الأربعاء 5 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

التنظيمات الجمعوية بالمغرب: التاريخ والشروط الاجتماعية – مقاربة سوسيوتاريخية –

طه الفرحاوي by طه الفرحاوي
25 يناير 2023
التنظيمات الجمعوية بالمغرب: التاريخ والشروط الاجتماعية - مقاربة سوسيوتاريخية -
0
SHARES
2k
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

تمهيد

تميز مغرب ما قبل الفترة الاستعمارية بإفراز عدة مؤسسات وسيطية، مهمتها الرئيسية تأطير المواطنين أفراد وجماعات، وهذه المؤسسات تنوعت من حيث مجالات اشتغالها وأهدافها المعبر عنها، فقد شمل تأطيرها مختلف الفئات، وذلك يعود لكون هذه المؤسسات كانت هي المعبر الوحيد بل الأوحد عن أماني وطموحات الناس خلال هذه الحقبة التاريخية وهكذا، انطلاقا من هذا المعطى، يتبدى أن المغاربة عاشوا في ظل “حركة جمعوية”، مارست وظيفتها تبعا للتطور التاريخي والذهني الذي صاحب المجتمع المغربي.

 إلا أنه، وبعد قرون، سيشهد المغرب مع بداية القرن العشرين تجديدا كليا في آليات التأطير المعتمدة للساكنة، من خلال مؤسسات مدنية حديثة في بنيتها وأدوارها وتدخلاتها، وقد كان العامل الاستعماري من وراء هذا التطور. فظهرت بذلك عدة تنظيمات مدنية لعبت أدوارا مختلفة في المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية.

 ولقد ازدادت “الحركة الجمعوية” حيوية خلال القرن المشار إليه نتيجة الاصطدام بين البنيات التقليدية المحلية ببنيات حديثة جاءت مع الاستعمار الأجنبي، الذي يعد بشهادة المؤرخين المغاربة منعطفا خطيرا، تغير معه كل شيء من وجه البلاد. ولم يبق شيء منها لا في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا في الاجتماع، ولا في الثقافة، الا ودخله التغيير، ففي هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المغرب، وما تلا ذلك من تأثير قوي على مختلف البنيات التقليدية الوسيطية المتواجدة في المجتمع، من حيث أشكال التآزر والتعاون التي كانت سائدة آنئذ، ومن حيث تقطيعها لأوصال التضامن بين الأفراد والجماعات المتعايشة لردح طويل من الزمن في الجغرافية المغربية. ذلك إذن، كان واقع البلاد خلال المرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها (المرحلة الاستعمارية) مرحلة كانت بمثابة ريح عاصفة أطاحت بما أطاحت به، وأقامت مقامه ما كان مرغوبا في إقامته. وقلبت البلاد رأسا على عقب، محتفظة بما بدا لها ضروريا أن تحتفظ به، ومجبرة سكان البلاد على دخول العصر طوعا أو كرها، وقد تأتى هذا الأمر على يد أول “مقيم عام فرنسي” وهو “هوبير ليوطي”. حينها سيعيش المغرب هندسة جديدة تشريعا وممارسة، مع ولوج خطابات ومفاهيم جديدة للفضاء العام، والرجة التي أحدثها الاستعمار الأجنبي بالبلاد.[1]

  لكن ما يهمنا في هذا الباب محاولة التأريخ للمراحل التي مرت منها التنظيمات الجمعوية ومن هنا نعتبر أنه لا يمكننا القفز عن التقسيم الذي قدمه الدكتور الطيب العيادي في تحديده لمراحل تطور العمل الجمعوي بالمغرب لأجل فهم أكثر السياقات، التي طبعت ظهور المجتمع المدني ومراحل تطوره كما سنتبين ذلك في محاور هاته الورقة.

المرحلة الأولى: 1914 – 1955

عرفت هذه الفترة بالضبط، لحظة بروز القوة القانونية المنظمة لممارسة العمل الجمعوي بالمغرب خلال فترة الحماية، إذ يمكن اعتبار ظهير 1914 المقرر من طرف سلطات الحماية كأول نص تنظيمي مرجعي يساهم في ضبط تأسيس وتنظيم الجمعيات.

