في شهر يونيو 2010 كنت أستمع إلى نقاش مسجل على مجلة نيو يوركر، حيث قرأت الروائية البريطانية البنغالية الأصل “مونيكا علي” قصة قصيرة شهيرة نشرت في المجلة قبل سنوات عن حفلة عشاء. وبعد قراءة القصة بدأ النقاش، وكان طريفًا أن تستمع لطريقة تعامل الناقدين مع النص، فقد تعاملوا مع قصة خيالية وكأنها واقع، بل سألت مقدمة البرنامج في النهاية الروائية: هل سيستمر الزوجان معًا في هذه الحادثة؟ وما الدوافع النفسية لتصرف هذا الشخص أو ذاك؟ وما مستقبل علاقات تلك الأسرة؟ أصبح النقاش والنقد الفني لقصة خيالية مسألة جادة، لحياة أشخاص يعيشون ويشتكون ويفرحون ويحزنون ونحزن لحزنهم ونفرح لفرحهم، وهم لم يوجدوا أصلًا إلا على السطور وفي مخيلة الكاتب والقارئ.
الحقيقة أن هذا الخيال صنع واقعًا وفكرة ومجالًا للحياة بديلًا عن الحياة الحقيقة للناس، فهم لا يناقشون خيال القاص، بل دخلوا في مشكلة اصطنعها هو لهم، ثم بدأوا يتحاورون ويتجادلون فيها.
ويحضرني مثل آخر، فقد كان يقص عليّ صديق من ليبيا ولع الناس في بلاده بالشعر البطولي والأسطوري في بادية ليبيا، وكان من عادة الشاعر القدير عندهم أن ينظم قصيدة عن فارس بطل يرعب الأعداء ويقتل منهم، حتى يرفع الرؤوس على الرماح، ويسطر مجد قومه، ويحسم المعارك، حتى إذا بلغت الأسطورة غايتها، وقد أشاد به ومجّده وأسطر بطولته وصنع منها التهاويل، أنهاها كعادة الفن المؤثر المنتشر في بيئتهم بمشاهد مؤلمة حيث يُقتل البطل وتنهي القصيدة بمقاطع حزينة ومرثية أو حكمة. يقول صاحبي في إحدى المرات كان الشاعر يلقي قصيدته أو أسطورته التي اصطنعها، ويمجد فارسه الذي لم يكن ولم يعش إلا في خياله وخيال سامعيه، وحين بدأت القصيدة تنحني للنهاية حيث سيغرب النجم ويتحدث الشاعر عن نهاية البطل وينسج أسطورة مقتله وموته، انتفض أحد الحضور المشاهدين لإلقائه القصيدة رافعًا بندقيته بيده ومهددًا الشاعر وأقسم له بالله إنه إن قتل البطل ليقتلنه هو.
نحن من بعيد نستمع للقصة وللموقف ولم نستمع للقصيدة، ولكن لا شك هجس في خواطرنا أن الشاعر قد استحوذ على الآذان والعقول والعواطف، وتمكن من صناعة بطل محبوب، ومن روعة هذا الإنجاز الفني أصبح المتلقي مولعًا بالشخصية الخيالية إلى درجة أنه يقتل من يسيء إليها. فأنت لست أمام خيال، بل خيال يتحول إلى حقيقة وحياة حاضرة بديلة عن الحياة، وهجرة من الواقع إلى الخيال. أنت أمام عالم يصنعه لك الفنان لتدخل فيه وتعيشه وتناقشه، وتتعرف على شخصياته وتخاصمهم وتوافقهم وتكرههم أو تحبهم. أنت أمام فنان شاعر خلق من الهم حقيقة، واستحقت هذه الأسطورة الخيالية أن تقتل الحي من أجل خيالها، يقتلون الشاعر الحي الجالس أمامهم، أي ابن عمهم وهو صانع الأسطورة، من أجل الحفاظ على خيال نسجه لهم في رؤوسهم.
