يكثر في شهر رمضان المبارك الإقبال على ما لذ وطاب من الأطعمة مما يؤكل ويشرب بشكل لافت، إذ الناظر إلى الموائد الرمضانية يلحظ صنوفا متنوعة وغير معهودة في سائر أيام وشهور السنة، تعكس بذخا وترفا وسرفا، وإن تباينت مستوياته تبعا لتباين مستويات الدخل والوعي، ويؤكد ما ذكرناه اطلاع عابر على عالم الميديا ومرور بالشوارع والأزقة، وزيارة للبيوت وكيفية إكرام وإطعام الضيوف. كما يزداد الاهتمام بصيحات الموضة الرمضانية الموجهة للصغار والكبار والرجال والنساء على السواء، وهو ما يعرف تناميا في الآونة الأخيرة، لا سيما مع عوالم الميديا واستثمار المؤثرين والتسويق الإلكتروني. ومما يلفت النظر، الجنوح نحو التسلية واللهو والسهر والميل نحو الاستلقاء، نلمح هذا في تخصيص الشهر المبارك بكم هائل من الأعمال الكوميدية والدرامية والاجتماعية الموقوفة على رمضان، تُدخل المرء في متابعات متوالية ليلية ونهارية، وفي انفعالات نفسية تزداد مع زيارة إنتاجات الناس اليومية اللامتناهية على النت.
إن ما ذكرناه وغيره مما لم نذكر، يعكس من الناحية السيكولوجية ميولا نحو تعويض البطن ما أصابها من حرمان طيلة اليوم، وتسلية النفس بعد صبر لم تعهده… وحرمان لم تألفه… بتدليلها وجبر خاطرها… الشيء الذي يزاحم ما يلزم خلال الشهر الفضيل من تدليل للروح واعتناء بها، وهذا لعمري أفضل ما في رمضان… ورأس المقاصد وأفضل الغنائم…
إن من كرم الله سبحانه وتعالى وفضله، أن هيأ لنا أجواء جماعية من التعبد بالصيام ومقتضياته، لنقوى على تحمل مشاقه الليلية والنهارية شهرا كاملا، ولو انفردنا ما استطعنا… وذلك حتى يتسنى لنا أن نغنم من خير رمضان، اعتناء بأرواحنا التي أعياها الركض والجري بين دروب الحياة ومتاهاتها، لنخفف السرعة ونتذوق المعنى ونتخفف من ثقل الأوزار والأوهام… فكل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل كما قال لبيد بن ربيعة العامري.
فالاعتناء بالروح يجلب سموها واغتناءها، ويمنحها الطمأنينة اللازمة التي تلم شعثها وتزيل وحشتها، ومن مستلزمات الاعتناء أن نجاري أرواحنا متى رغبت ومالت لصلاة أو دعاء أو صدقة أو بر أو صلة أو ذكر أو تلاوة… وأن نُخفِت أصوات الجسد ونصغي لصوت الروح عندما تئن وعندما تحن… وعندما تطلب ما به قوامها…
يقول علي بن موسى:” إن للقلوب إقبالا وإدبارا ونشاطا وفتورا، فإذا أقبلت أبصرت وفهمت، وإذا انصرفت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها.”
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فألزموها الفرائض.”
وأفضل ما تكون عليه القلوب نشاطا وإقبالا وطلبا للوصل والقرب، شهر رمضان الأبرك، الذي فيه زاد السنة، وقوت الروح وتماسكها، فكثير مما يعيشه إنسان اليوم من ضغط وضعف وشتات مرده إلى إهمال الذات وتركها تستنزفها الحياة وتبعاتها وتقلباتها، وتقتحمها الماديات، ويسلب منها راحتها وأمنها زحف الزمن ومغالبته بأخذ عقاقير، ودهن مراهم، وشفط دهون، وإخفاء خطوط…
إن الروح سر من أسرار الله تعالى فينا، فلنفك الحبل ولنتركها تسرح وترعى وتتزود بما يعينها على ضبط إيقاعها وتعديل سيرها…وتحرير رقبتها…
إنها أيام معدودات… سرها في تعدادها… وبركتها في “لك صمت”… وثوابها في “أنا أجزي به”…
ومن فاته تدليل روحه، فاتته غنائم شهره
فلندلل أرواحنا، ولنتعرض لنسمات ونفحات شهر الخيرات والبركات…