 إذ لم يكن السياق التاريخي لتلك المرحلة يمنح إمكانية تأسيس منظمات وجمعيات وفق التشريع القائم على اعتبار السياسة الوطنية كانت كلما يأتي من السلطة الكولونيالية، وكنوع من رد الفعل على عدم الموافقة عليها كنظام أو على آليات الضبط والإدماج، التي أقامها المستعمر قصد تبيئة المجتمع من منظوره الكولونيالي، خاصة وأنه كان يستمد شرعيته القانونية من القانون الفرنسي المنظم للجمعيات هو الساري حينها والصادر سنة 1901، وقد تم تعديله ونسخ كل المواد وهوامش الحريات التي تتمتع بها الجمعيات الفرنسية.[2]

 إلا أن هذا الوضع لن يستمر طويلا بل سينتقل الوعي التنظيمي لدى الشبيبة المغربية وسيعرف طفرة نوعية وتحولا ذكيا لاستثمار هذه الإمكانية ضد الوجود الاستعماري نفسه، وذلك وفق الإمكانيات المتاحة من تواصل وحرية التحرك التي يتيحها غطاء العمل الجمعوي وأهدافه المعلنة لخدمة الأجندة النضالية وجعلها تلعب أدوارا إعلامية وتنسيقية تتميز بالمساهمة في تسيير العمل النضالي وانسيابية أخباره داخل المجتمع المغربي عبر القضايا الملحة وفي صدارتها مسألة الاستقلال، كما أثيرت حينها نقاشات تهم العمل الوطني والهوية الوطنية وكيفية تسخير الجمعيات للتنظيم واعتبارها بدائل للتحرك والتواصل والمقاومة.[3]

 وهكذا، ففترة الحماية شهدت تأسيس عدد من الجمعيات أبرزها: جمعيات قدماء تلاميذ الثانويات في المراكز الحضرية مثل “جمعية قدماء ثانوية مولاي يوسف” بفاس، وجمعيات الكشفية الإسلامية والحسنية، وجمعيات التربية والتخييم والفرق المسرحية… والفرق الرياضية المختلفة، والجمعيات الثقافية…الخ. ويذكر الباحث محمد سبيلا نماذج أخرى من هذه الجمعيات، أهمها: “النادي الأدبي” بسلا، “حماة الحقيقة “بالرباط، الرابطة المغربية للطالب “بتطوان، “جمعية المغرب الحديث”، جمعية الشباب المغربي”، “رابطة طلبة شمال إفريقيا”، “رابطة العمل المغربي”… الخ.[4] وقد تعاملت السلطات الاستعمارية مع هذه الجمعيات بمنطق التشجيع، إذا ما تعلق الأمر بجمعيات تخضع لتوجيه الإدارة وتخدم غاياتها، ولا تشكل أي تهديد لوجودها، وبين التضييق والحصار، في حالة العكس، كما حدث لجمعية قدماء التلاميذ بأزرو، التي رفض الحاكم العسكري لجهة مكناس الترخيص بتأسيسها بتاريخ 27 مارس 1942، قبل السماح بذلك عندما ضمن إمكانية التحكم فيها عبر فرض قانون أساسي تحكمي و”تعيين” أعضاء الجمعية.[5]

  وفي نفس السياق نستحضر الباحث الأنثروبولوجي عبد الله حمودي الذي يقول: “قد نشأت بنيات وكفاحات جديدة بفضل النقابات والهيئات التجارية وهيئات الصناعة التقليدية والحناطي المجددة والأعمال الحرة والتنظيمات البلدية، وكان انضمام البورجوازية المتعلمة (الذي لم يكن دائما يسيرا) المنتمية إلى المدن القديمة يشق طريقه. بهذا، فإن المجتمع المدني حر بشكل مفارق، تراقبه الشرطة مراقبة كبيرة كما كان الحال في الجارة الجزائر، فقد خطا هذا المجتمع المدني الناشئ خطواته الأولى في حضن المجتمع المدني الآخر، أي المجتمع المدني الكولونيالي، غير أن هذا المجتمع المدني الوطني ما فتئ أن خلق لنفسه مصيرا يعارض بشدة المجتمع المدني المحصور في إطار الاستعمار، حيث التضامن بينهما لم يكن أكثر من وهم. ويضيف حمودي في ذات السياق أنه قد نشأت انتقادات الوطنيين للطغيان الاستعماري، ووضعت هذا الاستعمار نفسه في حضن هذا المجتمع المدني ذي الحرية المراقبة الذي يحيط به فلاحون “مستقرون وموزعون مجاليا بطريقة جذرية جديدة” [6].

