في الكتاب المنشور باللغة الانجليزية العام الماضي تحت عنوان: “Islamic Scholarship in Africa: New Directions and Global Contexts” “التعليم الإسلامي في إفريقيا: اتجاهات جديدة وسياقات عالمية” (تحرير: عثمان عمر كين، دار نشر جيمس كوري، 2021) يسعى مجموعة من الباحثين المهتمين بالدراسات الأفريقية إلى تتبع التعليم الإسلامي في أفريقيا واستكشاف تأثيره على التاريخ الديني والسياسي والاقتصادي والثقافي للقارة السمراء. ويشيد الكتاب في هذا السياق جسورًا بين الانقسامات بين المعرفة المنتجة في أوروبا وفي خارجها، من أجل تطوير الفكر ما بعد الاستعماري، وتوسيع حدود أبحاث العلوم الاجتماعية في إفريقيا. [[1]]
يكشف كذلك هذا الكتاب المكون من مجموعة من الدراسات عن التبادلات الفكرية والروحية التي جرت بين شعوب المغرب العربي والصحراء وغرب إفريقيا في إطار طلب العلم والتعليم الإسلامي. يدرس المؤلفون في هذا السياق تاريخ المدارس الدينية وواقعها المعاصر، والعلاقة بين “الشتات” في المهاجر وأنظمة التعليم الإسلامي المختلفة في بلدانهم الأصلية وأماكن إقامتهم الجديدة، وحلقات التعلم النسائية، وتأثير استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الوقت الحاضر. يبحث المؤلفون المساهمون أيضًا في التفاعلات بين المعرفة النصية والشفهية، والدراسة العامية للشعر والآداب، وواقع استخدام الكتابة العربية في ما يصل إلى 80 لغة أفريقية، وكذلك في مساهمات المنحدرين من أصول أفريقية في الحياة العلمية الدينية في مكة المكرمة.
يسد هذا الكتاب متعدد التخصصات ثغرة في تناول ليس فقط تاريخ وانتشار التعليم الإسلامي في إفريقيا، ولكن في تناول وضعه الحالي واهتماماته المستقبلية. يتحدى المؤلفون كذلك فكرة أن معرفة المجتمعات المسلمة في إفريقيا السوداء كانت قائمة على أساس شفهي فقط قبل الغزو الاستعماري الأوروبي في مطلع القرن العشرين، ويتحدون أيضًا فكرة التقسيم الغربي الصارم بين أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا.
ينقسم الكتاب داخليًا إلى أربعة أجزاء بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة. في المقدمة يطرح محرر الكتاب عثمان عمر كين السؤال الآتي: أين كنا وإلى أين نحن ذاهبون في دراسة التعليم الإسلامي في إفريقيا؟ يلي المقدمة الجزء الأول، ويبحث في المساهمات الأفريقية في التجديد العلمي الإسلامي في القرن الثامن عشر على صعيد العالم الإسلامي برمته، ويبحث كذلك في دور العلماء الأفارقة بمكة، وفي تقاليد ممارسات الحجاج القادمين من غرب إفريقيا.
يتناول الجزء الثاني المعرفة الشفهية الإسلامية، والدور السياسي لعلماء الدين المسلمين، والتصوف الفلسفي، وفي ممارسات الطريقة الصوفية التيجانية المعاصرة في زمن تكنولوجيا المعلومات، وواقع ترتيل القرآن في مصر. ويتناول الجزء الثالث تحديث المدارس الدينية، والتعليم الإسلامي والتنمية والتقاليد في زنجبار، ودمج التعليم القرآني مع العلوم الزراعية والتجارية في المجتمعات الأفريقية، وواقع التعليم الديني لأطفال المهاجرين السنغاليين، وحلقات التعلم النسائية المعاصرة في نواكشوط.
يتناول الجزء الرابع، قضية نقل العلم إلى عامة الناس، ودور الشعر الصوفي العامي في التربية الإسلامية للمسلمين المحليين في هذا السياق في جزيرة برافا في أرخبيل الرأس الأخضر في المحيط الأطلسي غرب أفريقيا، وأهمية الشعر الرثائي بين المثقفين المسلمين في أواخر القرن العشرين في ساحل كينيا. وينتهي الكتاب بخاتمة للباحث إبريما سال تحت عنوان: “دراسة الابتعاث الإسلامي والعلوم الاجتماعية في إفريقيا: تجسير الفجوات المعرفية وإعادة صياغة السرديات”.
نشير ختامًا إلى أن محرر الكتاب عثمان عمر كين هو أستاذ كرسي الأمير الوليد بن طلال للدين الإسلامي المعاصر والمجتمع بكلية هارفارد اللاهوتية، وأستاذ الدراسات الأفريقية والأفريقية الأمريكية بجامعة هارفارد. وهو مؤلف كتاب: ” Beyond Timbuktu: An Intellectual history of Muslim West Africa ” “ما وراء تمبكتو: تاريخ فكري لمسلمي غرب إفريقيا” (2016).
[[1]]https://boydellandbrewer.com/9781847012319/islamic-scholarship-in-africa/



