كايلي بروديريك[1]
ترجمة التحرير
ما هي العلاقة بين الاستعمار والاقتصاد والفكر السياسي؟ يعالج كتاب آرون جيكس “احتلال مصر: الاقتصاد الاستعماري وأزمات الرأسمالية” (2020) (Egypt’s Occupation: Colonial Economism and the Crises of Capitalism) هذا السؤال من خلال مداخلة نظرية تتحدى المفاهيم المشتركة لغاية هذا الاحتلال، والتبرير الذاتي الذي اختلقه المشروع الاستعماري البريطاني لنفسه في مصر.
بحسب جيكس، طالما اعتبر المؤرخون التدخل البريطاني الذي بدأ في مصر عام 1882 استمرارًا لمشروع سياسي واقتصادي وبيئي سابق غير مباشر سعى في المقام الأول إلى تحويل مصر إلى مزرعة قطن تابعة لإنجلترا. ويحاجج جيكس بأن شيئًا أشد مكرًا كان يجري على قدم وساق. استنادًا إلى حل مشكلة الديون التي تراكمت على مصر الخديوية باعتبارها جزءًا شبه مستقل من الإمبراطورية العثمانية، حيث سعى الاحتلال البريطاني لمصر في الواقع إلى تحقيق نوع معين من التحديث الاقتصادي الذي يعتمد على مضاعفة الأدوات المالية التي تهدف إلى تحقيق الربح و”إرشاد وتعليم” المصريين. ويحاجج جيكس بشكل مقنع بأن مشروع بريطانيا أعاد صياغة مصر باعتبارها وسيلة لإنتاج المواد من خلال ثلاث طرق.
أولاً؛ أبلغ الاحتلال”مستشاري” مصر بالسياسات المحددة التي اتبعوها وغيرت من مؤسسات الدولة المصرية بشكل مهم ودائم.
ثانيًا؛ خلق الاحتلالظروفًا لازدهار مالي هائل، وإن كان قصير الأمد، وبالتالي غير الاحتلالمن طبيعة المصالح المادية نفسها.
ثالثًا؛ جعل الاحتلالمصر ساحة نقاش ممتد حول العلاقة بين الاقتصاد والسياسة.
في الواقع، سعى الاحتلال البريطاني لمصر إلى فهم كيفية عمل العناصر السياسية والاقتصادية والعرقية الضمنية معًا لإنتاج الحداثة، وقد فعل الاحتلال ذلك من خلال تلفيق الخطابات حول هوية الطرف القادر على تحقيق الحداثة، وكيفية ذلك، ضمن قوانين الطبيعة الجوهرية، المتخيلة حديثًا.
يحاجج جيكس بأن ذلك يشبه إلى حد كبير الطريقة التي صنفت بها أفكار الداروينية الاجتماعية الشعوب إلى تسلسلات هرمية عرقية ثابتة لا تتغير، تغطي الكرة الأرضية. وقد حددت النزعة الاقتصادية “”economism (الإيمان بأولوية الأسباب أو العوامل الاقتصادية) أيا من عناصر الطبيعة البشرية الذي يخص مجموعة سكانية معينة دون أخرى، وأي العناصر التي يمكن الخلوص إلى أنها “عالمية” في جوهرها. وقد قررت الإمبراطوريات الأوروبية أن السياسة الليبرالية لا يمكن ممارستها إلا من قبل عدد قليل من “الحضارات” ذات القيمة (أي السكان البيض الأوروبيون)، لكن الاقتصاد الليبرالي يمكن أن يتجذر داخل أوروبا وخارجها. ومع ذلك، يجب تعليم هؤلاء السكان، من أجل تحقيق النجاح، حيث يُعتقد أن السكان الخاضعين للاستعمار يفتقرون إلى القدرة الطبيعية لحساب السياسة المالية بما يتجاوز الأرباح والخسائر البسيطة. لذلك نشأ مفهوم الاقتصاد الاستعماري، الذي كان مميزًا من حيث أن مزاعم الحقيقة الخاصة به كانت استثنائية على نحو قاطع، وليست عالمية …
وصف المؤيدون للاستعمار خضوع السياسة للعوامل الاقتصادية بأنه سمة مميزة لسكان محددين، جعلتهم غير مؤهلين لحكم أنفسهم وبالتالي جعلوا من الوصاية السياسية مسألة ضرورية وشرعية. فمن حيث الجوهر، حاجج البريطانيون بأن تطبيق مكونات الرأسمالية المالية – أي نظام الائتمان والأسهم والسندات والأسهم – في مصر من شأنه أن يضفي نضجًا اقتصاديًا على المصريين. وتعززت شرعية الاحتلال البريطاني بشكل أكبر من خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدتها مصر في تسعينيات القرن التاسع عشر، والتي زعموا أنها حدثت بسبب أدواتهم المالية. وعلى الرغم من أن هذا الادعاء قد تم الطعن فيه بسبب الانهيار الاقتصادي في أوائل القرن العشرين، فإن هاتين الفكرتين معًا – فكرة التسلسل الهرمي الحضاري وفكرة نقل الاقتصاد الأوروبي من خلال الوصاية الاستعمارية – سوف تتجلى على نطاق أوسع في ظل تفويضات عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى.
يفحص جيكس أيضًا الاستجابة المصرية لهذه التدخلات البريطانية من خلال الصحف المتفرقة التي عمل فيها المثقفون المصريون بشكل جماعي لتحدي ظروف عصرهم. وبعيدًا عن تقبل الحجج البريطانية الأوروبية حول وجه ضرورة الاقتصاد الاستعماري لولادة الحداثة في مصر، سعى المصريون عبر صحافتهم، وعبر المظاهرات الوطنية لاحقًا، إلى إنتاج نظريات مقاومة ونقدية، لاسيما في أعقاب أزمة عام 1907. وجادلوا بأن إعادة تشكيل الاقتصاد المصري ليصبح سهل الانقياد للاستثمارات الأجنبية، على نحو أثر بشكل مهين تمامًا على السيادة المصرية، قد أثبت أن الاحتلال البريطاني غير شرعي. ومع ذلك، وبسبب الطريقة الشمولية التي ربط البريطانيون بها مصر باقتصاد متوسع وممتد عالميًا – اقتصاد كان يمر بأزمة جماعية في أوائل القرن العشرين – توصل هؤلاء المثقفون المصريون إلى الاعتقاد بأن الاستقلال السياسي وحده لن يحل مشاكلهم الاقتصادية التي سببتها بريطانيا. عوضًا عن هذا، جادلوا بأنه يجب على مصر تحقيق الوطنية الاقتصادية أيضًا، حيث ستتم حماية مؤسساتهم الاقتصادية من خلال المجال السياسي.
[1] https://themaydan.com/2022/04/book-review-aaron-jakes-egypts-occupation-colonial-economism-and-the-crises-of-capitalism-reviewed-by-kylie-broderick