  ففي مجال الحريات العامة، كانت المرتكزات الأساسية لقانون الحريات العامة خلال نظام الحماية هي ظهائر 27 ابريل1914 ، و9 فبراير 1918، و20 نونبر 1920 حول الصحافة، وظهير24 ماي 1914 المنظم للحق في تأسيس الجمعيات، وظهير 26 مارس1914  حول حرية الاجتماع. وتستمد هذه النصوص روحها من التشريع الفرنسي، لكن درجة ليبراليتها كانت أقل، لدوافع سياسية مرتبطة بضمان استمرارية الحضور الفرنسي بالمغرب.

   فعلى سبيل المثال تميز ظهير24 ماي 1914 بطابعه التضييقي، حيث كان يفرض على كل من أراد تأسيس جمعية أكان مغربيا أو فرنسيا، ضرورة التصريح القبلي بذلك، كما كان يمنح للإدارة حق المراقبة الضيقة، التي تصل لحدود معارضة تأسيس جمعية ما، في أجل ثلاثة أشهر انطلاقا من التصريح الأخير.[7]

  كما شهدت هذه الفترة أيضا تأسيس الحركة الوطنية في الثلاثينيات كمقاومة للظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية والتي لا توجد بها محاكم شرعية، أو ما يسمى عند العموم “بالظهير البربري”، إذ ما يحسب إليها هو تأسيسها لأول جمعية وطنية يوم 7 أكتوبر 1932 وهي الاتحاد الرباطي السلاوي، إذ رافقت النخبة الوطنية فعل تأسيس المدارس بعملية تأسيس جمعيات، سواء رياضية أو مسرحية أو تربوية أو ثقافية أو سياسية وكانت هذه الجمعيات، مجالا لتدعيم نشاط النخبة. إذ قامت بالمساهمة في توحيد أفرادها العاملين بالمجال التعليمي على المستوى المحلي مع الأفراد المغاربة الذين هاجروا إما نحو الشرق أو الغرب لمتابعة الدراسة هناك، وكانت أيضا فرصة لخلق التقارب بين النخبة وبعض الزعماء المشارقة والغربيين، وهذا التقارب الذي وفره تأسيس الجمعيات كان مجالا لإثبات النخبة لمقدرتها على التنظيم والعمل بصيغ متعددة. وبما أن المستعمر الفرنسي لم يكن يسمح للمغاربة بحق تأسيس تنظيمات سياسية أو نقابية في تلك الفترة، فقد كانت الجمعيات بكل صيغها مجالا للتمرن على الفعل النضالي ومجالا لتجميع وتوحيد الصفوف، وقد كان “الظهير البربري” نقطة مركزية في تشجيع وتوحيد عمل الجمعيات، كما كان محكا منح أفراد النخبة فرصة قصد التحقق من كفاءاتهم التنظيمية وإثباتها، ليس فقط داخل دائرة الجمعيات ولكن وسط الجمهور، مثلما مكنهم إضافة إلى ذلك من إمكانية ممارسة فعل التركيب بين عمل المدارس وعمل الجمعيات على المستوى التنظيمي وبالتالي، خلق التنظيم السياسي كما أكد نور الدين الزاهي بأن الجمعيات قد لعبت على المستوى التنظيمي ثلاثة أدوار رئيسية:

  • دور له طابع توحيدي إذ تم توحيد أفراد النخبة الوطنية بالداخل والخارج.
  • دور له طبيعة اختبارية حيث سمحت لأفراد النخبة باكتساب تكوين علمي وتجربة على المستوى التنظيمي.
  • دور متمثل في كون الجمعيات سمحت للنخبة بالتعامل مع الجمهور الواسع الذي لم تكن له إمكانية التواصل مع هذه النخبة لولا هذه الجمعيات من جهة وفرصة الظهير البربري من جهة ثانية.[8]

