حدثت في المنطقة بداية خاطئة في القرن العشرين، بعد سقوط الدولة العثمانية شكلا وهيكلا، وكانت قد سقطت قبل أكثر من قرن من الزمن مضمونا ومحتوى.
لم ينتج عن ذلك السقوط انطلاق موجة تفكير في المنطقة، حول كيفية بناء المستقبل. بل نتجت موجة ردود أفعال وانكفاءات محلية وقومية، وخرج الناس من الإطار الواسع إلى الإطار الضيق، من التفكير ضمن حدود الدولة القطرية.
قال البعض في سياق رد الفعل حينها، بضرورة إعادة إحياء الخلافة، التي لم تكن قائمة أصلا قبل سقوطها.
وقال البعض الآخر بضرورة القطيعة مع كل ما مضى. وكان العامل المشترك بين الطرفين، هو منطق رد الفعل. وللأمانة فإن الظروف في المنطقة لم تسمح بولادة طبيعية لموجة تفكير، بسبب الضغط الخارجي للاستعمار، الذي قوى منطق التفكير من خلال ردود الأفعال على الغرب فكرا وسياسة. ونتج عن ذلك سيل من الكتابات الإسلامية والعلمانية، التي تواجه الطروحات الغربية، أو تتبناها في الطرف المقابل. لقد كان القرن العشرون وما بعده” قرن رد فعل” على المستوى الفكري بامتياز.
الاعتماد على الفكر التجريدي
يعتبر الاستمرار حاليا في الاعتماد على الكثير من الإنتاجات الفكرية، التي ظهرت في مرحلة ما بعد الثلاثينيات من القرن الماضي، استمرارا في التفكير بمنطق ردود الأفعال. إنني أحترم مفكرين كثرا، ظهروا منذ أربعينيات القرن الماضي في العالم العربي والإسلامي. لكن أفكارهم كانت قد بلغت درجة من التجريد، تجعل من غير الممكن تحويلها إلى برنامج عمل مجتمعي وطني، أو وعي شعبي عام.
إن حديث النخب حينها عن الخلافة والدولة الإسلامية كان تجريديا. وكانت فكرة الديمقراطية نفسها بالنسبة للكثيرين تجريدية، في تربة مختلفة المنشأ. إننا في المنطقة العربية نتعامل مع المفاهيم وفق رؤية تجريدية، فلا نقبل بالديمقراطية عمليا، بل فقط من حيث كونها فكرة يمكن تقليد بعض مخرجاتها الشكلية، دون روحها الثقافية.
نحن لا نقبل بالتوافق إلا من حيث كونه فكرة مجردة، تستخدم للاستهلاك السياسي والإعلامي، تسقط عند أول امتحان بين شركاء الوطن. والمحصلة هو أننا الآن لا يمكننا أن نتحدث عن تراكم فكري ومعرفي في المنطقة يمكن الاستناد عليه. إن النخب التي طالما دافعت عن تلك المفاهيم المجردة أصبحت تتخلى عنها تباعا. بل إن الكفر بالحل الديمقراطي بات متناميا.
لقد تعاملت النخب مع الخلافة والدولة الإسلامية والعدالة والحقوق، حين نادوا بها على المنابر كأفكار مجردة، لا كنظام عملي. التجريد منطق سائد في المنطقة، وهو نتيجة طبيعية لقانون الحركة من خلال رد الفعل، عندما لا تمتلك المجموعات البشرية رؤية عملية.
سؤال النهضة
إن النهضة مفهوم تجريدي عند أغلب من كتبوا عن سؤال النهضة، ومعوقاتها وطرقها وأدواتها النظرية. ويمكننا أن ننظر بتعجب إلى حجم ما كتب عن النهضة الإسلامية أو العربية. لكن الإنسان في اليابان أو فيتنام أو كوريا الجنوبية، لا يحتاج أن يفكر كثيرا في هذه المفاهيم، بل يحتاج فقط أن يبتكر أشياء تصلح لتطور المجتمع.
إطلاق موجة تفكير جديدة في المنطقة لا ينبغي أن يكون رد فعل، على خسارة أي طرف من أطراف العملية السياسية. إنها تفكير هادئ، في مستقبل الإسلام والمسلمين. إن إصرار الكثيرين الآن على الحديث عن المستقبل، انطلاقا من معطى جزئي هو هزيمة الإسلاميين، أو احتمالية عودتهم وكيفية ذلك، لا يخرج عن كونه تفكيرا بمنطق ردود الأفعال.
الانطلاق من معطى فشل الإسلاميين كمحور لتحليل الواقع والمستقبل، يجعلك تسقط في فخ فكرة حتمية ربط الإصلاح في المنطقة بالإسلاميين فقط. وإلغاء أي احتمال لبروز قوى جديدة مختلفة عنهم. إن الإسلام السياسي في حقيقته دينامية وتجل خاص بالإسلام نفسه كدين، لا يرتبط بالضرورة من حيث الشكل بالحركات والتنظيمات، التي انتشرت منذ القرن العشرين. علينا هنا أن نتذكر جيدا أنه قبل ظهور الإسلاميين، كان العلماء وأيضا المؤسسات العلمية مثل الأزهر والقرويين والقيروان والزيتونة تقود موجات الإصلاح، بل قد نصل تاريخيا إلى مراحل كان فيها حتى الصوفية من قادة الإصلاح.
نعيش حاليا في المنطقة حالة اختفاء الرموز والأفكار الكبرى، وهو أمر قليل الحدوث في تاريخ المسلمين. لكن يمكننا القول إن أول خطوة هي تجنب التفكير في إيجاد وعاء جديد في صيغة تنظيمات مستحدثة، بالمقابل تبدو صناعة الأفكار والرموز بالغة الأهمية. إن صعوبة إطلاق موجة تفكير، تأتي من فقر المنطقة من حيث المفكرين.
ورغم أن الإسلاميين واليسار كانوا قد أطلقوا دينامية مجتمعية طيلة القرن الماضي، إلا أن الإسلاميين كانوا أقل اهتماما في العقود الأخيرة، بالفكر والعملية الفكرية. إنهم بهذا الاعتبار، ودون التقليل من جهودهم، لم يتركوا إرثا فكريا، يمكن الاستناد إليه والبناء على نتائجه. وهذا ما يضطر الجيل القادم إلى تحمل أعباء إطلاق موجة تفكير جديدة، في ظل هذا الفراغ الهائل.
مجتمعات تتحول نحو الشمولية
الثورات عادة ما تطلق موجة تفكير بمفاهيم جديدة، مثلما كان الحال بالنسبة للثورة الفرنسية، التي أطلقت موجة تفكير حول الحرية والمساواة والعدالة. بالمقابل لم ينتج عن الثورات العربية في العقد الأخير مفاهيم وأفكار جديدة. بل أكدت بشكل أكبر على أن الديمقراطية والتوافق الوطني، لا يجدان لهما مكانا في حياة شعوب المنطقة. وهو ما يدفع نحو اختيارات أكثر جذرية في المستقبل. لقد فجرت الثورات فقط التناقضات الداخلية في المنطقة من الناحية السياسية والشعورية.
صناعة الرموز الجديدة
تجاوز الفكرة التنظيمية، والعمل على إعداد الرموز المجتمعية، بات أمرا ضروريا. كما أن حاجة المنطقة إلى موجة صناعة رموز جديدة بعيدا عن السياسة، سيكون أكثر تـأثيرا في المستقبل. يجد الجيل الحالي صعوبات بالغة للتفكير في المستقبل، كما أن أحد الأخطاء الكبيرة، أن نبحث عن نجاح اليوم بأدوات فشل الأمس.
لا يمكن للإسلاميين والعلمانيين الذين فشلوا، أن يكونوا أساسا للتفكير في شيء جديد. أما الإسلاميون فيتيهون في الأرض عدد سنين. إنه تيه تتعرض له المجموعات والأفراد في التاريخ في لحظة الفشل والتعرض للإهانة. وبكلمة إنهم غير قادرين حاليا على استعادة شعورهم بالصحوة من جديد. إن الدخول في فترة كمون للعودة إلى المشهد لاحقا، لا تعني القدرة بعد الخروج من الكهف، على استيعاب التحولات العالمية.
وسواء المجموعات الإسلامية أو غيرها، من الإصلاحيين، فهم ليس لديهم أدوات العمل المناسبة. بل إن الأدوات قليلة أساسا في المنطقة حاليا، لمن أراد استخدامها، مهما كانت هويته. ليست المشكلة في أن الإصلاحيين لا يمتلكون رؤية فكرية، بل المشكلة أن الأفكار نفسها والمفكرين، باتوا عملة نادرة في العالم العربي والإسلامي، ومن يوجد منهم يعتبر في ذيل ترتيب طبقات المجتمع.
مشاعر الصحوة
مبدئيا الصحوة ليست مرادفا لأي تنظيمات سياسية بعينها، بل هي شعور عام يمكن أن يسود المنطقة نحو مسألة الهوية والدين، والرغبة في إثبات الحضور في هذا العالم. وعلينا معرفة أن الحالة الشعورية للمجتمعات تسبق أي تفكير لديها في إيجاد القوالب أو الوعاء الذي ينبغي من خلاله تصريف حالة الصحوة التي تعيشها. إن عدم شعور الناس بالصحوة حاليا، يجعل الحديث عن إحياء التنظيمات أو المؤسسات ضربا من الحمق. إن بناء العصبية المجتمعية حول الأفكار الكبرى، أهم في الوقت الحالي من أي تفكير آخر.
يبدو أن إعادة تحريك عجلة الاعتماد على المفاهيم الكبرى مجتمعيا، كفيل بإطلاق دينامية مستقبلا. إن أكبر المفاهيم التي ينبغي الاشتغال عليها هي ”الإجماع” الذي افتقدته المنطقة منذ سقوط الدولة العثمانية، بكل أبعاده الدينية والسياسية والشعورية. إن خطر اختفاء المفاهيم يجعل الأفكار أقل جاذبية بالنسبة للناس. كانت الدولة الشيوعية قبل تأسيسها مجرد فكرة في تاريخ معين. لم تبحث تلك الفكرة في بدايتها عن القالب والوعاء، لكن الوعاء هو من بحث عنها، بحكم التطور الطبيعي للمفاهيم، التي تأبى بعد انطلاقها أن تبقى حبيسة العقل المجرد.
في التاريخ كانت موجات الأفكار الجديدة تطلقها الدول والمجموعات والأفراد. وبسبب تغير طبيعة الدولة ووظائفها الثقافية، وتخليها عن مفهوم ”الدولة الراعية”، فإنها لم تعد مصدرا مسؤولا عن إطلاق موجة تفكير في المنطقة في الوقت الحالي. حتى الدول الكبرى مثل تركيا ومصر، ليس بإمكانها فعل هذا الأمر.



