تأخذك مغامرة الترحال في عوالم الفلسفة والأدب إلى رصد أهمية الأدب وعلاقته بالفلسفة، ذلك أن الفلسفة بدأت أدبا في التراث الإغريقي فقد كانت الأسطورة شكلا من أشكال التفكير الإنساني والتعبير عن الكينونة، لعل ملحمة الإلياذة والأوديسة أرقى تعبير عن أن التفكير الفلسفي بدأ أدبا، الهدف منه تناول مسألة الوجود وأسئلة المعنى. صحيح أن الكتابة لم تكن أبدا فعل خلاص ولكنها كانت ولا تزال آلية البوح والبحث عن المعنى، بوح ضد الفراغ حين تستشعر الذات فقدان الكينونة في عالم نعيش فيه تحت ضروب القلق والتيه، فيصبح فعل الكتابة حضورا وإعلانا عن الامتلاء، ذلك الوجود الذي نسعى أن نكونه، وجود ممتلئ بالمعنى، حينها تصير الكتابة وسيلة تعبير عن كينونة الإنسان وعالمه الداخلي، تعبير ينشد من ورائه الكاتب البحث عن المعنى، معنى الوجود الأعم أو بالأحرى محاولة فهم الوجود، وهو فهم لا يتأتى إلا حين نجعل من فعل الكتابة فعل إنصات للذات إذا استعرنا لغة مارتن هايدجر[1]، هذا المسار هو الذي يسلكه أعظم الكتاب في بناء نصوصهم السردية ، سرد ينبني على جملة من التقنيات التي تحمل في كنهها تساؤلات عن الوجود، الحياة، المجتمع … ولن يكون الهدف إعطاء أجوبة بذاتها ـ كما هو الحال مع الخطاب الفلسفي ـ الفلسفة تساؤل على حد تعبير كارل ياسبرز[2]، بل تجعل من التساؤل تلك الإبرة التي تقض مضجع الفكر وزوبعة تزعزع كيان المألوف والاعتيادي من خلال قضايا وجودية تتناولها: المرأة، العنف، الاضطهاد، الدونية، الاغتراب، القلق، العزلة، الانكسار، التيه، الصرخة، الحلم … يتم تناولها على شكل أسئلة وجودية حول قضايا الوجود البشري ومآلاته وجدوى هذا الوجود، تلك الأسئلة التي يحاول الكاتب من خلالها القبض على معنى هذا الوجود وفهم طبيعته في رحلة بحث عن الذات وسط عوالم التيه في قوالب أدبية شعرية.
1 ـ الكتابة الأدبية وأسئلة الوجود الفلسفية:
مما لا يدع مجالا للشك أن قول هانز جورج غدامير[3] الكتابة آلية كشف عن الحقيقة في التجربة الإنسانية هو قول يجعل من العنوان الذي وضعناه “الكتابة وأسئلة الوجود” لحظة تأمل حقيقية داخل النص الأدبي ولو كان الاختلاف في بناء النص الفلسفي كونه يبنى مفاهيميا عقليا خالصا ذلك أن الفلسفة هي معرفة من خلال المفاهيم المحضة[4] وذات بناء منطقي رياضي للأفكار عكس الأدب الذي يصور التجربة الإنسانية في الصورة المتخيلة أو الواقعية، يجعل من الكتابة آلية سفر في عوالم الوجود، سفر مليء بالأسئلة تروم فهم طبيعة الوجود ومشكلاته من خلال استنطاق المسكوت عنه اجتماعيا في صور بلاغية سردية بشخصيات متصورة وضمن أحداث مركبة في قالب فني شيق، فالوجود غارق في التيه (الاضطهاد، المدنس، العنف، الهذيان، الباتريركية، الألم، الدونية، اللامعنى، الانكسار، الاغتراب… عوالم مسكوت عنها يتم إيقاظها بسلسلة من الأسئلة التي تهدف إلى الكشف عن المعنى وهذا ما يجعل الأدب كذلك يلامس الأبعاد الأنطولوجية للإنسان.
