نظرة مقارنة
● مقدمة
تعتبر العلاقة بين الدين والدولة واحدة من القضايا المعرفية التي أضحت مستهلكة بالبحث والتحليل في الثقافة العربية والغربية، ولقد كان من الطبيعي أن تتعدد مقاربات ورؤى ومناهج تفسيرها وتحليلها وتختلف كذلك المرجعيات وتتضارب بالتالي المواقف إزاءها، ولقد أسهم التحيز في النماذج المعرفية المؤطرة لهذه الإشكالية من الزيادة في تعقيدها، مما يحتم التأسيس لنموذج معرفي بديل أكثر موضوعية يرصد وضعية الدين وعلاقته بالدولة في السياق العربي الإسلامي لتفادي أزمة الإسقاط وما ينتج عنه من مواقف دفاعية وأخرى تبريرية ظلت تطبع جل التحليلات والمقاربات لمسألة العلمنة.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية وهي أن العلمنة في التاريخ الغربي مرت بمتتالية اتخذت فيها صورا مختلفة ومتدرجة في ترتيب العلاقة بين الزمني والروحي، وأن تهميش الدين وإبعاده من الحياة العامة وحبسه في الجانب الخاص من جهة وانتصار الدولة الحديثة وسيطرتها من جهة أخرى، مثّل الطور الأخير من تلكم المتتالية، أما الإشكالية التي سأحاول الاشتباك معها فهي: كيف تبدّت متتالية العلمنة في السياق الثقافي والاجتماعي الغربي؟ وإلى أي حد يمكن القول إن مراحل هذه المتتالية يمكن اعتبارها متعالية، وبالتالي قابلة لإعادة التشكل في سياق ثقافي واجتماعي مغاير ومتخلف عن السياق الأوروبي؟ وإذا كانت العلمنة في السياق الأوروبي قد جاءت كرد فعل على تغول مؤسسة الكنيسة وانحرافها؛ مما حتم إرجاعها إلى وضعها الطبيعي فهل نعيش في العالم العربي تغولا للدين بالدرجة الأولى؟ أم أن المشكل مشكل دولة في الأساس؟
● متتالية العلمنة في السياق الثقافي والاجتماعي الغربي:
من الثابت تاريخيا أن المسيحية ظلت دينا للخلاص الفردي والروحي، لا تهتم بما هو خارج الذات من تسطير تشريعات قانونية للدولة، ولم تكن بالتالي تحمل أو تبشر بأي نظام للحكم، لقد كان جوهرها قبل أن تتبناها الإمبراطورية الرومانية حوالي 308م يتلخص: في “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ثم تحولت بعد ذلك إلى دين رسمي للإمبراطورية، ولظروف وملابسات تاريخية تجاوزت مجال الذات والروح وتطلعت إلى السيطرة والحكم وأسست لها عالما خاصا مما أدى في الأخير إلى انحراف الكنيسة وانجرارها إلى مخالفات خطيرة، إذ تعدى مجال اشتغالها مجال الروح وطمحت إلى السيطرة على كل ميادين الحياة العلمية والثقافية والفنية والسياسية…إلخ وتواطأ ممثلوها مع ملوك وحكام ووقفوا ضد العلم والثقافة والحرية، وكانت هي والاستبداد صنوان لا ينفصلان.
كان رد الفعل الطبيعي هو أن تشهد أوروبا ثورة علمانية تعيد الكنيسة لمجالها الأصلي وتعيد رسم حدودها أي “خلاص الروح ومملكة السماء… وجعل العقل والتجربة من دون الدين واللاهوت المرجع في تدبير شؤون العمران الإنساني، أي عزل السماء عن الأرض انطلاقا من أن العالم مكتف بذاته تدبره الأسباب المخلوقة في ظواهره وقواه وطبيعته، دونما حاجة إلى رعاية إلهية أو تدبير شرعي نازل مما وراء الطبيعة والعالم.”([1])
لكن هذه الثورة كانت تدريجية في قوة ودرجة تعاملها مع استبداد الكنيسة، يجادل تشارلز تايلور في أن تاريخ العلمانية بما هي محاولة لترتيب العلاقة بين الدين والدولة معقد وغامض ولم يظهر هذا المفهوم بشكل واضح وجلي، ففي بداية الظهور كانت العلمانية هي التمييز بين بعدين من أبعاد الوجود، البعد الديني والبعد الدنيوي والفصل الصارم بينهما من دون إلغاء أحدهما على حساب الآخر، إلا أنه مع الوقت ظهرت ثنائية أخرى يحيل فيها العلماني إلى فضاء محايث ومكتف بنفسه في مقابل مملكة المتعالي التي تعرف غالبا بالديني، وفي مرحلة ثالثة ستحدث طفرة إضافية، حيث سيتم إنكار الطرف المتعالي من هذه الثنائية ويتم اعتبار الطرف المتعالي مجرد شيء مخترع ومتخيل (الدين) ويصبح كل ما هو علماني هو مجمل المؤسسات التي لا غنى عنها إذا ما أردنا أن نعيش في هذا العالم “بينما يشير الديني أو الكنسي إلى مجرد لواحق اختيارية من شأنها أن تشوش على مسار هذه الحياة الدنيا.”([2])
أما مايكل أليس جيلسبي فيرى أن تحليلات كل من هوبر وديكارت حول وضع حد لنطاق الإرادة الإلهية والسلطة الدينية لم تكن تهدف إلى علمنة الحياة، ولم تكن مدفوعة بكراهية أو عدم اعتقاد بدين معين بل كان الهدف هو محاولة تطوير علم جديد يعطي الأولوية للطبيعة، وبالتالي يسهم في نزع فتيل الصراع بين الله والإنسان.([3]) وبتعبير آخر فعلمانية القرن السادس والسابع عشر لم تكن في جوهرها وعمومها ذات طابع إلحادي يتطلع إلى إزالة الدين من الحياة، وإنما كانت تبحث “للطبيعة” بما هي ميدان اشتغال العقل عن موضع قدم إلى جانب الدين الطاغي والمسيطر.
لقد تعرضت ثنائية الديني والعلماني في السياق الغربي إلى طفرة خطيرة، كان طرفاها الأساسيين في البداية يشكلان عالمين وبعدين مركزيين في الحياة والمجتمع لا غنى لأحدهما عن الآخر، كان الطرفان متمايزان داخل نفس النسق ومتصلان في تكامل وانسجام، إلا أنه مع الوقت سيحدث الانفصال بين قطبي الثنائية فيغدوان متناقضان، وكل طرف يريد أن يثبت وجوده على أنقاض الطرف الآخر.”([4])
لكن حدث أن تغلبت الدولة في مرحلة تالية وتدخلت بشكل قسري وحاد من أجل تهميش المؤسسة الدينية وتجريدها من سلطتها وقوتها الروحية والمادية، وعوض أن يكون هناك عالمان أصبحنا الآن داخل عالم واحد مسيطر هو العالم الزمني ولئن كانت “المملكة الدينية تبدو سابقا كأنها الواقع الجامع الذي وجدت المملكة الزمنية ضمنه موقعها الخاص، فقد أضحى المطاف الزمني الواقع الجامع الذي يجب أن يتكيف معه النطاق الديني”([5]).
من الطبيعي ألا تكتفي الدولة بفصل أملاك الكنيسة عن الدولة وإنما ستقوم “وعلى نطاق واسع بمصادرة الأديرة والأراضي والأوقاف التابعة للكنسية واستملاكها عقب الإصلاح البروتستانتي والحروب الدينية التي نجمت عن هذا الإصلاح…ومنذ ذلك الحين أصبحت العلمنة تعني (الممر) أو الانتقال، أو نقل الأشخاص والأشياء والوظائف إلى النطاقات الزمنية وعلى هذا النحو أصبح من المتعارف عليه الإشارة إلى العلمنة باعتبارها استيلاء المؤسسات الزمنية قسرا أو بحكم الأمر الواقع على الوظائف التي كانت المؤسسات الكنسية تسيطر عليها تقليديا.”([6])
ما تكشف عنه هذه الشهادات هو أن العلمنة في السياق الأوروبي كانت عبارة عن متتالية انتهت إلى تهميش الدين في أوروبا وإزالته، إلا أن هناك مسألة في غاية الأهمية تجب الإشارة إليها وهي أنه من “الخطأ أن نرسم صورة للقرن الثامن عشر على أنه القرن الذي كان فيه الإيمان في حالة دفاع مستمر ضد المسيرة المتقدمة الظافرة للعقل، لقد شهد عصر التنوير تطور حركات دينية قوية”([7]) لقد ظهرت عدة حركات دينية في عصر التنوير نفسه، وهو العصر الذي يقدم على أنه عصر إزاحة الدين، مثل تأسيس الكنيسة الميثودية في إنجلترا عام 1740م وظهور طائفة الحسدية السرية بين يهود بولندا وحركة القوى في الولايات البروتستانتية الألمانية…إلخ.
يمكن التمييز بين أربعة استعمالات تاريخية لمفهوم العلمانية، يرتبط الأول منها بالتخلي عن جل المناصب الكنسية التي كان يشغلها رجال الدين والميل عوضا عن ذلك إلى مناصب مرتبطة بما هو زمني أو دنيوي، ثم بعد ذلك تحول المفهوم ليدل عن استيلاء الدولة على ممتلكات الكنيسة ورجال الدين وفي مستوى ثالث دل مصطلح العلمانية على عملية التحرر من الدين في الثقافة العقلانية التنويرية، ومناهضته والدعوة إلى التعويل على الإنسان وقدراته العقلية في تدبير أمور الحياة، أما الدلالة الرابعة فهي التي ارتبطت بالدعوة إلى إعادة النظر في الأسس الفكرية والدينية للاهوت المسيحي.([8])
لكن هل انتهى الأمر عند حد تهميش الدين؟ في الحقيقة هناك وجه آخر مضمر للقضية، وهو أنه في المقابل تم خلع المفاهيم الدينية ذات الطابع المقدس وإسقاطها على الدولة، ولا شك أن العديد من الدارسين قد لاحظوا أن مفاهيم “النظرية الحديثة للدولة كلها هي مفاهيم لاهوتية معلمنة، وذلك ليس فحسب بسبب تطورها التاريخي حيث نقلت المفاهيم من اللاهوت إلى نظرية الدولة.”([9])
اجتهد كارل سميث في توضيح هذه الفكرة، من خلال عقده لمقارنات بين المفاهيم التي تنتمي إلى مجال السياسة مثل مفاهيم: السيادة، الله، والإرادة العامة، ليؤكد أنها مفاهيم ذات خلفية لاهوتية ما ورائية خضعت لعملية تسييس واضحة خاصة إبان عصر التنوير في القرنين السابع والثامن عشر، وذلك عند تحليله لأفكار روسو وهوبز وديكارت وغيرهم، فما حدث “ليس مجرد اختفاء أو إزالة الإله بل انتقال صفاته وقدراته الجوهرية وإمكانياته إلى كيانات أو عوالم وجود أخرى”([10]) وهذه العوالم يجمعها كيان واحد هو الدولة بالمعنى المعاصر.
هذا اللاهوت السياسي المتبلور من طرف الدولة، ولّد معارضة متطرفة خطيرة ستكون هي فاتحة الضربة القاضية الموجهة للدين المسيحي، لقد وجّه “المتطرفون الذين كانوا يعارضون أي نظام قائم جهدهم الإيديولوجي بوعي مرتفع ضد الإيمان بالله تماما، وحاربوا هذا الإيمان باعتباره التعبير الأكثر تأسيسا للإيمان بأي سلطة ووحدة.”([11]) إن كارل ماركس مثلا كان “يرى أن نقد المقدس هو منطلق كل نقد، وكان فرويد يرى في الدين وهما يشبه العصاب النفسي لا علاج له إلا بمقاربة الوقائع دون أوهام، وكان ماكس فيبر يرى في بيروقراطية الدولة الحديثة واعتمادها المنطق العلمي أملا في الحد من سلطات الدين التي لا تعتمد العقلانية، وكان دوركهايم يسعى إلى لحمة عقلانية بالرغم من قناعته أن للدين قدرة فذة في تحقيق هذه اللحمة، وقد تعززت هذه الافتراضات في النظرة العلمانية إلى الدين في المجتمعات الغربية وصارت من المسلمات في متنصف القرن العشرين”([12])
كانت هذه بداية موجة الإلحاد التي ستشمل العديد من الفلاسفة والمفكرين، أما سبب هذا الانقلاب الحاصل على الدين وعلى مفاهيمه التي تم تسييسها، فإنه يجد مصدره في بعض الدوافع السياسية والسوسيولوجية المختلفة: الموقف المحافظ للكنيسة الكاثوليكية، وتحالف العرش والكنيسة، وتخفيض الطبقة الاجتماعية للعديد من الكتاب، ثم ظهور ذلك الفن والأدب لمبدعين تم تهميشهم من طرف النظام البورجوازي.([13])
ولا شك أن القرن التاسع عشر مثل المرحلة الأخيرة والمتطرفة من مراحل ترتيب العلاقة بين الدين والدولة، إذ سيكون هو قرن القطع والحسم أو الثورة والانقلاب على المفاهيم التجاوزية الدينية، وأصبح الفكر الغربي يعتبر العلمنة من مسلمات الحداثة الغربية، فلا تحديث من دون علمنة، وهذه الفكرة كما سبق التأكيد على ذلك “كانت نتاجا لمفكري أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مثل: ماركس وفرويد وديلتاي ودوركهايم… فقد رأوا بأن تطور الحداثة خصوصا على أعقاب عصر التنوير قد انتهى بشكل حتمي إلى ما أشار له بنزع السحر عن العالم وانهيار للإيمان الديني والسلطوية، بداية في المجال السياسي، لكن وبشكل متزايد في مجالات أخرى من الحياة البشرية أيضا.”([14])
وفي الأخير، صارت العلمنة إحدى أبرز مقومات الدولة الديمقراطية الحديثة ومن أهم مسلماتها، يقول آلان تورين: “لقد أتاحت ثقافتنا السياسية نشأة الديمقراطية لأنها كانت تقوم على الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية؛ بينما ظلت هذه السلطة في حضارات أخرى سلطة واحدة فأدى ذلك إلى تقديس الدولة”([15]) ولا شك أننا عندما نتحدث عن هذه العلمنة فإننا نقصد المرحلة الأخيرة من تطورها، أي التي لم تكتف بإزاحة الدين وإنما بشرت بزواله واختفائه.
إن هذا المآل الذي انتهى إليه الدين في أوروبا قد أسست له سرديات كثيرة، لعل أهمها ما يسميه وليام كافانو بأسطورة العنف الديني، والتي تذهب إلى أن الدين والعنف متلازمان، وأنه حيثما كان الدين كانت الفوضى والانقسام وغياب التسامح، ولا شك أن الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا في القرنين 16 و17م والتي انقسمت بسببها المسيحية إلى طوائف ومذاهب متناحرة، تقدم كمثال تاريخي بارز على مقولة العنف الديني الذي لم يقض عليه إلا صعود الدولة الحديثة، يسميها كافانو بـ “أسطورة الخلق الخاصة بالحداثة”([16]) أما أهميتها فتتجلى في كونها أسست لرؤية جديدة علمانية للحياة وشرعنة لمبدإ فصل الدين على الدنيا، وقد حاول الكاتب بيان هشاشة ولا علمية الرواية التاريخية الرسمية التي يتمسك بها منظرو الحداثة، وذلك بتقديم سرد تاريخي مخالف للسردية الرسمية يبين أن الحروب الدينية لم تكن باسم الدين وإنما كانت حول قضايا سياسية وثقافية واقتصادية أخرى.([17])
وبعد أن يؤكد كافانو على هشاشة وعدم تماسك سرديات هذه الأسطورة يتساءل: لماذا تم إنتاجها والحفاظ عليها وأصبحت تشكل رؤية وموقفا ثابتا في الغرب؟ ويجيب بأنها: “كانت مفيدة في تعزيز شكل الحكم العلماني الغربي باعتباره صانعا للسلام، ووفقا لهذا الأسطورة فإن السلام والازدهار لا يمكن أن يتحقق إلا بالفصل الدقيق للبواعث والدوافع الدينية الخطيرة للدين عن الشؤون الدنيوية كالسياسة وهذا ما فعلته الدولة اللبرالية” هذا علاوة على أنها تسهم في شرعنة الإخلاص للدولة القومية وتهميش الفاعلين الدينيين وتقدم تبريرا لنشر الرؤية والتصور الغربي في الحكم وفرضه على العالم!
إن نظرية العلمنة في نسختها الأخيرة والتي تتبناها الدولة الحديثة في أوروبا هي عبارة عن ترتيبات تاريخية لاستهداف الدين مباشرة، وقد أشرت فيما سبق إلى بعض العوامل الموضوعية التي أدت إلى هذه الوضع، ولا شك أن تلك الترتيبات وما انتهت إليه، قد تضمنت مغالطات كثيرة، أشار خوسيه كازانوفا إلى مسلمتين تقوم عليهما نظرية العلمنة في الفكر الغربي: الأولى هي مقولة أفول الدين، “فتفترض أن العلمنة سوف تجر في أعقابها الانحسار التدريجي للدين، ثم أفوله، فاندثاره أخيرا كما تضيف بعض الآراء المتطرفة، أما المقولة الفرعية الثانية، مقولة الخصخصة فتفترض أن سيرورة العلمنة سوف تؤدي إلى خصخصة الدين وإلى تهميشه كما يضيف بعضهم في العالم الحديث.”([18])
● الزمني والروحي في الثقافة العربية الإسلامية.
أولا: هل كان للإسلام دولة؟
ما هي العلاقة التي كانت تربط الدين بالدولة في الإسلام المبكر؟ وهل الإسلام دين ودولة أم أنه فقط مجرد دعوة روحية لا علاقة له بتنظيم شؤون الدنيا؟ وإلى أي حد يمكن الحديث عن “فصل” أو “وصل” أو “تمييز” بين الدين والدولة أو السياسة في الوضع العربي المعاصر؟ لا شك أن هذه الأسئلة وأضرابها أصبحت شيئا مألوفا في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، وسال مداد غزير حولها وقدمت آراء وتحليلات وتبلورت رؤى ومواقف تحاول سبر أغوار هذه القضية وما نتج عنها من إشكالات جزئية.
لا أطمح هنا إلى استعادة ذلك النقاش بتفصيلاته، وإنما أهدف إلى اقتراح خطوط أولية لقراءة أكثر تركيبية لإشكالية العلاقة بين الدين والدولة في السياق العربي، وسأبدأ أولا في البحث في جملة جزئيات تمهيدية أحسبها ضرورية لفهم القضية من أساسها، أولى تلك الجزئيات هي موقف الإسلام من الدولة؟ إن المتأمل في تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة في مجتمع المدينة يلاحظ أنه إضافة إلى كونه نبيا مرسلا من الله تعالى يتلقى الوحي، فإنه كان يمارس دوره كقائد سياسي، فأول ما قام به بعد وصوله إلى المدينة أنه شرع في تأسيس وبناء مؤسسات مخالفة لما كان عليه الحال قبل وصوله، لقد شيد المسجد كمؤسسة دينية، ولكن لها وجهها وطابعها المدني، فالمسجد لم يكن يقتصر على الصلاة وأداء العبادة وإنما كان مؤسسة حية يجتمع فيها القادة ويتدارسون أمور الدنيا والدين، هذا علاوة على أنه كان يضلع بأدوار ووظائف اجتماعية عديدة.
ومن جهة أخرى فالرسول صلى الله عليه وسلم وضع وثيقة المدينة التي تعتبر بحق بمثابة دستور المدينة، وليس لأحد أن ينكر أن هذه الوثيقة كانت عبارة عن عقد اجتماعي ينظم العلاقة على أساس تعاقدي بين مختلف مكونات مجتمع المدينة (خاصة اليهود والمسلمين) ويرسم حقوق وواجبات كل طرف، ويحدد بدقة حدود الدولة وكيفية الدفاع عنها ومواجهة الأخطار الخارجية والداخلية، كما أرست هذه الوثيقة مبدأ حرية المعتقد والمساواة والعدل والأمن والحق في السكن…إلخ.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم مارس دوره كرئيس دولة، من حيث كونه اتخذ لنفسه سفراء للملوك والأباطرة والحكام الذين كانوا في عهده، وزراء وأمراء على الجيش، ورسخت ممارسته القيم الكبرى الناظمة لأي اجتماع بشري: مثل الشورى والعدل والحرية والكرامة والمساواة…إلخ، وغني عن البيان أن كل ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم جاء على أنقاض ما ترسخ في المجتمع الجاهلي من أنماط للحكم فاسدة، وإننا نجد القرآن الكريم قام بهدم المؤسسات الظالمة التي شاعت من قبل، والمتمثلة أساسا في المؤسسات الدينية التي جعلت أساس شرعيتها مستمدا من الآلهة، إذ أن رجال الدين كانوا هم مركز المجتمع، ولا تحدث صغيرة أو كبيرة إلا ويكون لهم رأي فيها باعتبارهم وسطاء بين الناس وربهم، لقد كانوا في الحقيقة هم المستأثرين بالرأي والتشريع في المجتمع الجاهلي القبلي.
لقد سحب القرآن هذا الامتياز من رجال الدين والأشراف وجعله أمرا إلهيا محضا، واعتبر الذين يقومون به من رجال الدين معتدين على حق من حقوق الله عز وجل، أما الذين يستجيبون لهم من العامة فقد اعتبرهم من الذين يتخذون آلهة من دون الله. ([19]) وما دام إذا “الإسلام لا يقر بسلطان كنسي وكهنوتي ولا يعترف بأسرار كنسية مقدسة، فأي فائدة ترجى من الوسيط بين الإنسان وبين خالقه الذي كان يعرفه قبل أن يبدعه؟”([20])
ومن جهة أخرى هدم التصور القرآني كذلك المؤسسات المدنية القائمة على امتياز طبقي أو حظوة أو مكانة اجتماعية يتم خلالها التحكم في الناس من طرف الأشراف وأصحاب الثروة، وفي القرآن “إشارة إلى الأندية وإلى الملأ وإلى العظماء من القوم وإلى السادة والأتباع وإلى المستكبرين والمستضعفين، وهذه الإشارات جميعها تنتهي بنا إلى القول بوجود أصحاب قوة يأمرون وأتباعا أو جمهورا من الناس يأتمرون ويطيعون.”([21])
وبعد أن هدم هذه المؤسسات التي كانت مركزا للسلطة (دور العبادة، والأندية، ومجالس شيوخ القبائل) جاء الإسلام بأخرى بديلة عنها، حصرها خلف الله في أربع مؤسسات وهي: السلطة التشريعية، التنظيم السياسي، المحكمة الدستورية، وأخيرا السلطة التنفيذية التي تحوي داخلها السلطة القضائية.([22]) وعند التأمل نجد أن هذه المؤسسات كانت قائمة في العهد النبوي بالفعل ولن نجد كثيرعناء في تتبع تمظهراتها في الحياة السياسية والاجتماعية آنذاك.
ثم إن المؤسسات التي أرسى قواعدها القرآن لم تكن طبقية أو عرقية وإنما كان مصدرها الأمة، وهذا هو المفهوم من قوله عز وجل: “واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.”([23]) والعقيدة الإسلامية نفسها كانت هي اللحمة الذي أحدثت التحول في نسيج المجتمع الجاهلي العربي وحولته إلى مجتمع حي، أما دور النبي عليه الصلاة والسلام قائد الدولة فقد حدده القرآن في التبليغ والبيان، وأنه لا سلطة له على المسلمين إلا ذلك، بل ويأتي التعبير القرآني واضحا أن النبي ليس بجبار ولا مسيطر، وهذا ما تؤكده العديد من آيات القرآن الكريم، مثل قوله تعال: “قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله”([24]) واضح إذا أن دور النبي رئيس الدولة كان مقيدا منذ البداية وغير مطلق.
ثم جاء بعد النبي عليه السلام عهد الخلافة، وقد وقع الإجماع بين الفقهاء على وجوبها، رغم أنهم اعتبروها من الفقهيات الاجتهادية لا من أركان الدين، وعند المودودي أن الإمامة: “موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم”([25]) وكان من الطبيعي ألا ينخرط القرآن في بيان تفصيلات “الخلافة” اللهم إلا التركيز على المبادئ والقيم الكبرى التي لابد منها لأي اجتماع بشري كيفما كان شكله، وترك الأمر للعقل ليحدد ما تتطلبه المصلحة العامة، وما تتطلبه الظرفية والتطور التاريخي وحاجات الناس.
إن الإسلام في العهد النبوي قد وضع أصول وقيم الاجتماع البشري التي لا يمكن بدونها أن يتحقق السلم والأمان، فهو من جهة أزاح المعيقات التي تكرس الاستبداد والفساد في بنية المجتمع والدولة، خاصة المؤسسات الطبقية والدينية المتخلفة التي تسلب الناس عقولهم ومقدرتهم على التفكير الحر، كما تسلب منهم حريتهم والتي هي من المقاصد الكبرى التي جاء الشرع لتحقيقها والدفاع عنها، ومن جهة أخرى حدد القيم الكبرى الضرورية (الشورى والحرية والمساواة والكرامة والعدل…إلخ) وهذه القيم تبقى خالدة فوق الزمان والمكان، أما شكل هذا الكيان الذي يحتضن هذه الرؤى وتلك القيم فهو أمر موكول إلى اجتهاد العقل الإنساني، يحدده على حسب ما تستلزمه المصلحة العامة.
لم يكن غياب التشريع الإسلامي الخاص بجزئيات الدولة مبررا لاتهام الإسلام بإنكار وتهميش أمور الاجتماع والسياسية، خاصة وأن القرآن ركز على القيم الكبرى الناظمة لأي اجتماع في أي وقت، وهي قيم العدل والشورى والمساواة والحرية والكرامة إلخ، لقد بدأت الدولة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم “صغيرة وفتية، في رقعة جغرافية متواضعة، غير أن الأسس التي قامت عليها منذ البداية سترسم منطق تطور الاجتماع السياسي الإسلامي مستقبلا؛ إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة الأولى في المدينة وحين صك دستور الدولة نص على ما يفهم منه بوضوح عدم حصر المواطنة فقط في المسلمين، بل اعتبر اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة وحدد ما لهم من حقوق وواجبات، وحددت الوثيقة حدود الإقليم الجديد/ الدولة في المدينة، وقالت بترابط النصرة، لذلك لا يمكن اعتبار دولة الرسول في المدينة (دولة دينية)”([26])
هذا من جهة أخرى فالوثيقة أسست لما يمكن أن يسمى عقدا اجتماعيا بين مختلف مكونات المدينة، فهي لم تنفي أو تقصي أي طرف، وبالتالي غاب في التجربة النبوية تطابق الدين بالدولة، ومما له دلالة أن الإسلام لم يجعل الدولة أمرا اعتقاديا، ولعل هذا كاف لينفي عنها الطابع الديني، لقد تركها الإسلام لاجتهاد العقل البشري وما يستلزم ذلك من تطورات ومستجدات الزمان والمكان، والذي ركز عليه هو القيم الكبرى والناظمة للحياة والتي لابد منها لقيام أي اجتماع بشري، والحاصل أن الأمة كانت هي مصدر الدولة وليس الدين.
والحاصل إذا؛ أن للإسلام تصورا ورؤية شاملة لمختلف مناحي الحياة، إنه نسيج يجمع العام والخاص ويشمل حياة الفرد والجماعة والأمة ويضع قواعد تدبير العلاقات بين الحاكم أو الرئيس وبين المرؤوسين، كما أنه يشرع لأمور الزواج والأحوال الشخصية، يسمي الجرائم ويحدد الحدود والعقوبات، ويرسم كذلك آداب الأكل والشرب، النوم واليقظة كما أنه “له نظريته الخاصة في المال العام وميزانية الدولة والمال الخاص المملوك للأفراد ومعاملة الزوجة والأبناء والخدم وعلاقات الدولة الإسلامية بجيرانها من الدول على مختلف نظمها وأزيائها.”([27]) ولا يصح بعد هذا تكرار مقولة أن الإسلام لم يؤسس دولة وأنه كان مجرد دعوة روحية خالصة.
ثانيا الدولة والدين في الإسلام فصل أم وصل؟
إذا ثبت أن الإسلام أقام دولة، فكيف كانت وضعية الدين داخلها؟ لأبحث هذه المسألة فإنه من الضروري أولا الحديث عن دولة النبي عليه السلام بحسبانها النموذج الأول، هل كانت دينية أم مدنية؟ وهنا نلفي الخبط والخلط بين العديد من الدارسين وذلك تحت سلطة النموذج المعرفي الغربي، فمنهم من قطع أن دولة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت دينية ثيوقراطية، ولقد وقع اللبس في هذه النقطة بسبب أن القائد الأول الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن يكون رئيسا للدولة، فهو نبي مرسل يتلقى الوحي، فتوهم العديد من الدارسين أن هذه النبوة جعلت من نموذج الدولة الأول في الإسلام ذا مرجعية دينية.
وفي الاجتهاد الفكري الإسلامي الحديث نجد علاقة السياسة بالدين لها تياران أولهما، ينكر أن تكون للسياسة أية علاقة بالرسالة، والرسول عليه السلام عند هذا الفريق هو رسول وليس رئيسا لدولة، ومن أهم المدافعين عن هذا الرأي الشيخ علي عبد الرازق، أما الثاني، فيجمع الرسالة والسياسة ويطابق بينهما، فالسياسة عنده دين ووحي الله إلى الرسول عليه السلام، والله عز وجل هو الحاكم لا غيره في شؤون الحياة وتناقضات التدبير السياسي بحيث لا مجال للإنسان أن يتدخل بالحكم والفعل والسلطة، ولعل الخوارج في صدر الإسلام من أهم متزعمي هذا الرأي والمدافعين عنه.([28]) ولا شك أن كلا الموقفين تطرفا وابتعدا عن جوهر الدين الحقيقي، الذي يشكل “انطلاقا للحياة والسلوك والتشريع دون أن ينحصر في مجموعة من الكلمات والتقاليد والمظاهر الجامدة المتنافية التي تضمها الأوراق وتتناولها الشفاه، دين الحياة، دين الواقع”([29])
ولعل السبب في هذا اللغظ هو أن هذه القضية المختلقَة، قد أُدخلت قسرا إلى الثقافة العربية وتم تحويلها إلى إشكالية، ونشأ التطاحن حولها وتحولت إلى قضية لها أنصار ومدافعون، ولها في المقابل خصوم ومناوئون، وما لا يخطئه الملاحظ أن كلا الطرفين حاول أن يرجع إلى التراث العربي الإسلامي والعهد النبوي خاصة، ليبحث عن حجج وأدلة يدعم بها موقفه والحاصل إذا أن هذه الإشكالية لا تعبر عن هموم وتطلعات حقيقية، وإنما تعبر عن مزايدات إيديولوجية ليس إلا، ومن هنا فإن فصل الدين عن الدولة بما هي مسألة غير واقعية وغير مقبولة لا تعني إلا أحد أمرين: “إما إنشاء دولة ملحدة غير إسلامية، وإما حرمان الإسلام من (السلطة) التي تتولى تنفيذ الأحكام.”([30])
لقد كان فرعون في مصر القديمة يؤسس ملكه وحكمه للمصريين وتسخيرهم واستعبادهم باعتباره هو الإله الذي يعدهم بالنعيم والخلود بعد الموت، ونفس الأمر يقال عن أكاسرة الفرس الذين كانوا يحكمون بقانون السماء وشريعتها، وقد مكنهم هذا من إضفاء القداسة والاحترام على أوضاع جائرة وفاسدة، ونفس الأمر يقال عن حكم القياصرة الرومانيين بالحق الإلهي المقدس، ولا شك أن هذا التداخل والمزج بين الحكم المدني والتدبير السياسي قد أفرز ويلات وحروب وانتكاسات خطيرة على البشرية.([31])
أما الخليفة فليس معصوما وليس سلطة في تقرير الأحكام وتشريع العقائد وليس من حقة الانفراد في تأويل أو تفسير نصوص الوحي كما شاء، وليس له أن يميز الحق من الباطل، وهو ‘”على هذا لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية، ولا يرتفع به إلى منزلة بل هو وسائر طلاب الفهم سواء، إنما يتفاضلون بصفاء العقل وكثرة الإصابة في الحكم، ثم هو مطاع ما دام على المحجة ونهج الكتاب والسنة والمسلمون له بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا اعوج قوموه بالنصيحة والإعذار إليه.”([32])
إذا لقد كان محمد عابد الجابري محقا عندما ذهب إلى أن سؤال: هل الإسلام دين ودولة؟ من الأسئلة المزيفة التي لا علاقة لها بالواقع العربي الإسلامي، ويذهب إلى أنه لم يسبق أن طرح في الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى أواخر القرن الماضي، وإنما طرح في منتصف القرن الماضي بمضمون لا ينتمي إلى التراث الإسلامي، مضمون نهضوي يجد أصوله وفصوله في النموذج الحضاري الأوروبي…”([33])
وهذا برنارد لويس يعترف أن الصلة بين الديني والروحي في الإسلام تأثرت بالأفكار الغربية، أو بتعبير آخر كانت نتيجة للتغريب؛ أما الأصل في الدين الإسلامي فليس فيه أي هيئة كهنوتية مستقلة تعبر عما هو ديني لوحده، وبالتالي حدد وضعية الإسلام بقوله إنه: “على علاقة سياسية وطيدة بالدولة باطنيا وظاهريا في آن واحد معا، والإسلام في الدول ذات السيادة تقريبا وذوات الأغلبية الإسلامية الواضحة دين الدولة”([34]) والنتيجة إذا عنده أنه في “الإسلام التقليدي ليس هناك أي فصل بين الكنيسة والدولة في حين أن الفصل بين هاتين السلطتين في المسيحية يعود إلى تعاليم مؤسسها الذي أمر أتباعه أن يعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”([35])
ما يجب التأكيد عليه هو أن وضع الدين والدولة مختلف تماما عن السياق الأوروبي، ويكفي هنا أن نستحضر شهادة بليغة أخرى ودالة لجون جاك روسو الذي مهدت أفكاره -إلى جانب بعض الفلاسفة الآخرين- لتأصيل العلمنة، فهو يقول: “وأما محمد فكانت له تصورات قويمة جدا، فإنه شد عرى نسقه السياسي، وطالما أن شكل الحكم الذي أقامه قد استدام في عهد الخلفاء الراشدين، فإن هذا الحكم كان هو هو تماما، فكان لهذا السبب حكما صالحا، غير أن العرب وقد آل أمرهم إلى الازدهار، وصاروا أهل أدب ولطف وميوعة، وتراخت عزيمتهم، قهرهم الهمج وأخضعوهم، فعاد إذ ذاك الفصل بين السلطتين إلى الظهور.”([36])
سيكون من الطبيعي أن ينتقد برنارد لويس المستشرق العتيد، حكمين مسبقين حيال الفكر السياسي الإسلامي وما يسمى بالحكومة الإسلامية، الحكم الأول الذي يرى فيها أنها حكومة ثيوقراطية، والثاني الذي يلصق بها صفة الاستبدادية، وبالنسبة للحكم الأول الذي يهمنا هنا، فإذا “كنا نقصد بالثيوقراطية الدولة التي تحكمها الكنسية أي الكهنوت، فإن من الواضح أن الإسلام ليس ثيوقراطيا، وهو يخلو من الكنيسة ومن طبقة الكهنوت لانعدام وجود إدارة كهنوتية أو أية وساطة بين الله تعالى والفرد المؤمن”([37])
ولتأكيد مدى سلطة النموذج الغربي فإننا نجد من يعترف بأن السياسة لم تكن منفصلة عن الدين في المشروع النبوي، ويقر أنها لم تكن محكومة به ولا فرعا من فروعه ([38]) إلا أنه في مكان آخر يؤكد أن الإسلام أنتج دولة “ولم يكن ذلك حال المسيحية التي ستتبناها الدولة (الإمبراطورية الرومانية) لاحقا وبعد تاريخ طويل من اضطهادها المسيحية، لكن الدولة التي أنتجها الإسلام ليست دولة دينية (ثيوقراطية) لأنها عند أهل السنة على الأقل تقوم على مواضعات مدنية (بيعة، شورى، وحسبة…)”([39]) على أنه لا يمكن التسليم بكون الدولة لم تكن محكومة بالدين، ذلك أن الدين أسس لمنطق تعاقدي بين الحاكم والمحكوم مبني على قيم واضحة، وهذه القيم لا بد وأن يستحضرها الفاعل السياسي وأن يلتزم بها في سلوكه، فالدين موجه ومرشد لسلوك الإنسان، سواء في السياسة أو العمل أو البيت…إلخ.
إن الذي يجب تأكيده بناء على التحليل السابق هو أنه “لم يعد هناك شك في النظام الذي أقامه رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون معه بالمدينة، إذا نظر إليه من وجهة مظهره العملي وقيس بمقاييس السياسة في العصر الحديث، يمكن أن يوصف بأنه سياسي، بكل ما تؤدي هذه الكلمة من معنى، وهذا لا يمنع في نفس الوقت بأن يوصف بأنه ديني إذا كانت وجهة الاعتبار هي النظر إلى أهدافه ودوافعه.([40])
هذه الرؤية لعلاقة الديني بالسياسي في الإسلام يراها البعض قفزا وتجاوزا للتاريخ وتقديم صورة جامدة ونمطية، تلغي الصراعات والتطاحنات والفرقة والخلافات، إن “الصراع الاجتماعي السياسي وموقع الدين فيه الذي شهده التاريخ الإسلامي كان وإن اختلف توصيفه على مستوى المفردات لا يختلف عن سياق التجربة المسيحية من ناحية المضمون والجوهر، وبشكل أساسي من ناحية وظيفة الدين في الصراع السياسي”[41] ويكفي هنا كرد أولي على هذا الكلام أن أؤكد حقيقة بدهية واضحة وهي أن تاريخ الإسلام لم يشهد مثل تلك التطاحنات والصراعات بين الفرق والمذاهب الدينية المسيحية التي أدت إلى أحداث انشقاقات داخل المجتمعات الأوروبية.
إن فهم طبيعة الإسلام كما هي بعيدا عن المزايدات والأيديولوجيات هو المدخل الرئيس لتحديد المشكلة بدقة، إن الإسلام دين شامل يشرع لجميع مناحي الحياة، الخاصة والعامة، واهتمامه بأمور الدولة كان واضحا منذ العهد النبوي، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما استقر في المدينة بعد الهجرة إليها وضع دستورا لتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية بين مختلف الجماعات الدينية، ثم نراه كذلك عين “سفراء” له إلى الملوك والأباطرة الذين كانوا في وقته، وداخل الدولة مارس دوره كرئيس لها، ولقد قامت دولته على قيم ومبادئ معروفة مثل الشورى والعدل والحرية.
● هل نحن أمام مشكلة دولة أم مشكلة دين؟
كثيرة هي المعيقات البنيوية التي تعاني منها الدول العربيّة بسبب النشأة المشوهة المرتبطة بالاستعمار الخارجيّ، الّذي أسهم في إرباك النسيج المجتمعيّ؛ “فالقوى الاستعماريّة حين لم تحم الدّيمقراطيّة، وحين أيّدت الدّكتاتوريّات، لم تفعل ذلك لأنّها تحمل (أفكارًا خاطئة)؛ إنّما فعلتها لأنّ ذلك جزء لا يتجزّأ من نظام الاستعمار، أو الإمبرياليّة، أو الاستعمار الجديد.”([42])
لقد ولدت هذه الدولة مشوهة فهي لم “تقطع بعد شوط التطور الذي يمكنها من الصيرورة دولة حديثة على منوال الدول الغربية، أي دولة محكومة بقواعد سياسية واجتماعية عصرية تضعها في موقع القطيعة مع موروثها التقليدي السلطاني”([43]) هناك تباين إذا في تكوين وتركيبة الدولة بين السياق العربي والغربي، ذلك أن الدولة العربية تؤثث واجهتها شكليا بمؤسسات عصرية لكنها في العمق دول رجعية مستبدة، وما هو شكلي عندنا هو جوهري ومركزي في السياق الغربي، ولا يمكن أن نأتي إلى جزئية الدين والدولة ونريد لها أن تكون على المنوال السائد والمنتشر في الغرب.
إحدى أهم سمات الدولة القومية العربية هي اشتغالها على اختراق الخاص وضبط العام والتحكم فيه، كما أنها سطت على الدين وعلمنته وجعلته حبيس الزوايا والمساجد، إلا أنه يمكن أن نتحدث عن مفهوم جديد للدين صاغته الدولة وهو مفهوم غربي بلا ريب، لقد أقامت ما سماه أحد الدارسين “زحفا غير مقدس” على الدين، يتجلى في عملها على إعادة صياغة مفاهيمه وإفراغه من دلالاته وإلباسه بمعان أخرى “معلمنة” وذلك وفقا لمصالحها ومقاصدها وأيديولوجيتها، وفي هذا السياق يُعدّد سيف الدين عبد الفتاح جملة من المفاهيم التي تعرضت للتشويه وأفرغت من محتواها الديني الحقيقي، مثل: البيعة، التوبة والدعاء، الحسبة…إلخ([44])
لم تقطع الدولة العربية نفس المراحل التي قطعتها الدولة الغربية، لكنها سرقت الدين من المجتمع ووظفته في أحيان كثيرة في معركة بناء الشرعية، ورغم أنها ترفع شعارات الدولة الحديثة ومؤسساتها، لكنها في المقابل تؤسس لعلاقة انتهازية مع الدين، فهي ليست دولة دينية وليست علمانية، ففي الشكل العام هناك مؤسسات مدنية قائمة –لكنها عديمة الجدوى-وفي الجوهر هناك احتكام إلى أحكام الشريعة في الزواج والطلاق والمعاملات.
لقد تنبه العديد من الدارسين الغربيين إلى هذه المفارقة التي أضحت سمة للدولة العربية، ذلك أن “العديد من الدول مثلا في الشرق الأوسط التي تقدم نفسها كدول علمانية، تسيطر على كل ما هو ديني وتحاصره أمنيا من خلال وزارة الداخلية، وسياسيا من خلال وضع هيكلة رسمية للجهاز الديني تكون هي المعبر عن أفكار الدولة الدينية والتي غالبا ما توظف سياسيا بطريقة فجة تعزيزا أو دعما لخيارات ومواقف معينة مرتبطة بالسلطة، وفي المقابل قد توظف المؤسسة الدينية سياسيا لتبرير خيارات لا علاقة لها بالدين وإنما بالمصلحة الفردية أو الجماعية، وقد يتم التدخل في الشأن الديني اقتصاديا خاصة فيما يتعلق بالأوقاف.([45])
إن جوهر الخلل ومكمن الداء هو أن تصنع للدين مؤسسات تعبر عنه، كما هو الشأن في مؤسسات الدين المسيحي والتي هي أصلا محدثة وليست أصيلة فيه، لتعبر عن حقائق الدين ووصايا المسيح، وتعتبر نفسها الناطق الرسمي الوحيد باسمها، فعندما صنعت للدين الإسلامي مؤسسات كان ولا بد وأن يتولد عن ذلك إشكالية الفصل أو التمييز بينها وبين مؤسسات الدولة، خاصة لما تغدو مؤسسة الدين الرسمية موضوعة لتبرير خيارات الدولة والدفاع عنها والبحث لها عن سند شرعي.
ولقد أشرت فيما سبق إلى أن القرآن وقف ضد شخصنة الدين في شكل مؤسسة أو هيئة، تكون هي الناطق الرسمي باسمه، ولقائل أن يقول إن هذا الإجراء كان خاصا مع المؤسسات الدينية الجاهلية التي حملت دينا مزورا ومشوها كان هدفه التحكم في الناس وتوجيههم، لكن عند التدقيق فإننا نلاحظ أنه حتى الدين الإسلامي الحق الذي جاء به القرآن للناس، لم يدع القرآن ولا الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تأسيس هيئة أو نخبة أو إدارة للحديث باسم الدين، أو للتعبير عن الدين الرسمي، في مواجهة الدين غير الرسمي أو المنحرف، فقد لاحظنا أنه لا سلطة للنبي المعبر الأسمى عن الدين إلا بالتبليغ، ولا سلطة دينية كذلك للعلماء على الناس إلا سلطة التوجيه والنصح والدعوة بالموعظة الحسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
● في سلطة النموذج المعرفي الغربي.
إن البراديغم الفكري الغربي المرتبط بالعلمنة قد أنتج أحكاما “إثنو-مركزية كارثية” فعندما تكون هذه المراحل التاريخية الثلاث آنفة الذكر (التمييز بين الكنيسة والدولة، ثم الفصل بين الكنيسة والدولة، وأخيرا إقصاء الدين من الدولة ومن الحياة العمومية) هي الخلفية “الكنسية” المقدسة اللازم تحققها لكي يكون النظام العلماني علمانيا بالشكل المرضي فبالطبع لن يكون أبدا بوسع المجتمعات الإسلامية تحقيق مثل هذا النظام.”([46])
ورغم ذلك فإن شريحة كبيرة من المتحمسين لعلمنة الحياة في العالم الإسلامي يقفزون على هذا التاريخ المعقد للعلمنة في أوروبا، إلى درجة أن العديد من التحليلات ترى أنه لا يمكن فهم الدين والتدين إلا عبر فهم مسار العلمنة.([47]) في نسخته الغربية، وهنا يبدو من الضروري أن نتساءل عن أية مرحلة من مراحل العلمنة يجب أن نأخذ بها؟ وهل نفصل الدين عن الحياة أو نزيله تماما؟
صحيح أنه حصل تقدم وتطور في حياة المجتمعات الغربية التي فصلت بين الدين والدولة، لكن هل إنجازات الحضارة الغربية يمكن ردها هكذا وبضربة واحدة إلى عامل واحد هو عامل الفصل بين الدين والدولة؟ أم أن هناك عوامل وأسباب أخرى أسهمت إلى جانب هذا الفصل في هذا التقدم؟ ما أعتقده أن سبب هذا التسطيح للقضية يعود إلى أن النموذج الحضاري الغربي الحديث أصبح يشغل مكانا مركزيا في فكر ووجدان معظم المفكرين والشعوب بسبب انتصاراته المعرفية والعسكرية الواضحة في مجالات عديدة”([48])
لنقرأ هذه الشهادة لواحد من أهم المستشرقين الدارسين للإسلام يقول: “حين نتطرق نحن أبناء العالم الغربي ممن ترعرعوا في الموروث الغربي إلى كلمتي إسلام وإسلامي، فإننا نميل إلى ارتكاب خطأ بديهي يكمن في افتراضنا أن الدين يعني بالنسبة للمسلمين ما يعنيه للناس في العالم الغربي، أي أنه جانب أو شطر من الحياة موقوف على بعض الشؤون المعينة، وأنه معزول أو يمكن عزله على الأقل في جوانب أخرى من الحياة كتلك التي تعنى بالشؤون الأخرى، ولكن الواقع ليس على هذا النحو في العالم الإسلامي.”([49])
لا يجب أن يغيب عن بالنا أنه قد تشكل مفهوم خاص للدين في أوروبا، وتحوّل هذا المفهوم إلى قالب جاهز يتم إسقاطه على كل الحضارات والدول التي استعمرتها بعد أن تغلبت وسيطرت، ومما له دلالة هنا أن وليام كافانو لاحظ أن الغربيين كانت لهم مسبقات فكرية تنفي وجود أديان في مستعمراتهم قبل غزوها؛ لكن بعد عملية الغزو تبين لهم أن سكان المستعمرات يمتلكون أديانا، ومن هنا كان العمل على تدجين تلك الأديان لتتناسب والتصور الجديد للدين بمفهومه الغربي، دين مستقل عن باقي المجالات الاجتماعية، مثل الهندوسية التي تم تضخيم البعد الصوفي فيها، والبوذية التي تم اعتبار نشاطاتها الخارجية على أنها انحراف أو مروق خدمة للمطامع الإمبريالية.
ونفس الأمر يقال مع الشنتو في اليابان والكونفشيوسية في الصين، وفي المحصلة إن الهدف من إقامة تماثل بين هذه الأديان وبين المسيحية، وجعلها أديانا فردية لا اجتماعية ولا سياسية، من طرف السلطات الاستعمارية هو ترتيبات السلطة، فهذا التحديد يتيح إبعاد أطراف من التنافس حول السلطة وبالمقابل جعل أطراف أخرى أولى بها.([50])
إن العلمنة بما هي ترتيب لعلاقة الزمني بالروحي، لا يزيد أمرها عن كونها خيارا من بين خيارات وبدائل أخرى من الممكن أن تتبناها المجتمعات الأخرى، فهي ليست قدرا كونيا مطلقا، ولعل الإيمان بهذه القناعة سيحرر الذهنية الغربية من المسبقات والأحكام النمطية والتحيزات التاريخية التي أسهمت في التأسيس لثنائية الـ “نحن” والـ “هم” وكانت سببا في إغلاق جسور التواصل والحوار الحقيقي بين الأمم
● خلاصة: العلمنة كأيديولوجيا!
هناك ثلاث ملاحظات تفرض نفسها على الباحث في قضية العلمنة، الأولى هي أنه ليس هناك تاريخ موحد يطبع مسار متوالية العلمنة في الغرب، وأن ترتيب العلاقة بين الدين والدولة بدأ بسيطا وانتهى في القرن التاسع عشر إلى الصورة الأكثر تعقيدا وهي سيطرة الدولة على كل ميادين الحياة ووضعها للدين داخل المجال الخاص عند الإنسان، أما الثانية فهي أن ثنائية الديني والزمني قد “نقلت وارتحلت وهي مثقلة بكل هذه الحمولة والالتباس والافتراضات العميقة المتعلقة بالفصل الصارم بين المحايث والمتعالي من ناحية والعمومي والخصوصي من ناحية أخرى، لا عجب إذا أن تسبب هذه المصطلحات قدرا هائلا من التشويش”([51]).
أما الملاحظة الأخيرة فتتجلى أساسا في خصوصية الوضع العربي الذي عرف الاستعمار والتغريب وما تبعه في اختراق ثقافي وسياسي لنسيج الأمة، ذلك الاستعمار الذي صنع كيانات سياسية ذات أنظمة فاقدة للشرعية والمصداقية الديمقراطية لا تنتصر لا للدين ولا للدنيا، ولا يجادل أحد أن أغلب تلكم الكيانات التي تسمى “دول”، تعيش حالة تبعية للدول المتقدمة التي كانت تستعمرها مما يجعلها دولا بلا سيادة، ولعل هذه الخصوصية هي التي جعلت الوضع عندنا مقلوبا تماما، أي أننا نعيش مشكلة دولة ابتداء لا مشكلة دين، وهذا لا يعني أن الفهم الديني والاجتهاد الفقهي لا يعاني من أزمة، وإنما يعني بالأساس أن أم الأزمات التي تتفرع عنها كل المصائب والتي تعرقل أي تنمية أو تقدم هي مشكلة الدولة الاستبدادية التي تنتفي معها قيم الحرية والديمقراطية والإبداع.
لكل ما سبق أرى أن النقاش حول العلاقة بين الدين والدولة في الفكر العربي، هو في جانب منه تهريب للمعضلة الحقيقية، معضلة الدولة الاستبدادية ومصدر شرعيتها وهيمنتها على الدين والحياة ما دام أن العلمنة تعني السكوت عن التوظيف الاختزالي للدين من قبل الدولة التي تفرض فهما يخدم أغراضها ومراميها، وإذا تأملنا وضعية الفكر العلماني عندنا فإننا نجده اختار إحدى سبيلين؛ إما الانخراط في إنتاج فهم جديد للدين والتشريع الإسلامي وإصدار تصورات أو قل فتاوى لجزئيات الدين تنافس التصور الذي يعتبرونه تصورا تقليديا مغرقا في الرجعية والقدم، وإما السعي إلى تشويه الدين من أجل إزاحته نهائيا من الساحة الخاصة والعامة، وفي كل الأحوال فإن كلا السبيلين يخدمان الاستبداد، من هنا فإني أرى أن العلمنة هي تواطؤ سافر مع الاستبداد وتغطية عليه بل وتشكل أهم دعائمه؛ لأنها تحولت إلى “أيديولوجيا خفية” تخترق جميع مفاصل الدولة، من الإدارة إلى المدرسة مرورا بالمدرسة والشارع…إلخ
وإذا استحضرنا خصوصية “الدين” عندنا الذي هو الإسلام، والذي كان له منظور ورؤية خاصة “للدولة” وحتى إذا قبلنا الرأي الذي يقول إنه “لا دولة في الإسلام” فإننا لا يمكن أن نتغاضى عن حقيقة هامة تفرض نفسها وهي أن الإسلام أطر مسألة الحكم بقيم ومبادئ كبرى موجهة وضابطة وعلى هذا الأساس انطلقت “الدعوة الأولى” قوية ناصعة، فأين نحن من تلك القيم التي أصلها الدين واغتصبتها الدولة؟ أعتقد أنإعادة إحياء القيم الكبرى ومن ثمة التخفيف من وطأة الاستبداد وعلاج الوضع المقلوب الذي جعلنا نعيش مشكلة دولة لا مشكلة دين؛ يحتم علينا إقامة فصل مؤسساتي أو إداري بين مؤسسات الدولة وبين الدين، ومدخل هذا الفصل هو أن ترفع الدولة المعلمنة وصايتها ويدها عن الدين بأن يكون الإشراف على المؤسسات الدينية إشرافا تقنيا إداريا وليس أيديولوجيا.
[1] محمد اعمارة، العلمانية بين الغرب والإسلام، دار الدعوة، الطبعة الأولى 1996م ص 8
[2] تشارلز تايلور، العلمانية الغربية، أوراق نماء 120، مركز نماء للبحوث والدراسات ص 8
[3] انظر، مايكل ألين جيلسبي، الجذور اللاهوتية للحداثة، جداول للنشر والتوزيع، ترجمة فيصل بن أحمد الفرهود، الطبعة الأولى 2019م ص 350
[4] تشارلز تايلور، العلمانية الغربية ص 8
[5] خوسيف كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2005م ص 30
[6] نفس المرجع ص 27
[7] عصر التنوير ص 124
[8] انظر دراسة أمان الله فصيحي حول: المجتمع العلماني، المكونات والمميزات، ضمن الكتاب الجماعي: العلمانية مذهبا، دراسة نقدية في الأسس والمرتكزات، الطبعة الأولى 2014م منشورات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ص 24
[9] كارل سميث، اللاهوت السياسي، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، ترجمة رانيا الساحلي وياسر الصاروط، الطبعة الأولى 2018 ص 49
[10] الجذور اللاهوتية للحداثة، ص 353
[11] اللاهوت السياسي، ص 61
فلاح رحيم، مقدمة كتاب قوة الدين في المجال العام، مجموعة من المؤلفين، دار التنوير الطبعة الأولى 2013 ص 12[12]
[13] اللاهوت السياسي، ص 61
[14] الجذور اللاهوتية للحداثة ص 349
[15] آلان تورين، ما هي الديمقراطية؟ حكم الأكثرية؟ أم ضمانات الأقلية؟ دار الساقي، الطبعة الثانية، 2001م ص 54
[16] وليام كافانو، أسطورة العنف الديني، الأيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2017م ص 193
[17] عبد الحكيم كرومي، مراجعة كتاب: العنف الديني كأسطورة، مجلة أواصر العدد الرابع.
[18] الأديان العامة، ص 34/35
[19] انظر تحليلا لهذه النقطة في، محمد أحمد خلف الله، القرآن والدولة، مكتبة الأنجلو مصرية، طبعة دون تاريخ، ص 20
[20] دافيد دي سانتيلانا، دراسة القرآن والمجتمع، ضمن الكتاب الجامعي تراث الإسلام، تحت إشراف توماس أرلوند، دار الطليعة الطبعة الثالثة، ص 409/410
[21] القرآن والدولة ص 23
[22] انظر نفس المرجع، ص 49
[23] سورة آل عمران الآية 103
[24] سورة الأعراف الآية 188
[25] الأحكام السلطانية ص 15
[26] عبد الغني عماد، الإسلاميون بين الثورة والدولة إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2013م ص 59
[27] نجيب الكيلاني، حول الدين والدولة، دار النفائس، الطبعة الأولى 1971م ص 11
[28] انظر تحليلا لهذا محمد عمارة، الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، دار الشروق الطبعة الأولى 1988م ص 200 وما بعدها.
[29] سيف الدين عبد الفتاح، الزحف غير المقدس تأميم الدولة للدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر الطبعة الأولى 2016مص 21
[30] الدين والدولة وتطبيق الشريعة ص 62
[31] انظر تحليلا في محمد عمارة الدولة الإسلامية ص 10
[32] الإسلام والنصرانية الشيخ محمد عبده، مع العلم والمدنية، دار الحداثة الطبعة الثانية 1988مص 78/79
[33] محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1996م ص 58
[34] برنارد لويس، لغة الإسلام السياسي ص 15
[35] لغة الإسلام السياسية ص 13
[36] جون جاك روسو، في العقد الاجتماعي، أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة عبد العزيز لبيب، مركز دراسا الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2011م ص 241
[37] لغة الإسلام السياسي ص 54
[38] عبد الإله بلقزيز، النبوة والسياسة، مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الثانية 2011م ص 199
[39] النبوة والسياسة ص 202
[40] انظر النظريات السياسية ص 17
[41] وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان، جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين: العثمانية والصفوية القاجارية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الرابعة 2015م ص 19
[42] منير شفيق، الدّيمقراطيّة والعلمانية في التجربة الغربية، رؤية إسلامية، دار صفحات، الطبعة الأولى، 2014م، ص 22.
[43] عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع ص 39
[44] انظر الزحف غير المقدس ص ص 44 وما بعدها.
[45] جون نيكولا بيتر، انظر العلمانية واللائكية في السياسة الدولية، أوراق أبحاث مؤسسة قرطبة عام 2015م
[46] نفس المرجع ص 10/11
[47] عزمي ابشارة الدين والتدين ص 407
[48] عبد الوهاب المسيري، العالم من منظور غربي ص 87
[49] لغة الإسلام السياسية، ص 12
[50] لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة أنظر مراجعة كتاب، العنف الديني كأسطورة ضمن مجلة أواصر العدد الرابع.
[51] تشارلز تايلور، العلمانية الغربية، أوراق نماء 120، مركز نماء للبحوث والدراسات. ص 9



