف وقم إنما تم على أيدي السيد الخميني والسيد الطبطبائي، فكلاهما أعاد تدريس العرفان وبنحو مستمر في حوزة قم، التي يعد العرفان النظري فيها إحدى العلامات البارزة في يومنا المعاصر.

بطبيعة الحال فإن سر تدفق واستمرار العرفان في حوزة قم اليوم لا يرجع إلى تأثيرات السيدين الجليلين آنفي الذكر فحسب، وللدعم السياسي بعد انتصار الثورة الإسلامية، كذلك، بل يرجع إلى عمق الدرس الفلسفي العرفاني في الثقافة الإيرانية، الذي وإن اختفى أو ضعف أو تراجع في مراحل معينة إلا أنه ظل كالنار تحت الرماد.

 في قبالة ذلك كان تلاميذ آخر مدرسة عرفانية (مدرسة السيد علي القاضي) يعيشون أسوأ ظروفهم وعلى كل المستويات، وذلك لأن حوزة النجف وحتى حوزة كربلاء لاحقاً، أحكمت القبضة بالتهديد وبالوعيد لمنع الدرس العرفاني، بل والدرس الفلسفي في آن واحد، مما جعل الكثير منهم يختفي عن الأنظار ويمارس التقية بنحوٍ مكثف، وكان أبرزهم العارف الكبير وريث مدرسة السيد القاضي (السيد هاشم الحداد) الذي ترك الحوزة مبكراً ورجع لمحل سكنه الأصلي كربلاء حتى وفاته (1984)، أما التلميذ المبرز الآخر والذي ظل في الحوزة الشيخ عباس القوجاني فقد ظل في صمت مطبق وفي تقية مكثفة خشية من فقهاء عصره إلى ساعة وفاته في النجف عام (1990)، ومما ساعد على هذه التقية المكثفة وانتهاء العرفان في حوزة النجف وفي العراق عموماً هو القبضة الحديدية للنظام البعثي.

ولكن في ظل ذلك كانت هنالك دروس عرفانية تتم في الخفاء وفي سرية تامة لبعض الشخصيات الحوزوية، فمثل ما هو شائع بعدئذٍ ومعروف اليوم أن السيد الصدر الثاني (محمد محمد صادق) (1943 – 1999) كان تلميذاً في العرفان عند الشيخ عبد الزهرة الكرعاوي (متوفي 1980) (أحد تلامذة السيد هاشم الحداد والشيخ محمد جواد الأنصاري (متوفي 1959))، وكذلك مارس العرفان بنحو شخصي السيد الفقيه والمرجع عبد الأعلى السبزواري (1329 – 1414ه) ولكنهما كانا حالة نادرة جداً. فالحوزة كلياً أعطت ظهرها للعرفان وأهله وأوصدت الأبواب إزاءهم.

  وبالتأكيد فإن محاولة السيد الصدر الثاني الذي أصبح المرجع الأعلى بعدئذ كانت خطوة رائدة في هذا المجال عبر فتح بوابة الدرس العرفاني، ولكنها تجربة واجهت تحديات كثيرة، لعل أبرزها هو جنوح البعض وانحرافهم، وهو ما عرف آنذاك ب(فتنة السلوكيين) في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ولكن هذه المرحلة مازالت غامضة من جهة أسباب الانحراف وما علاقة السلطة بذلك في حينها وغيرها من الأسباب التي لم تدرس إلى اليوم بنحو عقلاني. وبالتأكيد فإن السيد الصدر في حينها أراد جيلا عقائديا/ أخلاقيا ولكن بعض الأفراد من داخل الحوزة وخارجها أفسدوا مشروعه الأخلاقي الكبير.