المرحلة الثانية: 1956 – 1975

  إن الحياة الجمعوية، خلال السنوات الأولى من الاستقلال لم تتطور كما كان متوقعا، بل ظلت هذه الأخيرة تتمحور حول شبكة جد ضيقة من الجمعيات. ففي هذه الفترة، ظهرت مجموعة من الجمعيات الموازية لحزب الاستقلال، وأخرى أقل تخصصا، وأقل ارتباطا بالحزب السياسي، مثل جمعيات قدماء التلاميذ، الجمعيات الرياضية، الجمعيات الإحسانية، جمعيات العلماء.[9] كما تميزت السنوات الأولى من الاستقلال بالتركيز على مفهوم التطوع بمعناه الحديث، إذ تمثل سنة 1957 حدثا مهما في هذا الإطار، ألا وهو “طريق الوحدة” الهادف إلى الربط الطرقي بين المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار الإسباني وتلك التي كانت خاضعة للحماية الفرنسية، تعبيرا عن روح التطوع، كما يجسد رمزا لوحدة البلاد. كما عرفت هذه الفترة إصدار أول نص قانوني لتنظيم الجمعيات بالمغرب سنة 1958، والذي أثر بشكل كبير على واقع العمل الجمعوي، سواء من حيث أهدافه وبنيته ومجاله وحتى إيديولوجيته، إذ كانت اللحظة السابقة هي لحظة ولادة العمل الجمعوي بالمغرب فإن هذه المرحلة ستتسم ببزوغ الصراع بين بعض الفعاليات السياسية ونظام الحكم، وهذا بالضبط ما أسهم في تأسيس جمعيات لأهداف ذات صلة ضيقة بما كان يجري آنذاك، وقد شهدت هذه الفترة بالذات تأسيس جملة من الجمعيات تأتي على شكل جمعيات إدارية تؤسسها الدولة لمواجهة الأيديولوجية اليسارية بمختلف تياراتها مما أنتج خطابا تصعيديا غداة الانشقاق الذي عرفه حزب الاستقلال واتجاه منتسبيه نحو العمل الجمعوي بتأسيس منظمات وجمعيات موازية عملوا من خلالها على استقطاب المتعاطفين وتأطيرهم.[10]

 كما شهدت هذه الفترة أيضا نشأة عدد من جمعيات الشباب، نذكر منها الطفولة الشعبية، الشعلة، الجمعية المغربية لتربية الشبيبة… الخ، والتي هي جمعيات تشتغل بشكل خاص في المجال التربوي والسوسيوثقافي، لكن بخلفية سياسية.[11]  

 إلا أن هذا لا يعني أن الدولة تخلت عن المنطق الاستعماري الذي كانت تتعامل به سلطات الحماية تجاه الجمعيات ألا وهو الخيار القمعي الذي كان متجسدا في المنع من الفعل وتضييق الخناق على كل مبادرة جمعوية.[12] وهذا ما يؤكده ريمي لوفو، حول الفترة الموالية لاستقلال البلاد مباشرة، كانت الإدارة تنظر بعين غير راضية لكل تجمع للأشخاص، ولو كان هذا التجمع لأسباب بعيدة كل البعد عن الفعل السياسي، إذ تعتبر أن، أي قوة قادرة على التعبئة، مرشحة مبدئيا لتنحرف عن هدفها الأصلي. وهكذا، فبدل أن يخف أو يتلاشى الضبط الاجتماعي والمراقبة السياسية للساكنة، بعد خروج المستعمر، ازدادا وتعمقا في ظل الدولة الوطنية المستقلة، لدرجة أن جملة من المواطنين لم يتصوروا إمكانية وجود أي كيان مدني مستقل عن المخزن.[13]

 وبعبارة أخرى يمكن التأكيد أن أولى الاستراتيجيات التي تجلى من خلالها توسيع المجال السياسي للدولة على حساب المجتمع، تمثلت بالأساس في إنشاء ما يسمى بالجمعيات الجهوية منذ سنة 1975 بمبادرة من الدولة ومساهمة شخصيات مقربة من القصر ومشاركة الأعيان، ودعم السلطات العمومية.[14]

