النقد الأدبي هو الخطاب المعرفي الذي يهتم بدراسة النص الأدبي، “بالتركيز على قراءته ووصفه وتأويله، وإبراز خصوصيته الأدبية، وتأثيره على القُرَّاء”[1]. وهو يمثل بذلك فاعلية فكرية منظمة، مبنية على أسس نظرية وخطوات إجرائية محددة، تتخذ من النص الأدبي موضوعا للقراءة والتأويل والتحليل، من أجل تعميق معرفتنا به، وإنتاج معايير مشتركة لتقويمه وصياغة أحكام جمالية مناسبة له. إن “النقد في حقيقته تعبير عن موقف كلي متكامل في النظرة إلى الفن عامة، وإلى الأدب خاصة، يبدأ بالتذوق، أي بالقدرة على التمييز، ويعبُر منها إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقويم؛ وهي خطوات لا تغني إحداها عن الأخرى”[2].
ولذا يذهب عدد من النقاد إلى أن من مهام النقد الأساسية تمييز الأساليب وتقويم الأعمال الأدبية وتقدير قيمتها؛ وهكذا يرى محمد مندور أن من وظائف النقد الذي يتبناه. إلى جانب تفسير الأعمال الأدبية والفنية وتحليلها، وتوجيه الأدباء والفنانين. “تقويم العمل الأدبي والفني في مستوياته المختلفة، أي في مضمونه وشكله الفني، ووسائل العلاج كاللغة في الأدب، والتكوين والتلوين وتوزيع الضوء في التصوير مثلا، وذلك وفقا لأصول كل فن، مع مراعاة تطور تلك الأصول عبر القرون”[3].
ويرى محمد أنقار أن النقد الفعَّال “الذي يهدي” ينبغي أن يعمل على تقويم الأعمال الأدبية، وتنمية ملكة الحكم، كما يرى أن تحاشي التقويم “إفراز من إفرازات العولمة وما بعد الحداثة. ولا يكاد ينفصل عدم “التقييم” عن النقد المجامل أو الواصف بحياد. وماهية هذا النقد إبقاء الأمور على حالها (Status quo)، وتعطيل ملكة الحكم لدى الأجيال الصاعدة. إنه نوع من العماء الثقافي الذي يتناقض مع موهبة الابتكار وتحديد المواقف”[4].
ويقرر محمد أنقار أن التقويم الجمالي لازَمَ النقد الأدبي منذ ظهوره في الثقافة الإغريقية، وشكّل جوهر وظيفته؛ “فإذا عدنا إلى بويطيقا أرسطو مرة ثانية ألفيناها تسمي المظاهر الجمالية بأسمائها الحقيقية وتعلل بالحجج الإبداع الملحمي والتراجيدي الذي أصاب الهدف الفني أو لم يصبه. ويظهر أن الفكر النقدي الغربي المعاصر قد واجه هو الآخر إشكال التقييم، علما بأن الأصل الإغريقي لكلمة “نقد” يعني إصدار الحكم”[5]. وهذا يدل على أن التقويم وإصدار الأحكام النقدية الجمالية ليس مرفوضا في الممارسة النقدية، شريطة بنائها على أصول منهجية، كما يدل على أن السمة المعيارية ليست بالضرورة سمة سلبية في النقد، إذا كانت مصحوبة بالدراسة النصية التطبيقية؛ فلا بد من مراعاة كون الإنجازات الجمالية تخضع دوما لمبدأ التراتب واللاتساوي، ومن ثم تكون مهمة الناقد “القطع مع اللامبالاة، مع تساوي الأشياء، في كل مكان حيث ينبغي أن يوضع واحد منها قبل الآخر، أو فوق الآخر”[6].
ويشير نص نقدي لميكائيل رِيفَاتِيرْ إلى أن التحليل النصي ـ حتى في أدق أشكاله الوصفية ـ يمكن أن يصل إلى مرحلة التقويم والحكم، حين يعمد إلى رصد عناصر التأثير التي يمارسها النص على القارئ، وهي بالتأكيد عناصر جمالية ودلالية في الآن نفسه؛ ففي دراسته لتحليل كل من كلود لفي شتراوس ورومان جاكبسون لقصيدة (سُونيتة) “القطط” لبودلير، يلاحظ ريفاتير أن القارئَيْن (الناقِدَيْن) (شتراوس وجاكبسون) “أعلنا ببساطة أنهما مَعنِيَّان بوصف ما يبني القصيدة فقط. وعلى الرغم من ذلك فقد توصلا إلى استنتاجات تتعلق بمعنى القصيدة، وحاولا أن يربطا القصيدة بنظرة الشاعر الجمالية، أو حتى بنفسيته؛ وتلك هي حقول علماء الأدب. وهذا يثير السؤال الآتي: كيف ننتقل من الوصف إلى الحكم، أي كيف ننتقل من دراسة النص إلى دراسة تأثيره على القارئ”[7].
كما يرى “ويلْبِرْ س. سْكُوتْ” (Wilbur S. Scott) أن من مهام النقد، إضافة إلى التفسير النظري لطبيعة البناء الشعري، أن “يواجه نماذج من الشعر باستمرار”، ولذا فهو يريده أن يكون كذلك “لغرض تطبيقي هو: التثمين المباشر لاستعمال اللغة ولمعناها وقيمتها في ذلك الشعر ذاته”[8].
وفي توضيحه لمفهوم النقد الأدبي ووظيفته ـ في مقابل تاريخ الأدب والنظرية النقدية ـ يقرر “أنطوان كومبانيون” (Antoine Compagnon) أن النقد الأدبي: “خطاب عن الأعمال الأدبية، يُركز على تجربة القراءة، فيصف ويُؤول، ويُقَوِّم المعنى وكذا تأثيرَ الأعمال الأدبية في القراء (الجيِّدين)، وأيضا في القراء الذين ليسوا بالضرورة علماء ولا متخصصين. إن النقد يُثمِّن ويحكم…”.[9]
إن ما يميز الخطاب النقدي، إذن، هو القدرة على التقويم والحكم، وذلك عبر إجراءات القراءة المختلفة، التي هي عبارة عن محاورات مستمرة للنص بمكوناته وسماته ومستوياته المختلفة.
ولعل الفهم العميق لهذه الوجهة التقويمية في النقد الأدبي لا يمكن أن يتم إلا باستحضار منظور فلسفة الجمال؛ فقد قرر “كانْط” أن الحكم الجمالي ملكة إنسانية لها وجودها وأهميتها، وهي ملكة نابعة من الذوق بالأساس، لأن “الذوق هو ملكة الحكم الجمالي على شيء أو شكل من أشكال التعبير. وتحليل أحكام الذوق يجب أن يحدد ما هو ضروري لوصف الشيء بكونه جميلا. والحكم الذوقي ليس حكما معرفيا، ومن ثم فهو ليس منطقيا، ولكنه حكم جمالي؛ ومعنى الجمالي هو ما لا يمكن أن يكون المبدأ المحدد له إلا ذاتيا”[10]. لكن تتبع كانط للوظائف المنطقية للحكم أثبت أن هناك دوما علاقة للحكم الذوقي بالإدراك. ولذا فقد فحَص بالأساس مَلمح “الجودة” في العمل الفني، لأنه أول ما يراعيه الحكم الجمالي[11].
وفي مجال النقد الجمالي المعاصر، يعترف “جان لاكُوسْت” (Jean Lacoste) بوجود “أزمة تتصل بالحكم الجمالي تمنع من الإحالة على فكرة دائمة عن الجمال”[12]، ويتساءل عن أسباب هذه الأزمة وصلتها بغياب معايير ومصطلحات واضحة لتحديد عناصر التقويم الجمالي[13]. وهذا يؤكد أن الحكم الجمالي ما زال يشكل قضية منهجية تتحدى النظر النقدي بمختلف تجلياته واقتراحاته، وتفرض مساءلة عملية إدراك الأحكام النقدية التقويمية وعلاقتها بالتكوين المعرفي للناقد.
[1] – Antoine Compagnon, Le démon de la théorie : Littérature et sens commun, Editions du seuil, Paris, 1998, p: 20.
[2] ـ محمد كريم الكواز، البلاغة والنقد: المصطلح والنشأة والتجديد، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2006، ص: 54.
[3] ـ محمد مندور، النقد والنقاد المعاصرون، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، 2004، ص: 190 ـ 191.
[4] ـ النقد الذي يهدي، د. محمد أنقار، مجلة العبارة، السنة الأولى، العدد الأول، صيف 2006، ص: 14.
[5] ـ نفسه، 14.
[6] ـ رشيدة التريكي الجماليات وسؤال المعنى، ترجمة وتقديم: إبراهيم العميري، الدار المتوسطية للنشر، تونس، ط1، 2009، ص: 28.
[7] ـ ميكائيل ريفاتير، وصف البنى الشعرية: مقتربان لقصيدة بودلير: القطط، ضمن كتاب: نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، تحرير: جين. ب. هوبكنز، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم، مراجعة وتقديم: د. محمد جواد حسن الموسوي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، بلا رقم طبعة، 1999، ص: 77.
[8] ـ خمسة مداخل إلى النقد الأدبي، ويلبر س. سكوت، ترجمة: د. عنان غزون إسماعيل وجعفر صادق الخليلي، دار الرشيد للنشر، بغداد، بلا رقم طبعة، 1981. ص: 355.
[9] – Antoine Compagnon, Le démon de la théorie : Littérature et sens commun, Editions du seuil, Paris, 1998, p : 20.
[10] ـ Kant,Critique de la faculté de juger, pp: 63, 73.
[11] ـ Ibid, p: 63.
[12] _ Jean Lacoste, Les aventures de l’esthétique : Qu’est-ce que le beau ?, Bordas, Paris, 2003, p 7.
[13] _ Ibid, pp 7 _ 9.



