في دراسته المنشورة في العدد الأخير من مجلة «تبين» الصادرة في آب \ أغسطس 2021 الماضي تحت عنوان «النظر في الدين مع فتغنشتاين» (ترجمة حجاج أبو جبر) يسعى المفكر وعالم الأنثروبولجيا طلال أسد إلى الاستعانة بفلسفة فيلسوف اللغة النمساوي – الإنجليزي لودفيغ فتغنشتاين للنظر في الدين وتوضيح بعض جوانبه المتصلة بقضية الارتباط بين الاعتقاد والممارسة على الصعيد الأخلاقي، وكذلك في التعامل مع بعض القضايا الخلافية في التقليد الخطابي الإسلامي فيما يتعلق بصفات الله وأسمائه. [[1]]
في مقدمة دراسته يقول أسد: «أنطلق في هذه الدراسة من تعليقات نقدية ساقها فتغنشتاين حول كتاب جيمز فريزر 1941– 1854 (الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدين)، وتمثل هذه التعليقات لحظة بالغة الأهمية في تطور تأملاته الفلسفية اللاحقة، في الاعتماد المتبادل بين اللغة والكينونة. لقد تعلمت من فتغنشتاين ضرورة إدراك قصور اللغة عن فهم العالم، بل ذوبان اللغة نفسها في السلوك اليومي..».
يشير أسد إلى أن فتغنشتاين لم يكن مؤمنًا بالمعنى التقليدي للإيمان، بل كان مهمومًا بمسألة اليقين Certainty، وينقل في هذا السياق قول الأخير عن نفسه «أنا لست رجلاً متدينًا، ولكني لا أستطيع أن أمنع نفسي من رؤية كل مشكلة من منظور ديني». ويعلق أسد على هذا الاقتباس بالقول: «أنه لا يعلن إيمانه (بالمعنى الحديث للكلمة)، بل يشير إلى استعداد فطري، إلى طريقة وجود في العالم».
في سياق تناوله لقضية أسماء الله وصفاته في التقليد الكلامي الإسلامي مستخدمًا فلسفة فتغنشاين، يقدم أسد مفهومًا جديدًا للقرآن الكريم يستحق التوقف لديه. يقول أسد في هذا الإطار: «لا يرى أهل الحديث والآثار القرآن مجرد عرض لتعارض ظاهر، بل الله وهو يتكلم إلى البشر في أزمنة بشرية مختلفة وبطرق خاصة مختلفة؛ طرق تمتنع ترجمتها على أكمل وجه إلى لغة بشرية، ولكن يمكن الاستجابة لها. فليس القرآن نصًا ماديًا (المصحف)، بل إنه الله وهو يتكلم، والمؤمنون وهم يستمعون له. وذكر صفات الله في القرآن– مثل التأكيد بأنه ليس كمثله شيء – هو دعوة إلهية غايتها غرس التقوى، وهي شكل حياة يقوم على فضيلة الرهب».
يشير أسد إلى أن المُخاطب في القرآن هو «الجسد المهتدي بالروح»، وإلى أن الأسلوب التربوي للغة القرآنية الذي يحث على الممارسة الفاضلة، يرتقي بالعلامات الدالة في هذا الخطاب ويعيد تشكيلها من جديد في جسد المتعبد المنصت، وفي قدرته على الشعور والفعل، بوصفه مسلمًا مخلصًا لله في هذا العالم، ومن ثم يعلمه فضيلة الرهب والرغب والتوكل على الله، وفق المنظور القرآني للجسد الذي نفخ الله فيه من روحه». هنا الاستجابة لكلام الله بحسب أسد تعني: «ذوبان المعاني التي توحي بها العلامات اللغوية في الجسد الذي نفخ الله فيه من روحه، ليس في الجسد في حده، بل في قدرة الجسد على أن يتعلم أن يحيا في طاعة الله».
ختامًا، يقول أسد إن الفشل الأكبر للحداثة كما استشعره فتغنشتاين يتمثل في: «الرغبة المستمرة في الانتقال نحو مستقبل خاضع للسيطرة بصورة متزايدة، ويصدر هذا الفشل عن الاعتقاد أن كل مشكلة تواجهنا لا بد من أن يكون لها حل. وأننا قلما نبالي بالتعاطف، شعورًا وفعلاً، مع باقي البشر ومعاناتهم، لأن معاناتهم..، هي النتيجة الحتمية لعالمنا الذي يقوده التقدم». ويفسر أسد هذا بأننا لم نعد اليوم نرى فضيلة في الرهب، ذلك الوعي العميق بالقصور البشري والاعتماد على قوة أعظم من القوة التي يملكها البشر. ويقول أخيرًا أنه ليس في وسع العقل العلماني ولا حتى إيماننا الديني أن يجعلا عالمنا آمنا إلى الأبد» ثم يختم كلامه بهذه الآية الكريمة «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ» (الرحمن :26).
[[1]]https://tabayyun.dohainstitute.org/ar/issue037/Pages/art07.aspx



