–السلطة الروحيّة ترسمها حدودُ المقدّس-
هلالان لا هلال واحد
إلى ماذا يحيل الاختلافُ في تحديد ولادة هلال الأعياد ورمضان، ومن أين ينشأ تنوّعُ المواقف في ذلك؟ لتحليلِ موضوع تحديد موعد ميلاد الهلال، وبيانِ ما تحيل إليه هذه الاختلافاتُ، ينبغي تفكيكُ مفهوم الهلال الواحد الى هلالَين، وهما:
الأول: الهلال الفلكي، مفهومُه يحيل للهلال الذي ينتمي للحقل الدنيويّ، بمعنى أنّ من يكتشف مواعيدَ ولادته وحركتَه هم الفلكيُّون بكلِّ ما يمتلكون من حسابات وجداول فلكية وتلسكوبات وغيرها من الأدوات التي تهديهم إلى نتائج علميّه قطعيّة. هذا هلالٌ فيزيائي ينتمي للفلكيين، إنهم وحدهم من ينبئنا عنه، وليس لأحد سواهم أن يرفض قولَهم، بوصفهم المتخصّصين في ذلك، ومرجعيةُ العقلاء دائمًا هي ذوو الاختصاص والخبرة، كلٌّ على أساس تخصّصه وخبرته.
الثاني: الهلال الديني، مفهومُه يحيل لهلال رمزيّ ينتمي لحقل المقدّس، الذي هو خارج الحقل الدنيوي. وإن كان منشؤه حقيقةً كونيةً فلكية. أي مثلما هناك زمانٌ دينيّ كرمضان والأعياد، ومكانٌ دينيّ كالكعبة، هناك أيضًا الهلالُ الذي هو دينيّ لا دنيوي. هذا الهلالُ هو ما يحدّد مواعيدَ الأزمنة الدينية.
ما دام مفهومُ هذا الهلال يندرجُ في الشأن الديني، فإن بيانَ مواعيد ولادته وغيابه ليس من اختصاص الخبراء الفلكيين، بل من اختصاص من يمتلك المشروعيةَ الدينيةَ للإفتاء بشأن مواعيده وميلاده، والمتخصّصون بإدارة الشأن المقدّس حصرًا، وهم المرجعيات الدينية.
الهلالُ الدينيّ مثله في ذلك مثل أيّ شيء في الطبيعة يخرج من الحقل الدنيوي إلى حقل المقدّس. الحجرُ المستعمل في بناء الكعبة مثلًا، عندما كان جزءًا من جبل، لم يكن مقدّسًا قبل اقتطاعه واستعماله في بنائها، غير أنه بمجرد تقطيعه ودخوله في البناء يصير مقدّسًا، بوصفه دخل في فضاء الكعبة المقدّسة. هكذا هو حالُ كلّ زمان أو مكان أو شيء يجري تقديسُه. بمعنى أنه عندما كان ينتمي إلى الفضاء الدنيوي لم يكن مقدّسًا، لكنه بمجرد عبوره من الدنيوي إلى فضاء ديني يمسي مقدّسًا.
الاستملاك الرمزي للهلال
مَنْ يمتلكُ أنظمةَ إنتاج المعنى يمتلكُ السلطة. هناك علاقةٌ جدلية ٌبين امتلاكِ أنظمة إنتاج المعنى وامتلاكِ السلطة، كلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، سواء أكانت سياسيةً أم روحية. المعرفةُ كما يقول فوكو تنتج سلطة، والسلطةُ تنتج معرفة، تعزّزها وترسّخها وتغذّيها على الدوام. كلُّ سلطة تحرص على امتلاك منابع المعرفة كافة، وكما تعمل السلطةُ على إنتاج المعرفة، تحدّد المعرفةُ بطبيعتها نوعَ السلطة.
بتعبير آخر، التأثيرُ متبادَلٌ بين السلطةِ وأنظمةِ إنتاج المعنى، كلٌّ منهما يؤثّر في الآخر ويتأثّر به. كلُّ مَنْ يمتلكُ أنظمةَ إنتاج المعنى يمتلكُ السلطة. كلُّ مَنْ يمتلك السلطةَ يحاول أن يحتكرَ أنظمةَ إنتاج المعنى. مَنْ يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى الروحي يمتلك تبعًا لذلك السلطةَ الروحية، ومَنْ يمتلك السلطةَ الروحيةَ يعمل على احتكار أنظمة إنتاج المعنى الروحي. وهكذا مَنْ يمتلك أنظمةَ إنتاج المعنى السياسي يمتلك تبعًا لذلك السلطةَ السياسية. ومَنْ يمتلك السلطةَ السياسيةَ يعمل على احتكار أنظمة إنتاج المعنى السياسي، ويسعى إلى الهيمنة على كلِّ نظامٍ غيرها لإنتاج أيّ معنى، وتوظيفها كلِّها من أجل ترسيخ سلطته.
