تصدير
“إن أردتَ اختيارَ متعة النموّ
فجهّزْ نفسك لبعض الألم
تريد ألما أقل؟ انكمشْ إذن وكن جزءا من القطيع”
فريديريك نيتشه
تدريب
في العزلةِ، أدرّبُ نفسي على الألم
صباحا أجُسُّ رقبتي التي تؤلِمني إثر نومةٍ غير هانئة
وأقول: لن أذهب إلى الطبيب، كالعادة
سأجهّزُ نفسي لبعضِ الألم
وأنشغلُ بنشرِ الغسيل على حبل غسيلٍ يرتفع عاليا فأمدُّ رقبتي الى فوق
كزرافةٍ افريقيةِ، وأتجاهل الوجعَ الرّاصد بين كتفي والرقبة
وأقول: سيمضي الربيعُ بأوجاعه الثّاويةِ في مفاصلِ العالم
سيمضي كما أتى.. ثقيلا وخائبا
سأجهّز نفسي لبعض الألم
فأنسى وجعَ عينيّ وأنا أقرأ أخبارَ الموتى الجدد في فرنسا
وأقول: لن أذهبَ إلى موعدي الربيعيّ لطبيب العيون
وأنشغل بقراءةِ كلّ الرّوايات التي أجّلتُ وكلّ الحكايات والأشرطة
وكلّ المقالات التي تحلّل دموع الوزير
وكلّ المقالات التي لم تحلّل
وأدرّب عينيّ على تحمّل الألم كاملا
دون نقص
سأجهّزُ نفسي لبعض الألم
فأتركُ ضرسي يقرعُ رأسي جرسُه كلّ ليلة وأنام
أنام لأنصتَ إلى أجراس الكنائس وقت الوباء
وبكاءِ المآذن
ورنّةِ انتهاء الأوكسيجين.. في مستشفيات منهكة
وصفيرِ الروح وهي تغادر نحو السماء
ودويِّ القنابل وهي تدوّي فوق مدن لا تخاف كورونا..
سأجهّزُ نفسي
فأترك يديّ تتشقّقان من أثر مواد الغسيل
ولا أرطّبُها كما اعتدتُ سابقا
فينفلقُ الخنصَر دمًا وأتجاهله
ولن أطلبَ ألمًا أقل..
لن أطلبَ ألمًا أقل..
من ألمِ العالم في هذه المرحلة
سأجهّزُ نفسي لبعض الألم
سأجلسُ ليلا أمام كهوفٍ حديثة
وأخشوشن كامرأةٍ بدائية
أضَعُ قِدرا فوق الأثَافي
وأسردُ في عزلتي حكايات وحوش أكيمو
وألوكُ الأرضَ كالذّرة وأعوي
كذئبٍ عند بزوغ القمر
سأدرّبُ نفسي على ألمٍ قادم
لا أدري كيف يكون
وسأفكّر:
الألمُ هبةُ البشر وحدهم
وسأقول مع الفيلسوف:
ليس في الألمِ ما يؤلمُ
نعم
ليس
في الألمِ
ما يؤلمُ.
الحجر الصحي ربيع 2020