ذلك هو الاستحواذ، وتغييب الشاهد وإدخاله في خيال ربما لم يحدث ولم يوجد. وهنا تجد الفنان الرائع الذي سحر الحاضرين وأخرجهم من الواقع إلى الخيال، وتلك متعة الفن الراقي، ومن أهم غاياته الابتعاد من الواقع إلى ما يسطره لك الفنان في فيلم أو قصيدة أو رواية أو لوحة أو نغم، من ينقلك إلى فرح أو حزن إلى مجد أو عار من صناعته هو. ذلك هو الفن، إبداع لعالم يمكنك أن تعيش فيه زمنًا طويلًا كرواية طويلة أو مسرحية، أو تعيش فيه لحظات قصيرة كأقصوصة مبدعة أو حتى نكتة قصيرة. وقد ذكرت في مكان آخر قصة صديقي الذي دخل على أمه وهي تقرأ الصفحات الأخيرة من رواية ديفيد كوبرفيلد لتشارلز ديكنز، فسألها عن سبب البكاء فأخبرته بالسبب: إن الكتاب سينتهي والشخصيات في الرواية ستغيب ولن أجدها مرة أخرى! ما أن سمعت القصة إلا وعرفت ان الكاتب قد أبدع فنا أسعد ويسعد من يستمتع به. إن الفن حين يخرجك من عالمك إلى عالمه يكون قد بلغ من النجاح ذروته، كما علق ألكسندر إليوت على منظر الدخول إلى قصر الحمراء في غرناطة أنه “انسحاب من العالم”[1]، إلى أن يقول:
إن قصر الحمراء يكاد يحجب عن نفسه الطبيعة، فكله متجه نحو الداخل. والمقصورات والأبواب المخرمة أشبه بالآذان والعيون التي ينسحب المرء من داخلها ويوغل فيها فينسحب المرء حتى من حاسة اللمس… الحمراء قصر صمم وفق جريان ما يعجز عنه التأمل. لم يظهر بناء في الهندسة المسيحية برهافة الحمراء الذاتية حتى العصر القوطي[2].
إن الفن الخالد يخرجك إلى عالم تكتشفه داخل نفسك، عالم لا يحاط به، واسع وجميل لا تكاد تدرك له أبعادًا، أو كما قال أحدهم: “لدى الإنسان أيضًا فضاء لا يحد في أعماق روحه. وهذا الفضاء اللامحدود لن يستطيع فيلسوف أو كاهن أو أي مخلوق آخر أن يخططه وينظمه ويمتلكه. الفنان وحده يجيء ويقول: انظر إلى دخيلتك من خلال ما صنعت أنا، لترى سماءك المكوكبة، سماءك أنت وحدك”[3]. ثم يشير الكاتب إلى لحظات الفرح وخلود الروح، وأب أو أم يستمتعان فجرًا بمناغاة طفلهما وهما يضمانه وقد شفي من الحمى. وهل أغراك هذا بمزاج الأم وفرحتها برائحة طفلها وتغزلها به حين تقبله وتشمه وتقول مع الأعرابية:
يا حبذا ريح الولد ريح الخزامى في البلد
أهكذا كل ولد؟ أم لم يلد قبلي أحد؟
إنها لحظات العمق الذاتي التي لا تتكرر إلا قليلًا، وحدها الأم الرؤوم والأب المحب يستولي عليهما شعور لا يوصف عمقه تجاه الطفل. وتبقى فضاءات هناك وعوالم في الأعماق غير موصوفة مهما حاول الواصفون شرحها وتوصيفها، ولو حاول الواصفون فإنهم يُحقِّرون عظيمًا ويختزلون ما لا يقبل الاختزال.
[1] ألكسندر إليوت، آفاق الفن، طبعة الشارقة، ص 186.
[2] نفسه، ص 186-187.
[3] نفسه، ص 190-191.
[1] كتبت كتابًا عن الفن تطاول، فقلت أنشر منه حتى يحين نشره كاملًا.




كيف لمن يكتب مثل هذاالمقال أن يتشفّى بقتل، وفقر، وتهجير أبناء عمومته الذين ضحّوا بالملايين بين قتيل وجريح ويتيم وأرملة من أجل الدفاع عنه وعن بلده… هل المصلحة الشخصية والقطرية الضيّقة أهم من المصلحة الكبرى لأمة عريقة؟ أم حتى “للمفكرين” أقنعة قذرة؟
https://twitter.com/alahmarim/status/1459524962008678405?s=20&t=VKCsSXSckeiKysB9Sf-zcg
الله الله هذه قطعة من الجمال سلمت أباعمرو وسلم قلمك.
مقال فني جميل و رائع ..لا يعرف الشوق الا من يكابده..صحيح ماذكرت د.محمد
والفن فيه خروج وبعد عن الواقع الأليم وفيه سلوة يعرفها من يتعاطى تلك الفنون