 غير أن البعض يعتبر هذا النوع من الجمعيات الجهوية لعبت دورا مهما في مرحلة لم يكن فيها المغرب مستعدا لانبثاق مجتمع مدني فعلي. إذ ملأت الفراغ الذي كان يتهدد المجتمع المدني المغربي، إذ يعتبر البعض أنها شكلت ما يمكن تسميته بالمختبرات التي سبقت ظهور المجتمع المدني.[15]

  لقد عرفت هذه المرحلة حسب علال الأزهر بحركة الصراع السياسي التي ابتدأت منذ 1970، وهي مرحلة عرفت تطورات سياسية سريعة ومتواصلة في اتجاه سلبي بالنسبة للنظام والطبقة السائدة آنذاك.[16]

 ومن هنا يمكن القول إن جل القوى كانت تجنح نحو اليسار بالمعنى الواسع للكلمة في نظام سياسي تقليدي.

المرحلة الثالثة: 1976 – 1990

يعتبر الدكتور الطيب العيادي أن هذه المرحلة اتسمت بنوع من اتساع الرقعة الجغرافية للعمل الجمعوي جهويا ومحليا، متخذة من التنمية هدفا أساسيا حيث ستحاول الدولة أن ترعاه في هذه المرحلة من خلال دعم المبادرات التي تكلف بها محسوبون على الإدارة العمومية أو بعض الأحزاب اليمينية أو الوسيطة، قصد تثبيت التوازن داخل المجتمع المغربي وعدم ترك الفراغ كليا لتيارات الإسلام السياسي بمختلف مشاربه.[17]

 فمرحلة الثمانينات شهدت على المستوى الجمعوي، انتشارا منقطع النظير للجمعيات الثقافية في العديد من الأحياء الشعبية للمدن الكبرى وكذلك في العديد من المدن الصغيرة والنائية بل وحتى العديد من القرى. ومن هنا يمكننا القول إن الفعل الجمعوي لم يعد فقط ظاهرة ثقافية بل أصبح أيضا ظاهرة اجتماعية، يعبر عن حاجة أعمق لدى كثير من المثقفين والمتعلمين، غير أن الثقافة المجتمعية المحيطة والمؤثرة قد تكون ثقافة تسييس الجمعيات واستعمال هذه الجمعيات كتنظيمات ملحقة بالحزب أو المنظمة أو الحركة السياسية، وهي خصوصيات تميزت بها السبعينات والثمانينات، وهو ما أثر سلبا على كبح المد الجمعوي، باعتباره حينها صفة أو تهمة موجهة للتضيق والاستجواب والتهميش من قبل السلطات الإدارية والأمنية.[18]

المرحلة الرابعة من: 1990 – إلى الآن

إن أبرز ما يميز هذه المرحلة هو نضج المغاربة ووعيهم بأهمية العمل الجمعوي وأدواره التنموية، مما دفع الدولة لإصدار ظهير الحريات العامة سنة 1998، الذي يضمن للأفراد حرية التعبير والاجتماع وحرية تأسيس الجمعيات والانخراط في أي منظمة جمعوية كانت أو نقابية أو سياسية حسب إرادتهم، كما اتسمت هذه المرحلة بصراع سياسي حاد، إذ لم تكتف الدولة بمواجهة التنظيمات السياسية والنقابية والثقافية المعارضة، بل حاولت اختراق حركية المجتمع المدني نفسه بخلق تنظيماتها السياسية (الأحزاب الرسمية) والنقابية (النقابات التابعة للأحزاب السياسية) والثقافية (الجمعيات الثقافية في مختلف الأقاليم والتي تطلق عليها المعارضة اسم جمعيات السهول والأنهار) لكن رغم ذلك لم تستطع الدولة اقتلاع جذور التنظيمات السياسية والنقابية والثقافية المختلفة وذلك بسبب تجذرها أولا، وثانيا لأن السلوك السياسي للدولة (السلطة) لم يعمد بسبب طبيعته المدنية إلى استخدام الأساليب التي استعملتها البلدان التي استولت فيها التنظيمات العسكرية على السلطة.[19]

