ترجمة: البشير عبد السلام
مقدمة المترجم:
قبل حوالي قرن من اليوم ساد اعتقادٌ كبير داخل أوساط علماء الاجتماع والتاريخ والفلسفة في الغرب بصحة مقولة “فك السحر عن العالم”، ويقصدون تحديدا عالم الحداثة الذي تميَّز بمركزية الإنسان فيه كخليفة للإله؛ ليس بالمعنى الإسلامي المعروف والذي يُحيل على استخلافِ حيٍّ يمُوت لحَيٍّ لا يمُوت، بل هو استخلافٌ لإلهٍ أعلن الفلاسفة وعلماء الاجتماع موتَه. ومن تمثُّلات هذا الموت – برأيهم – حلول العلم محلَّ التفسيرات اللاهوتية للكون وحلول التكنولوجيا محلّ السحر وحلول الطب محلّ الصلوات والتعاويذ[1].
لكن فكرة موت الإله التي انبثقت من المركز الأوربي ستعرف مراجعات كبيرة على فترات متقطعة لتشهد ذروتها في أواسط السبعينيات من القرن المنصرم مع صعود ما يسميه جيل كيبل بظاهرة “انتقام الإله”، حيث سيقوم الدين باحتلال المجال العام لكن هذه المرة باعتباره مُكوّنا أساسيا للهوية الثقافية للشعوب، وهكذا ظهر الإسلام السياسي ليواجه الإمبريالية والتدخل الغربي رافعا شعار “الحاكمية لله”، وظهرت الصهيونية لتحقيق حلم وطن خاص باليهود باعتبارهم “شعب الله المختار”، وانتعشت الأصولية المسيحية في نُسختَيْها الكاثوليكية والبروتستانتية مع انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني لرئاسة الفاتيكان من جهة، ومع صعود ريغان للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، حيث تراجع الأول عن قرارات مجمع الفاتيكان الثاني الذي كان يشرعن العلمانية، فيما أصبح تداول عبارة “بارك الرب في أمريكا” قويًّا في الخطابات الرئاسية للثاني كدليل على نية إحياء فكرة قديمة كان الأمريكيون يعتقدون معها أن بلدهم يمثل الذراع العسكري للعناية الإلهية[2].
وبين من قال بموت الإله وبعودته منتقما؛ يأتينا خوان خوصيه طامايو بنظرية تنفي موتَهُ ومن ثمَّ عودتَهُ، لكنها لا تنفي أن مسار العلمنة وأفكار الحداثة ساهمت في تراجع الايمان بالإله وسيادة التوهُّم بموته؛ إذ يحاول اللاهوتي الإسباني تنبيهنا فقط إلى أن كلا من الحداثة والعلمنة في تقاطعهما مع مشروع الاستعمار والرأسمالية لم يستطيعا إنهاء حضور الإله بقدر ما قاما بتشويهه، ليظهر الإله في تمثُّلٍ جديد لا يمُتُّ بصلة إلى التصور الذي عُرف عنه مع الأديان المعروفة.
ويقدم طامايو ثلاث نماذج بارزة لهذا الإله المشوّه والذي يحضى بعبادة ملايين البشر له حول العالم وإن لم يعترفوا جهارا أو لم يكونوا على وعي بذلك.
وتتمثل صورة الأول في (إله السوق) حيث تحولت الرأسمالية إلى دين عالمي له يقينياته الخاصة التي تبرز جليا مع نظرية “نهاية التاريخ” التي تسوّق للرأسمالية باعتبارها الخلاص الأخير، وهو مفهوم ديني بالمقام الأول؛ بمعنى أن كلَّ الأديان في مرحلة انبثاقها تنطلق من الزعم أنها البشارة الأخيرة بخلاص البشر من المعاناة[3].