تساؤلات تقودنا إلى التفكير في طبيعة الوجود البشري المليء بالتناقضات واشتراطات هذا الوجود وأسئلته المرتبطة بالمعنى والمصير من خلال إقامة حوارات ذاتية من جهة ومن جهة أخرى بين شخصيات لكل واحد منها هموم وأشكال اغتراب، وكلها حوارات عبر اللغة باعتبارها الآلية الوحيدة التي تسمح للماضي الإنساني بمواصلة الوجود[5] (هانز غدامير) ذلك الماضي الذي حملناه ـ بقلقه، اغترابه، بذلك التيه، الفقدان… في صمت، يحاول الأديب استنطاق المسكوت عنه في المجتمع من خلال التأسيس لحوار يلغي المسافة بين الذوات ويملأ الفراغ المتعين في الحاضر من أجل فهم الوجود وامتلاك المعنى، فالوجود الحقيقي لا يفهم في عوالم بمنأى عن حياة الإنسان ومعيشته اليومية. بناء على ذلك يمكن تشبيه عمل الأديب بعمل الفيلسوف وهو ينتهج سبيل التساؤل وطريقته الحوارية المولدة (سقراط) للفكر والمعنى، إنه أشبه بذلك العمل الذي قام به سقراط في التأسيس لخطاب فلسفي تساؤلي وطريقته الحوارية حين شبه نفسه بذبابة الخيل قائلا إن آثينا تشبه حصانا كسولا وأنا مثل دبابة تزعجها لتبقيها يقظة.
يستطيع الأديب أن يجعل من نصوصه فضاء للتفلسف يشبه ساحة الإغورا من خلال حوار بين ذوات تتقاسم حالة القلق، الاغتراب، التيه، الهذيان… يلعب الأديب دورا سقراطيا يولد المعرفة من خلال حوارات بين الشخصيات، تروم إلى طرح أسئلة أنطولوجيا موجهة نحو نقد الواقع، واقع لا يجيب إلا إذا سألناه على حد تعبير غاستون باشلار.
2- الأدب والفلسفة: الوجود وأسئلة المعنى
لم يكن الأدب يطرح أسئلة بمنأى عن الحياة والواقع، بل إنه نص من صلب الحياة والمعيش اليومي، يعبر عن عمق التجربة الإنسانية، ذلك أنه لا يمكننا الفكاك من عالم اللغة ولا يمكن فصلها عن عوالم المعيش اليومي لنا فنحن لا نرسم وجودنا وعوالم كينونتنا الانسانية إلا داخل عوالم اللغة، غير أننا نجد أنفسنا نمارس نوعا من المكر بواسطة اللغة فنرتحل داخل عوالمها، فكل نص كما قال جاك دريدا لعبة منظمة[6]. هكذا تكون النصوص الأدبية حقلا استفهاميا صريحا أو ضمنيا يطرح سؤال الوجود بأبعاد وأوجه مختلفة الغاية من ذلك القبض على المعنى وإدراك الكينونة التي تكاد تنصهر في عوالم التيه والهذيان، سؤال يروم البحث عن الذات وسط ضروب التيه والقلق الوجودي وفي ذلك محاولة التسامي نحو عوالم الممكن والحقيقة، وهذا الأمر يجعل الأديب يسلك درب التساؤل واستنطاق المسكوت عنه اجتماعيا وثقافيا … وفي ذلك رغبة منه للبوح ضد أشكال الانكسار، الاغتراب، الفراغ، الانسحاب، الدونية، العنف، العقاب… بوح يستشعر منه الكاتب نوعا من الفراغ الوجودي، فراغ المعنى نحو الحضور، وإعلان الامتلاء، امتلاء المعنى والتعبير عن الذات من أجل إيجاد معنى للحياة، ذلك أن لم شتات الذات وإدراكها للمعنى الوجودي الخاص بها في هذا العالم ليس إدراكا فرديا بل يحصل بحضور الغير كشرط ضروري مثلما هي اللغة شرط ترونسندنتالي للذات والفكر[7]، يصبح بذلك وجود الذات حاملا للمعنى والوعي أو كما عبر عنها الفيلسوف الالماني مارتن هايدجر الموجود منهما.
إن أسئلة الوجود كما يقدمها الأدب تشبه الثقوب السوداء في شخصية المجتمع وهذه الثقوب تخلف فراغا وانكسارا داخل الشعور الانساني وحالة تيه وضياع تستشعره الشخصيات الروائية أو القصصية المتخيلة وهذا ما يدفع الروائي إلى احتراف السؤال وتوجيه الحوار نحو التوليد السقراطي من أجل الفهم وامتلاك المعنى. فامتلاك المعنى بالكتابة هو إعادة لملمة شتات الذات والخروج من حالة الاغتراب، القلق والاضطهاد الوجودي، بأسئلة تارة مباشرة وأخرى استنكارية الغاية منها فهم طبيعة الوجود كمعنى في عالمنا المعيشي. بل إنصات إلى نداء الوجود بلغة مارتن هايدجر، إنه إنصات لعالم الذات ذلك الصوت الفينومينولوجي الذي يدفع الإنسان إلى البوح، الاعلان، القول، الاكتشاف والظهور للعالم وحضور للذات أمام العالم.