بطبيعة الحال فإن الحوزة وضمن نسقها الثقافي العام ومن يواليها من معممين تقليديين ومن عامة، يقولون إن هنالك حالات من الانحراف الفكري نشأت لدى من تعاطى العرفان بوجه عام، وهذه حالات فردية بطبيعة الحال، ولكن يتم تضخيمها وتكرار الخطاب حولها. علماً أن حالات الانحراف الديني حدثت ممن كانوا مقربين من الأنبياء (عليهم السلام) فعلى سبيل المثال: السامري مع نبي الله موسى، والاسخريوطي مع نبي الله عيسى، وجملة من المنافقين الذين وردت سورة كاملة بحقهم في القرآن الكريم مع نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأصحاب الأئمة عدد كبير منهم قد انحرف فـ(أبو الخطاب محمد بن مقلاص مع الإمام الصادق) مثلاً والبطائني علي بن أبي حمزة  مع الإمام الرضا و(محمد بن نصير مع الإمام العسكري) وآخرون كثر، كانوا منحرفين ومن الغلاة، بل إن الحوزة نفسها شهدت معممين منحرفين وعلى مدى قرون، بل وعاصرنا منهم من ادعى المرجعية ثم تحول إلى مذهب ديني معاد لأهل البيت وآخرين نصمت عن ذكرهم!!

فالإشكال ليس في الأصل وهو مادة العرفان الأخلاقية، وإنما في الحامل لها، وهي إشكالية العنصر البشري الذي لا يقوى بعض منه على أن يخوض بحر العرفان الكبير لأسباب ذاتية وموضوعية ليس المقام محلا لإيرادها.

الأمر الآخر، أنه كان هناك وعلى مدى قرون من يتكسب من وراء الدين، ومن ثم فإن ظهور من يدعي العرفان تحت باب العلاج بالروحانيات أو الادعاء بالباراسيكولوجي أو التداوي بالقرآن والأوراد، أو أن يتصدى للمشهد الديني عبر صعود المنابر ويكرر قصص العرفاء ونحو ذلك لأجل صناعة المكانة الاجتماعية، فهذا أمر عايشه المتصوفة والعرفاء الكبار إبان حياتهم ومنذ قرون خلت، فالأدعياء موجودون عبر كل العصور، ألا يوجد من يدعي الأعلمية في الحوزة؟ ألا يوجد من يدعي الريادة في فن الخطابة؟ ألا يوجد من يدعي حماية المذهب بنحوٍ مغال طلباً للشهرة داخل الحوزة؟ المدّعون في كل التخصصات والمجالات، حتى في الجامعات موجودون، بل هي تعد مسألة عالمية وخصيصة من خصائص النفس البشرية.

وعليه فإن وجود عدد كبير من الأدعياء لا ينفي الأصل، بل يكون مدعاة للتثبت من العرفاء الصادقين المتخفين داخل الحوزة أو خارجها، إذ أن المعيار الفصل هو النظر في سلوكهم واختبارهم، أو كما يقال: من ثمارهم تعرفونهم أو كما قال السيد المسيح (عليه السلام): (احذروا الأنبياء الكذبة، الذين يأتون إليكم في جلد حمل، وفي جوهرهم ذئاب مفترسة، أنتم تعرفونهم من آثارهم).

أما الجدل المستمر حول أصالة التصوف والعرفان من عدمه من جهة صلته بالإسلام تارة، وبتراث أهل البيت تارةً أخرى، فضلاً عن الجدل المحتدم حول مفاهيمه ومصطلحاته ونظرياته العرفانية وتفسير أهله أو تأويلهم القرآن، فهي قضايا ممكن أن يفتح حولها حوار موسع لأسباب جوهرية كثيرة، ربما أبرزها أن علماء الشيعة الكبار وعلى مدى قرون كانوا على شكل جبهتين مع العرفان والتصوف حد النخاع وحد الولاء التام، مرة، ومرة أخرى ضده ورفضه وتكفيره، وهذا يعني أن الجدل لم ينته حوله إلا عبر إرادات شخصية ومصالح ذاتية واستخدام مفرط للسلطة الدينية عبر منعه ومحاربته لاسيما في حوزة النجف!!

