غير بعيد عن مدينة لوفان لانوف البلجيكية، على مرتفع في منطقة معزولة وسط غابة صغيرة حيث لا صوت يعلو فوق صوت السكون والهدوء يقع دير جميل بني سنة 1970م. قيل لي أن الطريق الموصلة إليه قد تنقطع إذا ما سقطت الثلوج بكثرة. كان ذلك طبعا قبل أن تهب ريح الاحتباس الحراري الساخنة فتدفئ شتاء بلجيكا البارد والطويل وتذيب ثلجه! بُني هذا الدير بطوب أحمر وقراميده رمادية، هندسته بسيطة لكنها جميلة وأنيقة ومتجانسة مع الطبيعة حوله. يعيش فيه رهبان عددهم لا يتجاوز العشرة رجال غالبيتهم شيوخ. الحياة في الدير منظمة تنظيما دقيقا فلا مكان فيها للفوضى والعبث واللهو واللغو! فهي تقوم عادة على أركان هي الطاعة والصلاة والعمل وكذلك الضيافة. كل ذلك يقوم به الرهبان في صمت. يبدأ هؤلاء يومهم في السابعة صباحا بالصلاة وينهونه بالصلاة وذلك حوالي الثامنة مساء وبقية اليوم هم بين عبادة وتأمل وعمل، من كنس وطبخ وقطع للأشجار واستقبال للزائرين و… تجاذبت مع بعضهم أطراف الحديث فذكر لي أحدهم أنه قضى أسبوعا في الصحراء المغربية، وأنه يحمل ذكريات طيبة عن مقامه هناك. كما استرعى انتباهي راهب يدخن!
يحتوي هذا الدير على محل تباع فيه بعض الكتب للصغار والكبار مؤلفوها مسيحيون. كما تباع بعض المنتوجات الأخرى كالجبن والعسل وغيرها. وعلى بعد بضع عشرات من الأمتار من الدير يوجد مستشفى لإعادة ترويض المصابين بأمراض الجهاز العصبي. يذكرك قرب المستشفى من الدير بالاعتناء الذي أولاه الرهبان في تاريخهم الطويل للمعوزين والمرضى والمهمشين…
كما يوجد به فندق من نوع خاص يشرف الرهبان على تسييره. دار الضيافة هذه مفتوحة في وجه المسيحي وغير المسيحي. فقد يأتي أحدهم للتعبد وآخر للخلوة والتأمل وآخر للهروب من قلق وضجيج المدينة وصنف آخر للبحث عن معنى لحياته أو للتركيز في عمل معين كالكتابة مثلا وكان هذا شأن صديقتي. وقد قيل لي أن مجموعة من الصوفية يأتون إلى هناك للخلوة وحلقات الذكر. وصادف مروري من هناك وجود مجموعة من الطلبة والطالبات أتوا للإعداد للامتحانات. لكن من غرائب ما سمعت أن من رواد الدير بشكل دوري ومستمر سيدة ذات أصول إفريقية تأتي لخلوة مدتها ثلاثة أيام تصوم فيها عن الطعام والكلام! لم أجد تفسيرا لفعلها هذا إلا قول سيدنا زكريا “قال رب اجعل لي آية، قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا” (سورة مريم 1). فلعل مجموعة من المسيحيين تناقلت هذه الطقوس عبر الأجيال لتظل صامدة متحدية عوادي الزمن والله أعلم!
تحتوي دار الضيافة على عدة غرف صغيرة المساحة، ثمن قضاء الليلة فيها 25 أورو. تطل نوافذها على الغابة، وأنت جالس قد ترى سناجيب تتسلق في رشاقة وخفة جذوع الأشجار. الغرف بسيطة في شكلها وأثاثها، فيها فراش وخزانة ومكتب صغير وضع فوقه إنجيل، لا أدري أي الأناجيل هو لكن عندما تصفحته وجدت به فقرة تتحدث عن تحريم أكل لحم الخنزير، الشيء الذي أثار استغرابي.
على أي يمكن للزوار إن أرادوا مشاركة الرهبان أكلهم في أوقات محددة ثم إن هم رغبوا شاركوا بعد ذلك في غسل الأواني وتنظيف المطبخ.
العمق الأوربي
مثل هذا الدير الذي وصفت لكم وغيره كثير مُنتشرٌ في ربوع القارة العجوز. بعضها أعيد ترميمه وأعيدت له الحياة خاصة في أوروبا الشرقية بعد أفول نجم الشيوعية. وهذه الأديرة منها ما بني في مناطق نائية لا تخطر على بال، وأعجبها تلك التي بنيت على قمم الجبال فكأنها نحتت في الصخور، فهي مبهرة! والقاسم المشترك بين كل هذه الأديرة هو سحر وروعة المكان والطبيعة الباعثة على الاسترخاء والتأمل.
هذه الأديرة شاهدة على العمق الروحي لأوروبا. وعمق الشعوب والأمم هو روحها الذي شكلته عبر قرون سرديات كبرى تحكي قصة الإنسان ورحلته بين الحياة والموت. وعمق أوروبا الروحي مسيحتيها، فقد كان هناك ولا يزال راهبات ورهبان تفرغوا للعبادة فهم في صمتهم الطويل مستغرقون. فالصمت كما يقولون يذكر ببداية الخليقة وهو أيضا يذكر بنهايتها حين تموت، كما أن الصمت يفرغ المكان في القلب ليستقبل كلام الله. يبدأ هؤلاء الرهبان يومهم بالصلاة وينهونه بالصلاة وهذه الفئة يقل عددها بشكل مستمر لعزوف الأجيال الصاعدة عن الدين فتبهت صلة الأوربي بالسماء.
على أية حال تبقى الأديرة في أوروبا مأوى هادئ لبعض أولئك الذين أتعبتهم الحضارة أو لبعض الأوروبيين الذين يبحثون عن جذورهم …. كما أنها جيوب لمقاومة مد منظومة الاستهلاك التي تبتلع روح الإنسان فتهلكها وتمسخها، وهي أيضا مزارات سياحية رائعة. فلا تنسى أيتها القارئة الكريمة، ولا تنس أيها القارئ الكريم إذا ما زرت أوروبا أن تعرج صوب هذه المعالم الروحية فهي ليست غريبة عنا نحن المسلمين!
فديننا يقدر أماكن العبادة وحرمتها “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز”، (سورة الحج، 40).
وفي سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم ذكر لأسماء رهبان فضلاء كبحيرا وورقة بن نوفل.. كما أن فيها عهد وذمة وأمان من نبينا لساكني الصوامع من الرهبان.




where to buy cialis online forum A rare cause of anosmia in an adolescent