3 ـ الكتابة بين الأدب والفلسفة: الكتابة انكشاف، وسـبر لعوالم النفس اللاشعورية
مما لا شك فيه أن العنوان الذي وضعناه “الكتابة بين الأدب والفلسفة: انكشاف” يحمل دلالات وأبعاد مختلفة بين ما هو نفسي وجداني وما هو انطولوجي فلسفي، فالكتابة آلية سفر يمتطيها الكاتب ليعبر بذاته من غياهب اللامعنى نحو المعنى، من اللاشعور نحو الشعور (الواقع) من اللاممكن ـ الممنوع ـ نحو عوالم الممكن، بل ويجعل من فعل الكتابة فعل تعبير صريح وواقعي عن الذات وما تكنزه من مشاعر وما تحمله من آلام … نحاول عبر الكتابة التعبير عن المعنى، عن الوجود المفعم بأسئلة الكينونة، تلك الأسئلة التي لا نستطيع البوح بها أحيانا إلا حين نغوص في عوالم الكتابة، حين نجدف بالكلمة، في تلك اللحظة التي ننقع فيها الريشة في الحبر لنخط لوحة سوريالية يكون فيها البوح صريحا وتنكشف صرختنا الوجودية عن حقيقتها، لحظتها يغدو البوح ممكنا عن عوالمنا النفسية، أحلامنا، آلامنا، أحزاننا، انكساراتنا، التيه والهذيان … إن هذا ما يجعل من الكلمة قناة يعبر بها الكاتب نحو مجتمع القراءة وسبيلا يستكشف به ذاته ويستطلع جوانبها النفسية واللاشعورية تصاحبه في ترحاله عبر أحداث مرت عليه وطبعت ذاكرته، مواقف عاشتها ذات السارد، شخوص التقى بها بعضها لازمته صورته طيلة مسار حياته وبعضها رحل تاركا صور متاخمة في ذاكرته. صور لأحداث مضت لشخصيات التقيناها، سافرنا صحبتها، الحنين يغالبنا حينا وخواطر الماضي تتحول إلى إبر توخز الذاكرة وتنكأ الهدوء المطبق عليها، حينها تنهار الكلمات كسيل جارف يأبى إلا أن يصرخ صرخة وجودية يعبر عن آلامه، أحزانه، شهقات النفس الحزينة وجراح الماضي التي لا تلتئم إلا حين تستلم للكتابة، للقول … إنه البوح بلغة مارتن هايدجر.
” الأدب كما الفلسفة يجعل البوح ممكنا يحول الكلمة الصامتة، ويجعلها صرخة وجودية تنكشف من خلالها ذات الكاتب في صورة الدازاين بغلة هايدجر، صورة لسيل من الأحاسيس الوجدانية وشعور بالذات وهي تعزف على وتر حزين يجسد حالة الهذيان التي يستشعرها الكاتب، هذيان من الأفكار ينساب ما بين حديث العقل والقلب، فتارة ننصت لذبذبات القلب وهو يتحدث عن مشاعره الحزينة وآلامه وتارة أخرى نستفيق على صوت نداء العقل.
إذا تأملنا كل عمل أدبي نجد ـ هيرمينوطيقيا وسيكولوجياـ أنه يحمل في عمقه دلالات نفسية عميقة وأبعادا وجودية، فقد ينجح الأديب في جعل نصه السردي بوحا أوليا لأحاسيسه … ويصاب بالحزن ويغالبه الضجر حين تجف الأرض وتغدو البحيرة أرضا قاحلة ويخالجه الحزن ويطأطئ رأسه، ينشد حينها لحنا حزينا ولعل هذا أول بوح يحمل دلالة حزينة في الرواية.