 كما عرفت هذه المرحلة بالذات تصاعد وتيرة العمل الجمعوي، بحيث أصبح يساهم في مسلسل التنمية وقيام دولة الحق والقانون، بحيث أصبح يلقى تشجيعا من عاهل البلاد الملك محمد السادس، فهو يقول في خطاب العرش ليوم 31 يوليوز 2000: “إننا نشيد بالدور الفاعل للمجتمع المدني الذي أبان عن انخراطه الفاعل في محاربة الفقر والتلوث والأمية… وإننا بجد معتزين بتعاطي نخبة المجتمع المدني للشأن العام والعمل الجمعوي والاهتمام بمجالات كانت إلى حد كبير، ملقاة على عاتق الدولة لوحدها، مما يعد مؤشرا على نضج الشعب وقواه الحية”[20] وهكذا يتضح لنا الدور الكبير الملقى على عاتق الفاعل الجمعوي موازاة مع مؤسسات الدولة في تعاطيه مع ملف التنمية خصوصا المحلية التي تستأثر باهتمام مختلف الفاعلين السياسيين والجمعويين على حد سواء.

 إن الدينامية الجمعوية التي يعرفها المجتمع المغربي في العشرية الأخيرة للقرن العشرين والأولى للقرن الواحد والعشرين جعل من العمل الجمعوي مطلبا اجتماعيا بل وحاجة بشرية، على خلاف العمل السياسي الذي أصبح منفورا منه وتقوقع في نخبويته الضيقة، والدليل على هذا هو التصاعد المتزايد لعدد الجمعيات خلال فترة بداية الألفين حيث كان يقدر بأكثر من 30 ألف جمعية[21] ذات أصول وأهداف متعددة ومتنوعة، في حين أصبحت مستويات المشاركة السياسية للمواطنين في الانتخابات تتجه نحو الانخفاض والتقهقر في كل موسم انتخابي.

 وعلى هذا الأساس أصبح العمل الجمعوي عملا جماهيريا، ولم يعد من اختصاص نخبة معينة، بل إنه أصبح يكتسي طابعا مواطناتيا، لأن المواطنة انتماء وانخراط إيجابي وبناء في الحياة العامة، فالمواطن هو ذلك العضو الفاعل والنشط الذي يقبل على الشأن العام لمجتمعه بيقظة واهتمام ولا يتأخر عن المشاركة العملية في كل ما من شأنه تحسين وتطوير الحياة العامة المشتركة، وهذا ما نستشفه من خلال خطاب الملك محمد السادس حول إطلاقه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يوم 18 ماي 2005، إذ جعل من مرتكزات المبادرة “المواطنة الفاعلة والصادقة” وكذلك في خطاب افتتاح الدورة التشريعية الرابعة للبرلمان أكتوبر 2005 حيث يقول “تركيزنا على بناء ثقافة المواطنة الإيجابية بكل ما تعنيه من تحول إلى عقلية المواطن الفاعل المبادر المشارك المنتج بدل السلبية والتواكلية والانتظارية” ويضيف في نفس الخطاب السابق “وأهمية مساهمة السكان ونجاعة المقاربات التعاقدية والتشاركية ودينامية النسيج الجمعوي المحلي لضمان الانخراط الفاعل في مشاريع التنمية عن قرب واستمرارها باعتبارها مكسبا لهم”[22] وهذه المرحلة بالذات التي عقبت إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تميزت بتناسل مطرد في تأسيس الإطارات الجمعوية لاعتبارات متنوعة زيادة على ذلك فهذه المرحلة تميزت بتنامي الحديث الدولي عن المجتمع المدني كفاعل وشريك في المجتمع مما شجع على إدماجه في النقاش العمومي الداخلي وتقديمه بديلا نظيفا وتجربة عذراء في تدبير الشأن العمومي، فكان الانفتاح على مجالات واهتمامات غير مسبوقة كالتنمية المحلية والبيئة ومحاربة الرشوة وحماية المستهلك والدفاع عن الثقافة والهوية الأمازيغية.[23]