إن الذي يُسهم وكما نحسب في مواجهة التحولات المتسارعة ليس الدرس الفقهي الراهن أبداً، بل إن الذي يُسهم في مواجهة مد الحداثة الجارف هو إرجاع الدرس الفلسفي وفي مقدمته الدرس العرفاني، إذ به يمكن استيعاب موضوعات (الحرية الدينية، والتعددية الدينية، والذات الحرة، ومسألة حقوق الإنسان… الخ) من جملة الموضوعات الأساسية الراهنة في الخطاب الحداثوي.

إن الذي يجعل الحوزة تعيش في قلب الواقع والحدث التأريخي الراهن هي التجارب العرفانية المستمرة التي تفتح أبواباً نحو الهجرة نحو الإنسانية المؤمنة/ الموحدة/ الأخلاقية، لا الهجرة نحو التاريخ والحدث الروائي والهوية الطائفية وأزمات الصراع المذهبي، وجدلية الخلافة والإمامة.

إن الأجيال المعاصرة من متخصصين أو غير المتخصصين من مثقفين وغير المثقفين في المجتمعات الشيعية في إيران ولبنان والعراق والبحرين وغيرها، ممن أعادوا استدعاء ميراث جلال الدين الرومي (1207 – 1273م) والشيخ محي الدين بن عربي (1165 – 1240م) وغيرهم الكثير، بل واستعادت تجارب الغربين المعاصرين من الذين اعتنقوا الإسلام وأصبحوا متصوفة، إنما تؤكد العطش الحقيقي للتصوف والعرفان لأن فيهما إجابات عن أسئلة حائرة فشل الفقهاء والمدونة الفقهية في تقديم الأجوبة المناسبة لها والتي تلائم روح العصر.

بل إن استدعاء ميراث كبار العرفاء في العراق أمثال السيد علي القاضي والسيد هاشم الحداد وغيرهما، عبر وسائط معرفية وتقنية متعددة، إنما يمثل على الرغم من كل السطحية والبساطة في التعامل معه، عطشاً وتوقاً لمادة روحية لا يستطيع الفقهاء تقديمها، عن نماذج أخلاقية يمكن التأسي بها ولو تخيلاً وبنحو بسيط وساذج، إن هذه الاستدعاءات المتعددة للمتعلمين وللعامة إنما يمثل تحديا حقيقيا أمام خطاب الحوزة الرتيب المكرر عن عالم الفقاهة، إنهُ بحث عن خطاب أخلاقي يواجه الأزمة الأخلاقية التي طحنت العالم الإسلامي، ولم يقدم الفقهاء سوى فتاوى وخطاب كلاسيكي لا يغني أو يسمن من جوع وعطش أخلاقي ضخم.

إن عملية الهروب إلى الوراء التي يمارسها الفقهاء إزاء التصوف والعرفان، عبرَ التشبث بالمقولات والأفكار المكررة، ودمغه الدائم بأنه خارج دائرة الإسلام الرسمي وخارج دائرة التشيع الرسمي في آن واحد، إنما يُسهم في فقدان مادة معرفية ضخمة ممكن استخدامها راهناً وعلى عدة مستويات ولاسيما الجانب الأخلاقي، فضلاً عن ذلك فإنه يسلب الحوزة إمكانيتها في العيش في الواقع وأسئلة الحداثة بدل التحصن الدائم بخنادق التاريخ الفقهي وموضوعاته المعروفة.

بل ويسهم كذلك في فتح البوابة دائماً نحو ظهور المتاجرين بالعرفان وميراثه من الأفاكين والمرائين والمنافقين، فإذا لم يسهموا في فتح حوار عقائدي كبير مع هذا الميراث عبر فتح بوابة الدرس الفلسفي أولاً، فإنهم سيكونون شركاء في سقوط عدد كبير من الأفراد ضحايا لمدعي العرفان والذين يتاجرون باسمه.

وسوم: التصوفالرئيسيةالشيعةالعرفان
جعفر نجم نصر

جعفر نجم نصر

أكاديمي وباحث في الفكر الإسلامي

التالي
رسالة مفتوحة إلى السيد الرئيس رجب طيب أردوغان

رسالة مفتوحة إلى السيد الرئيس رجب طيب أردوغان

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر