لم يعد يخفى على الدارسين للأديان بأن الالتزام بالأمانة العلمية، والقواعد والقيم الأخلاقية أو ما يطلق عليه الأسس الأخلاقية للمنهج العلمي الرصين، أو أخلاقيات البحث العلمي، من أهم الضمانات الحقيقية لتحقيق أكبر قدر من الإنصاف والموضوعية والنزاهة في إنجاز الدراسات والأبحاث المتعلقة بعلم الأديان، وكذلك في بلورة النتائج والخلاصات العلمية والمعرفية التي تتسم بالإتقان والدقة والمصداقية بوجه عام، وفي جانب المقارنة بين المعتقدات والأديان المختلفة على الوجه الخاص.
ولعل الغرض الرئيس من هذا المقال هو محاولة إبراز أهمية الأسس الأخلاقية عند محاورة الآخر، ومجادلة المغاير لنا في الدين والمعتقد من خلال تتبع بعض مظاهر الموضوعية والإنصاف في مناهج علماء الإسلام.
أولا: إشكالية الإنصاف والموضوعية، وتطبيقاتها في علم مقارنة الأديان
يقول أهل الاصطلاح إن “الموضوعي” نسبة إلى الموضوع، وهو ما تتساوى علاقته بجميع المشاهدين، برغم اختلاف الزوايا التي يشاهدون منها. والموضوعية وصف لما هو موضوعي، وهي مسلك الذهن الذي يرى الأشياء على ما هي عليه، ومن هنا وجب أن تكون الحقائق العلمية مستقلة عن قائليها، بعيدة عن التأثر بأهوائهم وميولهم ومصالحهم، فحينئذ يتسم البحث العلمي بالموضوعية والنزاهة[1] .
والحقيقة أن الظواهر الإنسانية من الصعب التوصل فيها إلى حقائق موضوعية صارمة، وذلك لتأثير ذات الباحث في الظاهرة المدروسة أو تأثره هو بها الشيء الذي يؤثر على نتائج البحث ومدى موضوعيته، وقد عبر عن هذا المعنى المستشرق M. Rodinson بقوله : “لا أحد يدعي الموضوعية الكاملة”[2] .
وإذا تقرر ذلك، فإن السؤال الذي يظل مصاحبا لنا عند افتحاص وتقييم وتقويم الأعمال والإنجازات والنتائج التي يتوصل إليها في باب المقارنة بين الأديان، والجدل الديني، هو مدى إمكانية تحقق تلك الصورة النموذجية والمثالية في التزام الإنصاف والموضوعية العلمية.
فإذا كانت الغاية القصوى التي ينشدها الحوار بين معتنقي الأديان هي بلوغ الحق وإظهاره، من خلال إبطال معتقدات الآخر، وبيان ما فيها من الباطل والزيف والضلال، فإن الكثير من النتائج التي يتوصل إليها في هذا الباب لا تعدو أن تكون نتائج ذاتية غير موضوعية، ومن هنا تبرز إشكالية لزوم الموضوعية وعسر تحققها في العلوم الإنسانية عموما، وعند دراسة الأديان وفي الجدل الديني على وجه الخصوص.
ففي علم مقارنة الأديان تعترض الموضوعية وشروطها الأساسية المتمثلة في التجرد والنزاهة وعدم التعصب والتخلص مما هو ذاتي، نفس الصعوبات الشائكة، والمعقدة، التي تعترضها في مختلف الحقول المعرفية الأخرى، فالصعوبة الإبستمولوجية الأساسية تكمن في كون العالم بالأديان والمشتغل بدراستها، غالبا ما تكون بواعثه في البحث والدراسة النفاح والدفاع عن عقيدته ودينه، من خلال هدم وإبطال عقيدة خصمه.
إلا أنه مع ذلك، إذا تجاوزنا المفهوم الكلاسيكي للموضوعية، وأخذنا بعين الاعتبار التطورات التي عرفتها الأبحاث والدراسات في مجال علم مقارنة الأديان، فإننا نستطيع فهم الانجازات التي حققتها، مثل الدراسات التي أقيمت في نقد الأسفار المقدسة، كالنقد الخارجي والداخلي لأسفار العهدين القديم والجديد، والتي كان من روادها علماء مسلمون كابن حزم الأندلسي، أو غربيون من أمثال اسبينوزا وغيرهم.
ثانيا: الإنصاف والموضوعية في النصوص المقدسة عند أصحابها
إن علماء الأديان وجدوا في بعض النصوص التي يقدسونها، ما يدفعهم إلى الاقتداء بمناهجها في الالتزام بالموضوعية ومفرداتها، وجعلها مرجعية ينطلقون منها عند البحث، فقد ورد في إنجيل يوحنا في الإصحاح 8/ 32 ” وتعرفون الحق، والحق يحرركم”، وأيضا في الإصحاح 5 / 39 ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية”، ولمعرفة الأنبياء الصادقين من الكاذبين، قال السيد المسيح عليه السلام في إنجيل متى 7 / 16: “من ثمارهم تعرفونهم”.
وفي القرآن الكريم يصعب حصر الآيات التي نصت على الموضوعية وإنصاف المخالف،[3] نورد منها: قوله تعالى : “وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب”، آل عمران: 199.
ولقد بلغ الإسلام بإنصافه وموضوعيته في التعامل مع المخالفين إلى حد الاعتراف بكتبهم التي يقر علماؤهم بتحريفها وتزويرها، ووضعها. ولم يعمم القرآن الكريم عليها هذا التحريف، لإثبات أن مصدر الوحي واحد، وخط الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله واحد، قال الله تعالى: “وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ” المائدة 47، وقوله أيضا: “وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ” المائدة 43.
وعلى هذا الخط، واصل المنهج القرآني عدالته، بمراعاة الفروق بين انتماءات واتجاهات الآخر. فلم يعمم الأحكام ولا الأوصاف على أهل الكتاب، مؤصلا لقاعدة (عدم التعميم)[4]. يقول الله تعالى : “من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله”، ويقول أيضا: “ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون” آل عمران 75. ويحتج القاسم الرسي بقوله تعالى: ” ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون” (المائدة : 66 ) في دعوة أهل الكتاب إلى الإنصاف، فيقول: “فأنصفوا الحق من أنفسكم تخرجوا، بإذن الله، بإنصافكم من لبسكم، وارفضوا للحق أهواءكم، تسعدوا في دينكم ودنياكم، وأقيموا ما أنزل الله إليكم من ربكم، من التوراة والإنجيل، واتركوا الافتراء على الله فيها، بعمى التأويل، تهتدوا، إن شاء الله، لقصد سبيلكم ..”[5] .
ثالثا: الإنصاف والموضوعية عند علماء الإسلام في بحثهم لمعتقدات المخالف
لعل تحري الموضوعية والتجرد عن الذاتية، في رحلة البحث عن الحقيقة، هي ما حدت بأحد أعلام الإسلام الكبار كالغزالي وهو يحكي عن نفسه، إلى القول: “وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع .. وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله له وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة”[6].
وعن تحقق شرط الموضوعية في حقل الدراسة العلمية للأديان عند علماء الإسلام، يقول الدكتور عبد الله الشرقاوي: “سنجد أنهم (مفكرو الإسلام ) شرعوا في تأريخ الأديان ووصفها وفي أذهانهم رأي مسبق قاطع، بمقتضى عقيدتهم الإسلامية وبما ورد في القرآن الكريم بأن هذه الأديان أكثرها ضارب بجذور عميقة في الشرك والوثنية، أو ضبابي العقائد أو متهافت في مبناه ومعناه، وأقلها في مبدئه كان وحيا سماويا، ثم ما لبث أن امتدت إليه يد التغيير، وفي كل مخالفة – في كثير أو قليل – للإسلام الذي يدينون به بما قد يؤثر على دقتهم وأمانتهم ونزاهتهم، أو موضوعيتهم بشكل عام فيما أرخوا له منها[7].
ثم يرى الدكتور الشرقاوي بأن علماء الإسلام لم يمنعهم رأيهم المسبق أو المخالفة في العقيدة من التزام الموضوعية، لكن ليس بنمطها ومفهومها الغربي،” لكنهم التزموا بها في مفهومها المستمد من الإسلام نفسه، والذي يرفض إبعاد المعتقد والقيم الدينية، ويدعو – متفقا مع المفهوم الغربي وسابقا عليه – إلى ضرورة تجنب الميل والهوى والتعصب، والتزام الدقة والأمانة والنزاهة العلمية ونقل الحقيقة كما هي[8] .
والإنصاف منهج العقلاء عند الاختلاف، وهو منهج سديد، لكنه صعب، لا تطيقه النفوس، وقد ألزم الإمام القاسم الرسي ( ت 246ه ) نفسه بمنهج الإنصاف في النظر والجدل والمناظرة وهو يرد على النصارى، يقول رحمه الله :” فلابد لمن أنصف خصما في منازعته له، ومجادلته، من ذكر ما يرى الخصم أن له حجة من مذهبه ومقالته، فإذا ذكر ذلك كله، بان ما فيه، عليه وله، فكان ذلك لباطله أقطع، وفي الجواب له أبلغ وأجمع “[9].
ويؤسس القاسم الرسي لقواعد ثابتة في النظر والجدل على أساس علمي سليم، فبدأ بعرض مذهب النصارى بفرقها المختلفة في المسيح عليه السلام، ومجادلتهم بعد ذلك، واشترط على نفسه الإحسان والدعوة إلى الله بالحكمة والبينة. وقد جاء من كتب في علم الأديان المقارن من المسلمين، فاستفاد من أسلوب ومنهج القاسم في مجادلة أهل الكتاب والرد عليهم كالباقلاني في “التمهيد”، أو ابن حزم في “الفصل”[10] .
وتعرض القاسم الرسي لآراء النصارى كلها، واختلافاتهم في التوحيد والتثليث، وحقيقة الاتحاد بين الأقانيم الثلاثة ( الآب، والابن والروح القدس )، ودعاهم إلى الإنصاف فقال : ” ولا بد لنا ولكم من الإنصاف، فيما وقع بيننا وبينكم، من الاختلاف، فإن نحن تناصفنا ائتلفنا، وإن فارقنا التناصف اختلفنا ثم لم يعد أبدا الائتلاف إلا بعودة منا إلى الإنصاف، والتناصف هو الحكم العدل، بعد الله، بين المختلفين، والسقاء الشافي الذي لا شفاء، أبدا، في غيره للمتناصفين”[11].
كما أفضت إحدى المقارنات لابن حزم إلى إنصاف بعض فرق اليهود، وفرقة الأريوسية المسيحية، فقال رحمه الله : ” كلهم موافق لنا في التوحيد والإقرار بالنبوة وبآيات الأنبياء ونزول الكتب من الله تعالى، إلا أنهم فارقونا في بعض الأنبياء افتراقا نذكره ..”[12].
وقارن العامري بين عقيدة حكماء اليونان وما يدين به أهل الإسلام، فدافع عنهم، وذكر أنهم موافقون لنا في التوحيد، فهم: “على الإطلاق يلاحظون عامة من لا يقر بالصانع جل جلاله ولا يوقن بالثواب الأبدي.. بعين الزراية والهوان ويعاملونهم من الاستخفاف بمثل معاملة الموحد للملحد ..”[13] .
وأورد الأشعري في مقالات الإسلاميين ما يفيد التزامه بالدقة العلمية، والنزاهة في نقل آراء المخالف، وانتقاده الشديد لمن يكذب في نقل الأخبار بغرض التشنيع على من يخالفه، فقال رحمه الله : ” رأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن متعمد للكذب في الحكاية، إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحاجة تلزمهم به، وليس هذا سبيل الربانيين، ولا سبيل الفطناء المميزين، فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات”[14].
وبناء على ما سبق، يمكن القول إن علماء الإسلام عنوا عناية بالغة بمنهج الإنصاف والموضوعية، ومما يؤكد ذلك، هو اتفاق أكثر الآراء والأحكام والتقريرات التي توصلوا إليها في هذا الصدد مع أحكام الآخرين وتقريراتهم، سواء كانوا مسلمين أو علماء الديانات أنفسهم [15].
[1] انظر : المعجم الفلسفي، إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1399ه / 1979 م، ص 197 .
[2] انظر : رودنسون : الدراسات العربية والإسلامية في أوربا، وهي محاضرات ألقاها أمام مؤتمر المستشرقين الذي عقد في ليدن، 1976م، وضمها إلى كتابه ” جاذبية الإسلام “، ترجمها وأعدها هاشم صالح ضمن كتاب : ” الاستشراق بين مؤيديه ومعارضيه” ، دار الساقي، بيروت، 1994 م، ص 67.
[3] انظر : جدلية الحوار قراءة في الخطاب الإسلامي المعاصر ، قراءة في الخطاب الإسلامي المعاصر، د مريم آيت أحمد، الطبعة الأولى، 2011م، ص 27 – 28 .
[4] المرجع السابق ص 28 .
[5] الرد على النصارى، الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي ( ت 246ه )، تحقيق ودراسة إمام حنفي عبد الله،الطبعة الأولى، دار الأفاق العربية 1420ه / 2000م، ص 42 .
[6] المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي، تحقيق د محمد أبو ليلة، ود نور شيف عبد الرحيم رفعت، نشر جمعية البحث في القيم والفلسفة، واشنطن الولايات المتحدة الأمريكية 2001 م، ص 159 – 162 .
[7] علم مقارنة الأديان في التراث الفكري الإسلامي، الدكتور عبد الله الشرقاوي، دار الكتب العلمية- بيروت – الطبعة الأولى 2017م، ص 110.
[8] المرجع السابق، ص 110
[9] الرد على النصارى، الإمام القاسم الرسي، ص 32 .
[10] انظر : مقدمة إمام حنفي عبد الله في تحقيقه لكتاب الرد على النصارى، للإمام القاسم الرسي، ص 11 .
[11] الرد على النصارى، الإمام القاسم الرسي، ص 42 .
[12] الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، دار الندوة الجديدة، بيروت، د.ت، 1/ 98 .
[13] الأمد على الأبد، للعامري، تصحيح أورتك روسن، دار الكندي، بيروت، الطبعة الأولى، 1979 م، ص 76 .
[14] مقالات الإسلاميين، للأشعري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1990 م، 1/ 33 .
[15] انظر : علم مقارنة الأديان، الشرقاوي، ص 122 .




The epistemological dilemma in comparative religion lies in the fact that the researcher is not merely a neutral observer, but rather a “participant” whose ideological and emotional baggage guides their research tools. While objectivity seeks to strip truth of the “speaker’s biases,” the researcher finds themselves confronted with a human phenomenon imbued with sanctity, making absolute impartiality a near-idealistic goal, difficult to achieve in practice.
Departement of Philosophy
Departamento de Filosofía
https://www.univ-msila.dz/site/shs-ar/
https://www.univ-msila.dz/site/shs/