تعد الكتابة الأدبية آلية تساؤلية وحقلا استفهاميا يتم من خلاله طرح العديد من الأسئلة بدء بسؤال أنطولوجي يفتح للقارئ باب التأمل في الوجود والمصير ولحظة تأملية نابعة من عمق الذات الإنسانية حين يواجه الكاتب بصمت أناه التي تسكنه، ويحولها لصرخة الأنا؟ تلك الأنا التي تسكن كل فرد منا حتى لو لم يرد الاعتراف فإنها حاضرة في بنية الفرد النفسية أراد أم لم يرد، إن هذا ما عبرت عنه مدرسة التحليل النفسي مع فرويد التي تؤكد على فرضية اللاشعور كمكون أساسي في بنية الإنسان هذه الفرضية لا نتمثلها إلا في حالات معينة ـ تعد لحظة الكتابة كلحظة إبداعية قناة تعبيرية عن حالاتنا النفسية التي نعيشها في عزلة عن عالم الغير وضوضاء الوعي والواقع ـ فالإبداع وليد لحظة الألم والأحزان وهو دافع مباشر وحافز سيكولوجي يرسم طريق الإبداع.
إن العبارات الاستفهامية للكاتب في النص الأدبي لا تختلف من حيث الجوهر عن نظيراتها في الخطاب الفلسفي، تلك الأسئلة حول مصير الانسان هي أسئلة حاملة للمعنى، سؤال يملأ الفراغ بين الذات المتعينة في الحاضر والماضي وصور الأحداث والمواقف التي عاشتها الذات، إنها محاولة للقبض على المعنى من أجل فهم صحيح للحياة لهذا فكل أشكال عزلة الذات تؤسس بحضور الغير واكتمال نضج الأسئلة التي نصوغها يرتبط بوجود الغير، جسدها الارتباط الوثيق بين الذات والغير بالنسبة للأنا وجود مفعم بالحياة وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر بالوجود مع الغير.
أستطيع القول إن الأدب يعبر عن صرخة وجودية هادئة، صرخة تخترق جدار المسكوت عنه في لحظة البوح داخل النص، بوح حامل لمشاعر يسرد من خلالها الكاتب ـ الأديب ـ أحداثا ومواقف قد عاشها وشخصيات أحبها وأخرى تمت محاكمتها، وبين هذه الشخصيات يسافر الكاتب في لحظات سعادة وأمل وتارة ينقلنا للحظات الحزن والانكسار، عبث، تمرد، ثورة على المألوف، لحظات تيه وهذيان، وبين هاته اللحظات نتعرف على شخص السارد حين يصرخ بالكلمة فيتردد صدى صرخة ممتلئة بالحياة رغم مظاهر الحزن وشهقات الحياة الكئيبة.
قد شكلت موضوعات الألم والحزن أهمية بالغة في العمل الروائي تجسدت في مواضع كثيرة تعبر عن الحوادث النفسية من حزن وضجر وألم وتمرد ورفض … هي كلها ثيمات منسجمة ومتداخلة من حيث الدلالة والمعنى وكلها توحي بحضور الآخر أمام الذات وملامح الحزن …شعور بتقلبات الذات وهواجسها النفسية واللاشعورية والتي يعبر عنها بقالب أدبي خالص لا يختلف في عمقه عن الخطاب الفلسفي المحض.
يقول بول فاليري” إن النص بعد نشره يشبه الجهاز الذي يستخدمه كل امرئ كما شاء تبعا لوسائله” إن النص الروائي ” نص زاخر بانشغالات الذات وهواجسها النفسية: هواجس السارد وهواجس الشخصيات التي التقى معها، استيهامات الألم في مقابل الفرح، التملك في مقابل الفقدان، هواجس الطفولة وصخبها، المراهقة وعنفوانها، الأبوة وعلاقتها بالغير القريب.
إن النص الأدبي يشكل فضاء استيهاميا لذات الكاتب، يتماهى مع شخصه بقدر ما تحمله من ألم في لا وعي الكاتب وشخصه وما يترتب عنها من مقاومة لكل أشكال الحزن واليأس الذي يلتصق بالنفس إلا أنها تعطي صورة جمالية لشخصية السارد في الرواية وهذا ما أشار إليه سجموند فرويد حين اعتبر الحزن والألم طريق نحو الإبداع، ونبش في جدار الكينونة وهواجس الذات.
ـ مارتن هايدجر الوجود والزمن.[1]
[2] Jaspers. Introduction à la philosophie; plon 10/18 pp 5 et s .
هانز جورج غدامير الحقيقة والمنهج [3]
[4] Deleuze et Guattari, Qu’est-ce que la philosophie, èd. Minuit 1991, pp. 10 11
هانز جورج غدامير الحقيقة والمنهج[5]
التيار عمر استراتيجية التفكير عند جاك دريدا الهدم والبناء .[6]
ترنسندنتالية الفكر اليوناني، ابراهيم السهلي، مقال نشر في موقع كوة، سنة 2017.[7]



