استيفن كوك (Steven A. Cook)
ترجمة التحرير
عندما تلقيت كتاب جاريد كوشنر ” “Breaking History: A White House Memoir (خرق التاريخ: مذكرات البيت الأبيض)، لمراجعته مثل غالبية الآخرين، كان رد فعلي الطبيعي إزاءه مسرفًا في السخرية والتهكم. لكن بعد قراءته، فكرت فيه بشكل أفضل لسببين. أولاً، الحياة ليست تويتر. وثانياً، كان كوشنر لاعباً حقيقياً في إدارة رئاسية لها عواقبها. إنه يستحق أن يؤخذ على محمل الجد، خاصة عندما يتعلق الأمر بذلك الجزء من العالم الذي أتمتع بخبرة بشأنه، والذي ركز صهر الرئيس السابق، اهتمامًا كبيرًا حياله، خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض: الشرق الأوسط.
لم يكن هناك أي شك في أن نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وغيرهما سوف يتعاملون مع “خرق التاريخ” استنادًا إلى من هو كوشنر – أو للصورة الكاريكاتورية عنه – أكثر من سجله أثناء وجوده في الحكومة، أو رؤيته للعالم، أو الافتراضات التي دعمت جهوده في الشرق الأوسط. قد يكون هو كل ما يقول منتقدوه عنه، لكنه كان أيضًا الرجل الرئيسي لإدارة ترامب في القضايا الجادة مثل المملكة العربية السعودية وعلاقات إسرائيل مع العالم العربي، وكان محوريًا في جهود ترامب في البيت الأبيض لإرساء السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هذه قضية كبيرة وسبب كافٍ للنظر إلى “خرق التاريخ” من ناحية المزايا.
لسوء الحظ، لا يقدم الكتاب تفكيرًا مدروسًا في لقاء فريق ترامب مع الشرق الأوسط ولا شرحًا للأسس الفكرية لـ”الاضطراب” الذي ادعى أنه جلبه للتأثير على المشاكل الشائكة في المنطقة. وعوضًا عن ذلك، أعاد كوشنر كتابة رزنامته، مما أدى إلى 512 صفحة مملة من سنواته في البيت الأبيض. في هذه المراجعة، سيلاحظ القارئ الحريص وجود تناقض في قلب الكتاب: على الرغم من العنوان والسرد اللذين يهدفان إلى تعزيز فكرة أن كوشنر كان جريئًا في تحطيم السياسات القديمة المتصلبة وغير الفعالة في الشرق الأوسط، إلا أنه لم يفعل شيئًا. من هذا النوع.
جهود إدارة ترامب في الشرق الأوسط تحمل تشابهًا مذهلاً مع نهج الولايات المتحدة الذي كان قائماً في 10 سبتمبر 2001 (قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر) من كلا الحزبين تجاه المنطقة: دعم إسرائيل، وشركاء واشنطن من العرب – بغض النظر عن طبيعة أنظمتهم – والضغط المستمر على إيران، باستخدام العقوبات الاقتصادية في الغالب، ولكن ليس حصرًا.
الفجوة بين ما تخيل كوشنر أنه كان يفعله، وما كان يفعله في الواقع، ليست نقطة الضعف الوحيدة في الكتاب. يؤكد جميع المسؤولين السابقين تقريبًا على سياسات أو أحداث معينة عوضًا عن أخرى لإظهار أنفسهم والإدارات التي خدموا فيها في أفضل شكل ممكن. لا يختلف كوشنر عن ذلك، لكنه كان صامتًا بشكل غريب، أو كان بالكاد مسموعًا في عدد من القضايا الحرجة. يذكر المحاور الرئيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع المملكة العربية السعودية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان اغتيال جمال خاشقجي بشكل عابر. يعرب كوشنر عن أسفه لتقطيع أوصال كاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست، لكنه يرى أن إصلاحات محمد بن سلمان من أعلى إلى أسفل (الفوقية)،أهم بكثير من لوم ولي العهد على جريمة يفهم الجميع أنها ارتكبت بناء على طلب منه.
توصل آخرون أيضًا إلى هذا الاستنتاج البراغماتي…، لكن كوشنر لم يتوقف حتى لتقديم أي نظرة متفحصة لمحمد بن سلمان أو التناقضات بين وحشية نهج ولي العهد والتغييرات الإيجابية التي أحدثها في المملكة. وعلى الرغم من أن كوشنر يريد أن يحدث خرقًا في التاريخ (أي أن يقوم بحدث يغير جذريًا من مسار التاريخ)، إلا أنه يقبل معايير العلاقة الأمريكية السعودية كما هي، ولطالما كانت هي: النفط والأمن. إنه لا يفكر أبدًا في احتمال وجود مخاطر على واشنطن من خلال ارتباطها الشديد بولي العهد.
أحد تلك المخاطر يكمن في اليمن وحربه الأهلية. في عام 2015، نشر محمد بن سلمان القوات السعودية للتدخل نيابة عن الحكومة اليمنية التي فقدت للتو السيطرة على عاصمتها. في السنوات التالية، ساهم التدخل السعودي في زعزعة الاستقرار في شبه الجزيرة العربية وفي إحداث أزمة إنسانية مروعة. كما أنها جعلت خصوم المملكة العربية السعودية في اليمن، الحوثيين، أقرب إلى إيران ووكيلها الإقليمي، حزب الله، أكثر مما كانوا عليه قبل التدخل، ووضع العملاء الإيرانيين في موقع استراتيجي مجاور لممرات الشحن الحيوية وعلى مسافة قريبة من شركاء الولايات المتحدة. حول تلك القضايا، يلتزم كوشنر بالصمت.
قرار نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس – والذي كان انفصالًا كبيرًا عن الماضي – يحصل على ست صفحات في المجمل. ومع ذلك، يبدو أن هناك القليل من الفائدة في كونه بهذه الجرأة (كون القرار جريئًا في خرقه لما كان معتادًا في الماضي). يروي كوشنر أن والد زوجته سأله عما سيحصل عليه من إسرائيل في المقابل. رداً على ذلك، لم يستطع كوشنر إلا حشد “النوايا الحسنة للإسرائيليين” حتى يقدموا تنازلات في المستقبل. من الواضح أن كوشنر لم يكن لديه فهم يذكر لديناميات إسرائيل السياسية.
عندما يتعلق الأمر بإقامة سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن كوشنر، مثل كثيرين في مجتمع السياسة الخارجية بواشنطن، الذين من الواضح أنه يحتقرهم، لا يكلف نفسه عناء التساؤل، “لماذا نفعل هذا؟” هذا كان يمكن أن يكون مدمرًا حقًا. بدلاً من ذلك، ومثل السائرين في عملية السلام من قبله، يخوض كوشنر في صراع لا يمكن حله. إنه لا يفكر أبدًا في حجم المصالح الأمريكية المعرضة للخطر، لدى خدمة هذا الهدف (الوصول إلى تسوية للصراع) وبأي ثمن.
اتضح أن معالجة السلام الخاصة به هي نفسها، مع الشوائب (نفسها أيضًا)، فعوضًا عن ترك كل شيء للتفاوض، توضح خطط كوشنر نهاية اللعبة بالتفصيل. من الواضح أنه لم يفهم أن هناك سببًا لعدم قيام جميع الأشخاص الأذكياء والمتمرسين الذين سبقوه بتوضيح تفاصيل اتفاقية إنهاء النزاع. أليس هنا يسكن الشيطان؟ على أي حال، كانت نتائج كوشنر مماثلة لنتائج أسلافه دينيس روس وجورج ميتشل ومارتن إنديك.
يلقي كوشنر باللوم على فشل خطته المسماة “السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني” – التي يبدو أنها اقتبست من اقتراح عام 1979 الذي قدمته المنظمة الصهيونية العالمية – على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. هذه مسرحية سهلة. عباس فاسد، خائف من شعبه، ومكتف بالوضع الراهن.
ينتهز كوشنر طوال الوقت كل فرصة لتوجيه انتقادات لعباس ويقدمه في أسوأ صورة ممكنة. في إحدى المقاطع، كتب عن الزعيم الفلسطيني: “كان يدخن باستمرار، لذلك كان يسحب سيجارة من على المائدة كل بضع دقائق، ويضعها في فمه، وينتظر أن يشعلها أحد المرافقين له. اعتقدت أن عباس يبدو وكأنه ملك أكثر من كونه ممثلًا لمجموعة من اللاجئين المضطهدين تاريخياً “. قد يكون كل هذا صحيحًا، لكن المقطع يكشف شيئًا غريبًا جدًا عن كتاب كوشنر. لقد بذل طاقة كبيرة للتوصل إلى اتفاق سلام، لكن ليس ثمة الكثير لديه ليقوله عن الفلسطينيين، ولم يُظهر أي اهتمام بفهم سرديتهم التاريخية أو نظرتهم إلى ما هو عادل.
ومع ذلك، على عكس مبعوثي السلام الآخرين الذين سبقوه، فإن كوشنر لم يكلف نفسه عناء التفكير في المكان الذي ربما يكون قد أخطأ فيه هو وخطته. وبغض النظر عن حقيقة أنها تركت للفلسطينيين أرخبيلًا ضيقًا من “شبه السيادة” على طول العمود الفقري للضفة الغربية، بدا أن كوشنر وفريقه يعتقدون أنه إذا تم إقناع الفلسطينيين بهزيمتهم الكاملة، فسوف يستسلمون. هم لم يستسلموا ولن يستسلموا. الصمود والمقاومة هما الآن عنصران أساسيان في الهوية الفلسطينية. استبدل عباس بزعيم فلسطيني آخر وستجد النتيجة هي نفسها.
حققت إدارة ترامب إنجازًا كبيرًا في الشرق الأوسط: اتفاقيات أبراهام. من خلال العديد من التدابير، التي تشمل التقارير الخاصة بذلك الوقت، وذكريات المشاركين من جميع الأطراف، لعب كوشنر دورًا أساسيًا في الاتفاقات. بعد الواقعة بفترة طويلة، يثني المسؤولون العرب والإسرائيليون على كوشنر لجهوده، بحجة أن اتفاقات أبراهام لم يكن من الممكن أن تحدث في ظل أي إدارة أخرى.
تم توجيه الكثير من الانتقادات حول تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأربع دول عربية – الإمارات العربية المتحدة والمغرب والبحرين والسودان – بما فيها: الانتقادات الموجهة ضد استمرار ذلك التطبيع على الرغم من احتلال إسرائيل المستمر للضفة الغربية والحصار المفروض على قطاع غزة، والانتقادات الموجهة ضد كميات الأسلحة التي وعدت بها إدارة ترامب دولة الإمارات، وضد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع إسرائيل. هذه انتقادات صحيحة لاتفاقيات أبراهام، لكن اتفاقيات السلام أنتجت أيضًا فوائد اقتصادية، وتعاونًا علميًا، وتعاونًا أمنيًا، والأهم من ذلك، زيادة الاتصالات بين الناس.
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بإنجازاته وإنجاز إدارة ترامب في الشرق الأوسط، يظهر كوشنر نقصًا في الوعي الذاتي والعمق. فهو يجعل الأمر يبدو وكأن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة كان تطوراً مذهلاً – شبيهاً برحلة الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى القدس عام 1977 – وليس خطوة منطقية لدولتين كانتا تتجهان تدريجياً نحو التطبيع خلال الخمس سنوات السابقة.
كتب كوشنر: “لقد قللت من تقدير مدى ضآلة العلاقة بين البلدين”. على الأرجح، لم يكن الأخير على علم بمدى العلاقات حتى قبل التطبيع الرسمي. فقد شارك رياضيون من إسرائيل في مسابقات دولية في الإمارات. وقبل أن تنشئ إسرائيل سفارة هناك، كان لإسرائيل مكتب دبلوماسي في أبو ظبي مرتبط رسميًا بالوكالة الدولية للطاقة المتجددة، لكن العديد من المراقبين فهموا أنه يتصرف كسفارة غير رسمية. كما كان التعاون الأمني الإماراتي الإسرائيلي سراً مكشوفاً. عندما قابلت وزيرًا إسرائيليًا سابقًا في دبي أواخر عام 2021، سألته عما إذا كانت هذه هي زيارته الأولى للإمارات. نظر إلي بغرابة وقال، “ستيفن، هذه هي زيارتي الثالثة والثلاثين”.
إذا نظرنا إلى الوراء، لم يستطع كوشنر أن يقدم نظرة ثاقبة واحدة حول كيفية تأثير اتفاقيات أبراهام أو كيف ينبغي أن تؤثر على نهج الولايات المتحدة في المنطقة. هل يجعل التمحور نحو آسيا أسهل؟ (انتقال مركز ثقل الاهتمام الجيوسياسي الأمريكي تجاه الصين) هل ستؤدي الاتفاقات إلى زيادة ترسيخ وجود الولايات المتحدة في منطقة أراد والد زوجته بشدة أن يغادرها؟ ما هي عيوب اتفاقات أبراهام؟ الاتفاقيات مهمة من الناحية التاريخية، لكن كوشنر لا يستطيع التفكير في أي شيء أعمق لنقله إلى قرائه بخلاف من وماذا ومتى، حدث كل ذلك.
احتل الشرق الأوسط معظم وقت إدارة ترامب، لكن سرد كوشنر لهذه الأحداث هو سرد فارغ من المضمون. “خرق التاريخ” هو مجرد كلمات في 512 صفحة بدون دروس ولا معنى ولا طريقة جديدة للنظر في المشاكل القديمة. إذا كان من الممكن أن يكون الكتاب عبارة عن ضوضاء لا معنى لها، فإن كوشنر قد أنتجه بهذا الشكل. وإذا كان بغرض أن يضع الأمور في نصابها، فقد فشل. إنه عمل هواة.