من طبائع السلطة السياسية وكلِّ سلطة، أنها تتمدّد وتتّسع باستمرار، تتغلغل وتخترق كلَّ شيء تتمكّن من اختراقِه والاستيلاءِ عليه. تحاولُ التهامَ المال والحريات والحقوق، بل كلّ ما تستطيع أن تطالَه وتصلَ اليه، أيًّا كان، كي تكرّس سطوتَها على حياة الناس. ما لم تضع السلطةُ لنفسها دائرةَ نفوذٍ مرسومةٍ بوضوح، وتضبط ذلك بقوانين صارمة، فلن يحدّ من تغوّلها أيُّ شيء سواها.
تلك هي آليةُ اشتغال السلطة، حيثما كانت، وكيفما كانت، وأينما كانت. طبيعةُ السلطة نسيجٌ شبكيّ متشعّب، عميق، مركّب، معقد، متغلغل في كلّ ما هو: كبير وصغير، جزئي وكلّي، عام وخاص، دنيوي وديني. إنها تتشكّل عادة مما هو: مباشر وغير مباشر، ظاهر ومستتر، معلن ومضمر، جلي وخفي، حاضر وغائب.
لا أريد أن أتحدّث أكثر عن شراك أنماط السلطة التي حفر في أعماقها، وكشف بنيتَها العميقة، وأبعادَها ووجوهَها المختلفة، وفضح أقنعتَها المتنوّعة، فوكو ومن قبله نيتشه، إنما وددتُ فقط الإشارةَ بإيجاز إلى شيء من طبائعِ أشكالِ السلطة المختلفة ومدياتِها وآلياتِ اشتغالها، وتشعّبِ نسيجها، بغية الكشف عن الرأسمالِ الكبير الذي تتداوله، ونوعِ الأسهم التي تستثمرها، وكيفيةِ تنميتها وتوالدها، والتلاعبِ بها.
السلطة الروحيّة ترسمها حدودُ المقدّس
الذين يصرّون على الاعتماد على آراء الفلكيين، والاستنادِ إليهم بوصفهم مرجعيةً وحيدةً نهائيةً في كلّ ما يتّصل بالهلال ومواعيد الأعياد وشهر رمضان، إنما يحاولون الاستئثارَ بإحدى ممتلكات المؤسّسة الدينية ذاتِ التأثير الكبير في إنتاجِ المعنى الروحي، وتغذيةِ البنية التحتية للسلطة الروحية. إنهم يعملون على إخراجِ الهلال المؤطَّر بمضمون مقدّس، وانتزاعِه من حقله الخاص، وتفريغِه من محتواه. عندما يرحّلونه إلى الفضاء الفلكي ليغدو هلالًا مختلفًا، لا علاقةَ له بمجال إنتاج المعنى الديني. إنهم يتعاطون معه بوصفه الهلالَ الكوني، الذي يقع في حيّز الخبير الفلكي، والملحق بالشأن الدنيوي، أي ينقلونه من مجاله ووظيفته في إنتاج معنى ديني إلى مجالٍ لا يمتّ بصلة للشأن الديني.
وطبقًا لما تقوله أصولُ الفقه، فإن فعليةَ الحكم الشرعي تدور مدار توافر عناصر موضوعه بتمامها، وهذه العناصر هي: المواصفات والقيود والشروط كافة، المأخوذة في موضوع الحكم، والتي بمجموعها تمثّل الموضوع، فما لم تتحقّق كلُّها لا يكون الموضوعُ ناجزًا ومتحقّقًا. وذلك ما تقرّره القاعدةُ المعروفةُ في الأصول: “المشروط عدم عند عدم شرطه، أو المقيّد عدم عند عدم قيده”. ما يقع موضوعًا للحكم الشرعي هنا بغرّة شهر رمضان، وتصرّمه وبدء العيد في اليوم الأول من شهر شوال، وهكذا أهلة الحج والأشهر القمرية، إنما هو الهلال الرمزي الديني، أي الهلال الذي تؤطّره المواصفاتُ والشروطُ والقيودُ المنصوصُ عليها في المدوّنة الفقهية، وليس الهلالَ الكوني الفيزيائي الفلكي، العاري من تلك المواصفات والشروط والقيود. الهلالُ الفلكي ليس هو موضوع الحكم الذي يتمسّك به مشهورُ الفقهاء، ممن لا يقبلون توظيفَ الحسابات الفلكية والتكنولوجيا الجديدةَ في تحديد ولادته. وهو ما يدعوهم للتشبّث بالرؤيةِ البصرية المباشرة، وقول بعضهم بتعدّد الأعياد، تبعًا لتعدّد الآفاق جغرافيًّا، حتى إن لم يتطابق ذلك مع ما يكتشفه علماءُ الفلك، وحساباتِهم العلمية، وأدواتِهم الرصدية التي تعطي نتائجَ قطعيّة.