 يصف الدكتور العيادي الطيب هذه المرحلة بمرحلة التحرر والتجاوز وتحقيق الاستقلالية عن الوصاية والتأثير السياسي المباشر، خصوصا مع اتجاه الدولة نفسها لطلب هذه الخدمة وتخصيص أشكال من الدعم المادي والقانوني لها، لتصبح فاعلا قائم السلطة بالمغرب، وهذا ما تعبر عنه الرؤية النقدية لمصطفى شادلي حول الجمعيات الاقليمية، التي باتت تطلب الدعم من طرف السلطات، ومنه تستفيد من البنية التحتية والكفاءات البشرية للدولة كمزود ومانح، إلا أنها لم تلعب الدور المسند إليها رغم انتشارها بشكل واضح، واقتصرت هذه المساهمة على الاحتفال بالأعياد والطقوس الرسمية وهي 20 جمعية غطت التراب الوطني من بينها (جمعية رباط الفتح – أبي رقراق الأطلس) وكذلك المساهمة في الأيام الوطنية أو الدولية “أيام الطفل – الماء – التشجير – المسيرة الخضراء…” [24]

على سبيل الختم

بعد هذا الجرد التاريخي لبروز الظاهرة الجمعوية بالمغرب يمكننا القول إنها ظاهرة حديثة، ارتبطت بعدة تغيرات اجتماعية شهدها المجتمع المغربي خلال الفترة الاستعمارية. إلا أن هذا كله لا ينفي مسالة أساسية هي تميز المجتمع المغربي تاريخيا بممارسات وتنظيمات اجتماعية عفوية قائمة على التعاون والتضامن، وأن بعض أشكال هذه الممارسات والتنظيمات ظلت مستمرة، حتى عقب ظهور التنظيمات الاجتماعية الحديثة، كالجمعيات.

 فالاختلاف الحاصل بين التنظيم الجمعوي الحديث والممارسات التقليدية وبنياتها، هو اختلاف بين نسقين اجتماعيين متمايزين جوهريا، نسق تقليدي قائم على رابطة الدم والقرابة ووحدة الانتماء للمجال، وتتوارى فيه ذاتية الفرد وراء سلطة الـ”نحن” أو الضمير الجمعي بتعبير دوركايم، ونسق حديث تقوم فيه العلاقات على التعاقد بين ذوات مستقلة وتتمتع بحرية الإرادة…[25]

لائحة المراجع المعتمدة:

  • بوخريص فوزي، في سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب من العمل التطوعي إلى العمل المأجور، مطبعة كوثر برانت، الطبعة الأولى، 2015.
  • حمودي عبد الله، الشيخ والمريد، النسق الثقافي والسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الطبعة الخامسة 2014.
  • الخطاب المتعلق بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليوم 18 ماي 2005 من قبل ملك البلاد محمد السادس.
  • خطاب الملك محمد السادس ليوم 31 يوليوز 2000 (خطاب العرش).
  • العطري عبد الرحيم، صناعة النخبة بالمغرب، المخزن، والمال والنسب والمقدس، طرق الوصول إلى القمة، دفاتر وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 2006.
  • العيادي طيب، جينالوجيا الفعل والخطاب الجمعويين بالمغرب
  • لوفو ريمي، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، منشورات وجهة نظر، ترجمة محمد الشيخ، 2011.
  • الماعوني عز الدين، الفاضيلي دنيا، السيرورة التاريخية لبروز الفعل الجمعوي بالمغرب، مجلة باحثون، العدد الثامن، أكتوبر – دجنبر2019.
  • مرشد المواطن، كتيب صدر عن جمعية دابا – 2007 (أصدرته مجلة: Telle quelle N° 263 Mars 2007.
  • مولاي عبد الحكيم الزاوي: “المجتمع المدني والايكولوجيا السياسية”، مجلة باحثون، العدد الثامن، أكتوبر- دجنبر، 2019.

[1] مولاي عبد الحكيم الزاوي: “المجتمع المدني والايكولوجيا السياسية”، مجلة باحثون، العدد الثامن، أكتوبر- دجنبر، 2019، ص: 16.