ثم ينتقل طامايو للحديث عن الصورة الثانية الممثلة في (إله الباترياركية) حيث أن إضفاء صفة الرجولة على الإله أدى إلى تأليه الرجل، وكأن الكاتب هنا يردد عبارة شهيرة للفيلسوفة واللاهوتية النسوية ميري دالي Mary Daly تقول فيها “حين يكون الإله ذكرا فإن الذكر يُصبح إلها، وبهذه الطريقة تقوم الباترياركية الدينية بدعم وتكريس الباترياركية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية”.
وأخيرا يقارب الكاتب (إله الأصولية) من جهة كون الأخيرة أكثر من يتجلى فيها التشويه لصورة الإله بوضوح، حيث تجعل الإله يبدو متعصبا ومليئا بالحقد ورغبة الانتقام، وهو ما نتفق فيه كثيرا مع طامايو سيما إذا ما نظرنا إلى الأصولية في سياقها المعاصر وهي تُحوّل الدين إلى استهلاك نفساني يهدف الى ترقيع الأضرار التي أحدثتها الهزائم السياسية والاقتصادية ونمط الاستهلاك فيتم اختزاله في كونه مجرد هوية قومِية أكثر منها قِيَمية، وهو ما يقود إلى إنتاج تدين منرفز قادر على حرق كل شيء.
نص المقال
يعتقد الكثيرون أن نيتشه هو أول من استعمل عبارة “مات الإله”، بيد أننا نجد لها أصلا في نصٍّ لمارتن لوثر جاء فيه: “لقد مات المسيح؛ والمسيح هو الإله، ومن ثمّ فإن الإله قد مات”. وبدوره فقد استلهم هيغل هذه الفكرة من لوثر في (فينومينولوجيا الروح) حيث أكّد أن الإله باعتباره تعبيرا عن الشعور المؤلم للضمير التعيس قد مات وانتهى. كما أنه عادة ما تتم الإشارة في دروس فلسفة الدين إلى أغنية دينية لوثرية تعود إلى القرن السابع عشر تقول: “إن الإله نفسه يرقد ميتا، لقد مات الإله على الصليب”.
من المحتمل أن نيتشه وهو ابن وحفيد قساوسة بروتستانتيين يعرف الأغنية، بل لعله سبق وأن تغنى بها في قدّاس Gottesdienst، لكن يبقى أن الصيغة المنسوبة إليه هي التي حظيت بأهمية فلسفية، ومارست التأثير الأكبر في الفضاء السوسيو-ديني الحديث.
ثمة نصّان لنيتشه يُعتبران الأكثر شهرة حول إعلان موت الإله؛ جاء أولهما في (هكذا تكلّم زرادشت) عندما نزل مُصلح الديانة الفارسية القديمة من الجبل ليقابل عجوزا زاهدا هجر الدنيا وضجيجها ليكرّس حياته لمحبة الإله وتعظيمه فقط، وهو بالمناسبة موقف يتعارض مع موقف زرادشت الذي يقول إنه يحبّ البشر فقط، حتى أنه بمجرد ما ابتعد عنه قال في داخله: هل هذا معقول؟! يبدو أن هذا القدّيس العجوز المنعزل في غابته لا يعرف أن الإله قد مات!!. وحين دخل أول بلدة تصادفه في طريق عودته، وجد حشدًا من الناس مُجتمعِين في السوق فحدّثهم قائلا: “في القديم كانت الجريمة في حقِّ الإله تعتبر أكبر جريمة، بيد أن الإله قد مات، ومعه مات المُجرمون في حقه، لذلك فإن أفظع جريمة الآن هي تلك التي تُقترف في حق الأرض “.
أما النص الثاني فنجده في كتابه (العلم المرح) حيث يعلن نيتشه ” موت الإله ” من خلال مثال مثير للشفقة؛ يتعلق برجل مجنون يندفع نحو ساحة السوق في وضح النهار وبيده مصباح وهو يصرخ دون توقف: “أنا أبحث عن الإله !! أنا أبحث عن الإله !! “، وفجأة يغدو الرجل أضحوكة بين الرجال الذين تجمعوا حوله، ودون الاكتراث ببحثه المُضني عن الإله شرعوا يسخرون منه من خلال طرحِ أسئلةٍ تهكُّميةٍ عليه من قبيل: “هل الإله ضائع؟ […] هل تاه مثل طفل صغير؟ […] أم أنه مختبئ؟ هل يخاف منا؟ هل سافر أم هاجر؟ “. الشيء الذي جعل المجنون يرد عليهم: “لقد قتلناه !! أنتم وأنا، نحن جميعا قتلناه”.
وقد دخل هذا الرجل المجنون إلى عدة كنائس حيث رتّل Requiem aetermam deo [4]، وفي كل مرة كان يتعرض فيها للطرد ويُطلب منه توضيح لسلوكه كان يُجيب: “ما هذه الكنائس إذن إن لم تكن مدافن وقبور الإله؟! “. ويصف نيتشه هذا الإعلان عن ” موت الإله” بأنه ” أعظم الأحداث الأخيرة “، لكن الرجل المجنون يعترف بأن الإعلان جاء مبكرا جدا. فهل فِعلا تحقق إعلان نيتشه؟!
أعتقد أن الإعلان قد تحقق جزئيا فقط؛ وهذا لا يعني أننا نُنكر وجود تقدُّم للإلحاد الديني داخل مجتمعاتنا المُعلمَنة، وأنّ غياب الإله يلاحَظ بشدة، لكننا نشهد في الوقت نفسه ظاهرة أخرى، وأعني هنا تعدُّد التحوّلات الماسخة Metarmophosis للإله، وسأشير على سبيل المثال إلى ثلاثة أنواع منها وهي:
• إله السوق: حيث أن السوق قد تحوّل إلى ديانة “توحيدية ” سنَحت ببروز”الإله-السوق”، وقد سبق وأن حذّر من ذلك والتر بنيامين بوضوح كبير في مقال له بعنوان ” الرأسمالية باعتبارها دينا ” أكّد فيه أن المسيحية تحوّلت في زمن الإصلاح إلى رأسمالية، وأن الأخيرة هي “ظاهرة دينية في الأساس”.
هكذا أصبح نقد الرأسمالية أو مجرد التلميح بذلك يشبه نقد أو مساءلة القيم الأكثر قداسة؛ وما يقوله بنجامين عن الرأسمالية ينطبق اليوم على النيوليبرالية التي تم تشكيلها كنظام عقائدي صارم، وتتحرك باعتبارها دين “الإله-السوق” الذي يحل محل إله الديانات التوحيدية؛ وهو إله غيور لا يقبل بأي منافس، ويعلن أنه لا يوجد خلاص خارج السوق، ويَنسب لنفسه صفات إله ثيوديسيا[5] (مطلق القدرة، مطلق العلم، مطلق الحضور، مطلق العناية)، كما أن ” الإله-السوق” يدعو إلى التضحية بالبشر وبالطبيعة ويأمر بقتل كل من يُقاوِم عبادته.
• إله الباترياركية: غالبا ما تكون الصفات المنسوبة إلى الإله رجولية ومرتبطة بالذكورة المهيمنة وعلى علاقة وطيدة بالسلطة؛ وذكورية الإله تقود مباشرة إلى تأليه الذكر، وهكذا تُشرعِن الباترياركية الدينية للباترياركية السياسية والاجتماعية.
تنتقد اللاهوتية النسوية الألمانية “دوروثي سول” التخيلات الفالوقراطية[6] التي يؤسّسها الرجال حول الإله حيث أنها تُساءل عبادة السلطوية التي تحولت إلى إله إذ تقول: لماذا يعبُد البشر إلها من أهم صفاته هي السلطوية وهمُّه الأكبر هو أن يخضعوا له وأكبر مخاوفه هي أن يتساووا في الحقوق؟ لماذا يعبدون كائنا يتم توجيه الكلمة إليه بعد مناداته ب “سيدنا” والأدهى أن اللاهوتيين يتصورون أن هذه السلطوية لا تكفيه فيعمدون إلى وصفه بأنه مطلق القوة. فلماذا يجب علينا أن نعبد ونحب كائنا لا يتعالى على الأفق الأخلاقي للثقافة المعاصرة بل يقوم بترسيخها؟
هكذا إذن تتم ممارسة العنف الجندري باسم إله الباترياركية والذي تسبّب في إبادة أكثر من ستين ألف امرأة العام الفارط.
• إله الأصولية: غالبا ما تقود الأصولية نحو الإرهاب، وهي ظاهرة عرفها التاريخ باضطراد على شكل حروب دينية تجد مسوغاتها في زعم تطبيق إرادة إلهية، ويبدو أن الفيلسوف مارتن بوبر كان محقا عندما ألمح إلى أن كلمة الإله هي الأكثر تعرضا للإهانة والتمييع بين جميع الكلمات، ذلك أنه لم تتعرض كلمة أخرى للتشويه مثلها، فقد مزقت الأجيال البشرية المتعاقبة هذه الكلمة فقتلوا وتقاتلوا باسمها حتى أضحت كلمة تحمل بصماتهم ودمهم. إذ يصنع الرجال دمية ويكتبون تحتها اسم ” الإله” فيقتل بعضهم بعضا ويقولون “نفعل ذلك باسم الإله”، متجاهلين أن القتل باسم الإله يعني تحويله إلى سفاح، وقد وضّح خوسيه ساراماغو ذلك بعناية في رواية “قابيل” من خلال رحلة في ثنايا نصوص التوراة.
هكذا إذن غدا الإله تحت حصار السوق وتحت السلطة الباترياركية وفي مرمى نيران الأصولية، والنتيجة هي ما نعاينه بشكل يومي من عنف هيكلي للنظام السياسي وعنف ذكوري وعنف ديني تتم ممارستهم جميعا باسم الإله.
[1] انظر: عودة الدين ظاهرة عالمية، جان فرانسوا دورتييه ولوران تستو. ترجمة محمد الحاج سالم. منصة معنى 25 ديسمبر 2020.
[2] للاضطلاع أكثر حول الموضوع انظر بحثنا المعنون “الأصولية المسيحية: صحوة فريسية بوجه عنصري ونيوليبرالي ” الذي نشره مركز نهوض للدراسات والأبحاث بتاريخ 4 أبريل 2021.
[3] انظر مقدمة كتاب نصر حامد أبو زيد لكتابه (هكذا تكلم بن عربي) الصادر عن دار التنوير للنشر والتوزيع 2019.
[4] ترانيم صلاة الله الأبدية [المترجم]
[5] ثيوديسيا : كلمة أصلها إغريقي من theós التي تعني ” الإله” وdíké التي تعني “عدالة “، وهي نظرية فلسفية تُعنى بشرح وإثبات صفة العدل الإلهي وقدرته المطلقة وتفسير وجود الشر. وتجدر الإشارة أنها جزء من الفلسفة الطبيعية التي تقارب مباحث أكثر عمومية مثل اكتشاف أدلة وجود الله دون الحاجة إلى الاستناد على حقائق خارقة للطبيعة. [ المترجم ]
[6] نظرية ذكورية استعلائية ترى أن الرجل متفوق على المرأة طبيعيا وهو ما يُخول له الهيمنة عليها اجتماعيا [ المترجم ].
[1] أكاديمي اسباني وأحد أبرز منظري لاهوت التحرير بأوروبا، له العديد من المؤلفات من ألمعها كتابه الأخير (تدويل الكراهية، التأسيس والتفكيك) الذي صدر بالإسبانية في أواخر العام المنصرم.




The inhibition of dihydrofolate reductase results in depletion of intracellular pools of reduced folates propecia buy