صدر هذا العام عن مؤسسة بريل العريقة للنشر كتاب جديد بعنوان « أقدم رحلة شنقيطية مدوَّنة: الرحلة المباركة للحاج محمد البشير بن أبي بكر البُرْتُلِي الولاتي إلىٰ الحرمين الشريفين (1204- 1206 هـ\ 1789 – 1791 م)». الكتاب من تحقيق ودراسة الباحث المصري عمرو عبد العزيز منير.[[1]]
تتمتع رحلة الحاج محمد البشير بقيمة تاريخية عالية لأنها أقدم رحلة حج مدونة تخرج من بلاد شنقيط (موريتانيا الحالية)، ولأنها تنفرد بوصف المعالم والمدن والقرى وأضرحة الصالحين والصحارى وآبار المياه العذبة والمالحة على امتداد الطريق بين بلاد شنقيط في أقصى الشمال الغربي لأفريقيا والحرمين الشريفين في شبة الجزيرة العربية.
مؤلف المخطوطة هو الحاج البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البُرْتُلِي المتوفى سنة 1214 هـ\ 1800م، المولود في مدينة ولاتة بالحوض الشرقي، المالكي المذهب، الأشعري المعتقد.
بحسب محقق المخطوطة لم تقدم المصادر المتاحة الشيء الكثير عن جوانب حياة المؤلف سوى ما أفصح عنه صاحبا كتابي: «فتح الشكور»، و«منح الرب الغفور»، اللذين لم يحددا تاريخ مولده ولا عمره. بينما عده المختار بن حامد ضمن علماء مدرسة بارتيل بولاتة.
ينتسب مؤلف الرحلة إلى قبيلة «بارتيل» التي اشتهرت بكثرة علمائها وشيوخها، وهم كما يشير المحقق ينتسبون للأنصار، وقد قدموا إلى بلاد شنقيط حسب المصادر المتواترة هناك ضمن قبائل أنصارية أخرى بعد القرن التاسع الهجري، واستوطنوا منطقة الحوض، ومدينة ولاتة تحديدًا، ولهم بها حي كبير هو «الحي الجنوبي» أو «رحبة بارتيل». وقد نشأ في أسرة علمية معروفة بولاتة، فأبوه الحاج أبو بكر بن الفقيه المتوفى سنة 1179 هـ\ 1766 م، كان فقيهًا نحويًا سنيًا اشتهر بالورع والصلاح وحسن الدراية، وجده هو الطالب محمد بن عمر الخطاط، الذي كان بدوره عالمًا فقيهًا متفننًا في علم المنطق والعروض.
يشير محقق المخطوطة إلى أن رحلة البرتلي تقوم على الإيجاز والاختصار، وتخلو من التأنق في التعبير، باستثناء التزام المؤلف بأسلوب السجع في صياغة المقدمة. يشير المحقق كذلك إلى تأثير الثقافة الدينية على لغته، واستخدامه للكثير من المفردات والتعبيرات من القرآن الكريم، ويلاحظ أيضًا تأثير اللهجة الحسانية على كلامه، وهي لهجة بدوية تعود إلى قبائل بني حسان الذي يعيشون في موريتانيا ومناطق أزواد في شمالي مالي وجنوب المغرب.
استغرقت رحلة المؤلف نحو العامين، بدءًا من انطلاقها من ولاتة في 25 صفر 1206هـ، وصولاً إلى عودتها في 14 محرم 1206 هـ. ويشير المحقق إلى أن المؤلف لم يحدد لنا تاريخًا محددًا لتأليف النص؛ إذ لا توجد إشارة لذلك في متنه، ويرجح في هذا السياق أن المؤلف كان يدون يومياته ومشاهداته في مسودات أثناء الرحلة، ولاسيما في أيام الاستراحات التي تسمح بذلك، وأنه أرجأ تبييضها لحين عودته إلى محل إقامته في ولاتة.
نشير ختامًا إلى أن رحلات الحج تتمتع بأهمية استثنائية كما يقول محقق هذه الدراسة، حيث تمثل: «خزانًا معرفيا وتاريخيًا، كما تقدم صورة عن الأحوال الثقافية والاقتصادية والسياسية لبلاد الحرمين الشريفين، وللمجموعات والبلدان التي يمر بها مدونها، مما يجعلها مصدرًا مهمًا لاستجلاء الكثير من الجوانب التاريخية والحضارية الغامضة، وكلما عُثر على رحلة كانت مفقودة، تكشف عالم جديد، وتبدى وجه من وجوه التاريخ، كان متورايًا خلف أستار النسيان، وكان مكسبنا الإنساني عظيما».
[[1]]https://brill.com/view/title/59626?language=en&contents=toc-44457