[2] العيادي طيب، جينالوجيا الفعل والخطاب الجمعويين بالمغرب.

[3] العيادي طيب، مرجع سابق.

[4] سبيلا محمد، منظمات الشباب والمجتمع المدني، ضمن المؤلف الجماعي “دار الشباب المغربية: الواقع والافاق”، منشورات الشعلة، ص  77أورده بوخريص فوزي، في سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب من العمل التطوعي إلى العمل المأجور، مطبعة كوثر برانت، الطبعة الأولى 2015، ص 21.

[5] بوخريص فوزي، مرجع سابق، ص 22.

[6] حمودي عبد الله، الشيخ والمريد، النسق الثقافي والسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الطبعة الخامسة 2014 ص16.

[7] بوخريص فوزي، مرجع سابق، ص 22

[8] الماعوني عز الدين، الفاضيلي دنيا، السيرورة التاريخية لبروز الفعل الجمعوي بالمغرب، مجلة باحثون، العدد الثامن، أكتوبر _ دجنبر 2019 ص87

[9] لوفو ريمي، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، منشورات وجهة نظر، ترجمة محمد الشيخ، 2011 ص: 244 – 245

[10] العيادي الطيب، مرجع سابق، ص: 5 – 6

[11] بوخريص فوزي، مرجع سابق، ص: 25

[12] العطري عبد الرحيم، صناعة النخبة بالمغرب، المخزن، والمال والنسب والمقدس، طرق الوصول إلى القمة، دفاتر وجهة نظر مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى سنة 2006 ص:127.

[13] لوفو ريمي، مرجع سابق، ص245_246.

[14] العيادي الطيب، مرجع سابق.

[15] بوخريص فوزي، مرجع سابق ص30.

[16] الازهر علال، الماركسيون في المغرب، حوارات واسئلة، منشورات الزمن، الطبعة الثانية2014 ص49_48 أورده عز الدين الماعوني_دنيا الفاضيلي، مرجع سابق، ص87,

[17] العيادي الطيب، مرجع سابق.

[18] العيادي الطيب، مرجع سابق.

 

[20] مقتطف من خطاب الملك محمد السادس ليوم -31 يوليوز 2000 (خطاب العرش).

[21] مرشد المواطن، كتيب صدر عن جمعية دابا -2007 (أصدرته مجلة: Telle quelle N° 263 Mars 2007,P32

[22] الخطاب المتعلق بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليوم -18 ماي 2005 من قبل ملك البلاد محمد السادس.

[23] العيادي الطيب، مرجع سابق.

[24] الماعوني عز الدين، الفاضيلي دنيا، مرجع سابق، ص88.

[25] بوخريص فوزي، مرجع سابق، ص32.

وسوم: الاستعمارالتاريخالجمعياتالرئيسيةالمغرب
طه الفرحاوي

طه الفرحاوي

باحث في سوسيولوجيا التنظيمات والبرامج الصحية مختبر الدكتوراه التاريخ المجال المجتمع والثقافة، المعهد الجامعي للبحث العلمي- جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب.

التالي
محمد المختار ولد اباه

محمد المختار ولد اباه ... قرن من الكفاح العلمي المظفر

تعليقات 4

  1. Avatar qlSxAbqp says:
    3 سنوات ago

    Link to this page discount levitra canada

    Reply
  2. Avatar ZGmwzGP says:
    3 سنوات ago

    All previous reports utilized microarray or quantitative reverse transcription polymerase chain reaction qRT PCR with cell lines for analysis, or had few patient samples ger prescriptions online for proscar

    Reply
  3. Avatar hUUSAd says:
    3 سنوات ago

    Fluid administration is generally titrated to maintain mean blood pressure above 70 and urine output at 30 50 mL h in adults and 0 viagra pills price Once the two shots went in he stiffened his nose and I then got up and then left

    Reply
  4. Avatar Exceest says:
    3 سنوات ago

    com 20 E2 AD 90 20Brand 20Viagra 20Spain 20 20Viagra 20Usa 20Sales brand viagra spain Beijing regularly parries complaints about Chinese hackinginto the computers of U comprare cialis online

    Reply

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر