في دراسته المنشورة تحت عنوان ” Death Cults and Dystopian Scenarios: Neo-Nazi Religion and Literature in the USA Today ” (طوائف الموت والسيناريوهات التشاؤمية: الدين النازي الجديد والأدب في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم) يسعى جيوف باوتشر الباحث والأستاذ المساعد في كلية الفنون والتعليم في جامعة ديكن بأستراليا لاستقصاء ودراسة التمثلات الأدبية للمعتقدات الدينية والسياسية لمنظّري النازيين الجدد المؤثرين في الحركات اليمينية في الولايات المتحدة اليوم.[[1]]
يقول باوتشر إن السبب وراء مسعاه في هذا السياق هو أن الرواية الأدبية حلت لدى الفاشية المعاصرة محل البيان السياسي، لأن الرواية يمكن أن تتجنب الرقابة وتتجنب الملاحقة القضائية. ويشير إلى أن هذه الأدبيات تظهر الاختلافات العقائدية بين المذاهب الثلاثة الرئيسية للدين النازي الجديد: الكونية والهوية المسيحية والأودينية (نسبة إلى أودين وهو كبير الآلهة في الميثولوجيا النوردية الاسكندنافية). ويقول إن تلك التخيلات البائسة للأدب الفاشي تطرح سيناريوهات الحرب الأهلية والإبادة الجماعية وترسيخ تفوق العرق الأبيض.
يشير باوتشر إلى أن الرواية الأدبية.. تعد جزءًا من استراتيجية فاشية تقوم على مبدأ “المقاومة بلا قيادة”، حيث يقوم المنظرون الأيديولوجيون المؤثرون بتنظيم الحركات الإرهابية وتنشيطها من مسافة محمية قانونًا من خلال أدوارهم كمؤلفين وأدباء ومحرري مجلات ووعاظ دينيين. ويقول إن التأثير المستمر لهذه الشخصيات وأعمالها أصبح الآن مهمًا في الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الارتفاع الحاد في الإرهاب المحلي اليميني والتعبئة الاجتماعية على مدى السنوات القليلة الماضية، ويؤكد على أنه لم يعد بإمكان الباحثين المهتمين بالديمقراطية تجاهل هذه الظاهرة.
يسلط باوتشر الضوء في هذه الدراسة على روايات عدد من الكتاب والمؤلفين مثل ويليام لوثر بيرس (1933-2002) وهارولد كوفينجتون (1953-2018) وعلى الحركة الأودينية في كاليفورنيا. ويشير باوتشر إلى أن بيرس كان مؤلفًا لعدد من الروايات التي ألهمت بشكل مباشر الجماعات الإرهابية النازية الجديدة وتفجير أوكلاهوما الشهير في عام 1995، وفي إلهام جرائم القتل الجماعي التي ارتكبها كل من أندرس بريفيك (يميني نرويجي معاد للإسلام ومرتكب مذبحة في عام 2012)، وبرينتون تارانت (مرتكب المذبحة الشهيرة في المسجدين بمدينة كرايست تشيرتش في نيوزلندا).
على الرغم من السطحية واللاعقلانية الواضحة في تلك الأعمال الأدبية، فإن هذه الكتب لها هدف مركّز وجاد بحسب باوتشر. حيث يجعل أولئك المؤلفون من العنف شكلاً من أشكال التعبير عن الذات المتسامية، القائمة على تصور صوفي عن الصراع الدائم والتفوق الروحي، وفي نهاية المطاف، يبقى الخلاص الناجم عن العنف المتجدد متاحا فقط للمؤمنين الآريين. هنا، يعمل الدين النازي الجديد كما يقول باوتشر كقوة تحفيزية للأقلية الصغيرة من معتنقيه.
يشير باوتشر في ختام دراسته إلى أن هذا الشكل الأدبي لا يهرب فقط من الملاحقة القضائية بسبب خطاب الكراهية، بل إنه يوفر أيضًا وسيلة للدعاية والتجنيد. كما أن انتشار مثل هذه القصص يخلق مناخًا أيديولوجيًا يمكن أن يصبح فيه العنف السياسي للنازيين الجدد والصراع الأهلي أمرًا طبيعيًا؛ فنظريات المؤامرة والصور النمطية العنصرية التي توفرها تلك الروايات تبرر وتشرعن العدوان الوقائي. في الوقت نفسه، يوفر السرد الخيالي الذي توفره تلك النصوص مجموعة حية من التجارب غير المباشرة التي تعد ذخيرة ومصدر إلهام للأفراد لارتكاب العنف الحقيقي.



