ارتشف قهوة الصباح، وأخذ ورقة وقلما، وهو ينظر الى حركية الرغوة العائمة فوق سطح مشروبه المفضل، وكأنه يقرأ قصيدة لا زال يفكر في نظمها، تخاطره الحكايا، تلون فكره آلاف الخواطر والبوادر، يحاول تطويع حروف تأبى أن تنظم أحاسيسه المبعثرة، وتستعصي على البوح بأفكار وقع في أسرها، غامرته جميع المشاعر ودفء الفحولة، وعرضت أمامه أشرطة الماضي والحاضر، خالجته أحاسيس الطفولة والرجولة، تذكر عبء وجوده والحياة.
على صفحات وجهه المتعب بالصمت، ترنحت كل أحاسيس الكون…
وفجأة، انطلق قلمه على مسرح ورقته البيضاء، يخط منتشيا ما جادت به قريحته، وقد انفرجت سريرته كطفل فرح بكسوة العيد…
انطلق يعيد قراءة ما يكتب من فائض حسه المرهف هذا الصباح، وكأنه انعتق من شرنقة كادت تخنقه.. منذ كان صغيرا وهو الذي لا يقوى أن يكمل جملة دون أن يتلعثم في مخارج إحدى كلماتها.. فهو لا يتقن إلا فن الحواس.. يضطرب كل ما كانت في فوضى ولا يرتاح إلا بعد ترتيبها في كلمات تكاد تكون بلسما لكل قلب عليل.
الشعراء يتبعهم الغاوون.. هكذا كان أبوه يصيح في وجهه كلما رآه مترنّما بصوته الذي ينطلق عاليا في أرجاء البيت.. متجاهلا كل من حواليه وكأنه فوق مسرح ينثر سعادته أمام جمهور غفير من المعجبين..
هي حالة انعتاق.. لن يفهمها إلا من عاش فوضى الحواس.. تلك المشاعر التي تسجنك داخل بوثقه النفس، ولا تعتقك إلا بعد الصدع بها في كلمات تأخذك لعالم لا يفهمه بل ولا يستسيغه الجميع.. هو عالم فيه حرية من نوع آخر.. عالم انعتاق.
هذه المرة سينطلق ويفك أسر الحروف.. فالمناسبة عظيمة والحديث عنها عبادة..
هكذا حدث نفسه وكأنه استنحسن هذه الفكرة التي أعطته قوة وحافزية.. فسمح لقلمه يخط ما يمليه هيام الروح وصار يدوي في سماء بهو غرفته، بصوت مرتفع ما خطّه على مسرح ورقته :
يمتد جرحي غائرا
في ثنايا الروح
تسائلني الآمال والأمنيات
و قناديل الصبايا
تدغدغ فتيل المساءات
علها تنير
حلما بلا أوجاع
يصيبني خدر ماتع
فأستسلم للسبات
إلى وجع لاحق
لم يستهوه صدى الكلمات التي صدع بها، فهي لا تناسب قدوم هذه النفحات التي يأتي بها شهر الله الفضيل، فمزق ما سطره قلمه وأمسك ورقة ثانية وثالثة ورابعة..
لا زالت تخالجه أحاسيس لم يسعفه القلم على البوح بها إلا بعد جهد كبير، وسطر أخيرا كلمات ارتاحت لها أنفاسه المتعبة:
وتُثقل المعاصي جفون الليالي..
ويُخيل إليك أنك قد انتهيت..
فيفتح الإله أبواب السماء
ويُنادى في الأرجاء: ” لقدجاءكمالمطهر “
تهرول إليه سائحا في عبق النقاء
تتزين
تتعطر
وترنو لقربه سبحانه..
عساه يُطهر ما علق في خبايا النفس من أدران
وما رسب في ثنايا الروح من شوائب تعوق الوصال
فلقدسية هذا الشهر نكهة الجنة
يرتقي الصائم القائم في درجات الإيمان
يجدد المعنى
فكل شيء فيه مركز
حتى أحاسيس الصفاء
تثمر ارتياحا ورضا
وباقة حب وسلام
طوبى للواصلين
فللوصل ذبذبات
لا ترتشف إلا في حالة انعتاق




شهر رمضان شهر انعتاق الأرواح واسترواحها الزمن المبارك بكل المقاييس
شكرا على العبارات الجميلة الأستاذة الكريمة مليكة